تعد الخطابة وسيلة أساسية من وسائل الدعوة، ومن أهم فنون القول وأخطرها تأثيراً. والخطبة البليغة هي ما توافر فيها: الإقناع العقلي، والإمتاع النفسي، والتأثير الوجداني، مع مراعاة أصناف المخاطبين ومستوياتهم المختلفة، وظروف الزمان والمكان؛ فخطبة الجمعة في أي بقعة من بقاع الأرض وفي أي شهر من شهور العام تختلف عن خطبة يوم عرفة وخطبتي العيدين.

 تبدأ مراحل إعداد الخطبة باختيار الموضوع المناسب لحال المخاطبين وبيئتهم وثقافتهم، والمرحلة التي يمرون بها، وما يواجهونه من قضايا ومشكلات، ثم تحديد عناصر الخطبة وما يتصل بها من أدلة، ثم الربط بين تلك العناصر والأدلة، ثم يأتي دور الأسلوب الخطابي؛ وهو ما يميز الخطيب، ويظهر براعته، ويجذب الانتباه إليه، ولا يمله المستمعون، ومعنى «الأسلوب الخطابي»: طريقة الأداء وكيفية عرض الأفكار والمعاني. والخطيب يخاطب في المخاطبين عقولهم وأفكارهم وقلوبهم ومشاعرهم، وهو الذي يهتم بما يهتمون به، ويتألم لألمهم ويفرح لفرحهم، وهو أقدر الناس على الأخذ بأيديهم إلى بر السلامة والأمان، وما فيه سعادة الدنيا والآخرة؛ وهو قائدهم وإمامهم وناصحهم وطبيبهم!

ولكي يتحقق ذلك وينجح الخطيب في مهمته يجب مراعاة ما يلي:

1- تلاوة آيات القرآن تلاوة صحيحة: لقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـخَاسِرُونَ} [البقرة: ١٢١]، فإن طريقة التلاوة والأداء تجذب القلوب وتشد الانتباه وتريح النفس، وأقل ما يجب في هذا المجال هو اجتناب اللحن الجلي في القراءة، وإذا اجتنب اللحن الخفي فضلاً عن الجلي كان أفضل وأحسن، ويحسن صوته بالقراءة ما أمكن؛ وهذا ما يليق بجلال القرآن وعظمته، ففِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» (البخاري في فضائل القرآن 5023، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها باب استحباب تحسين الصوت 792)، ولأبي داود عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» (كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة 1471)، وَله، ولِلنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» ( 1468، 180، 1342)، وقيل في المعنى: زينوا أصواتكم بالقرآن هو من باب المقلوب؛ كما ذكره القرطبي.

2- مراعاة قواعد اللغة العربية، من حيث مخارج الحروف، فيفرق بين السين والثاء، وبين الظاء والذال والزاي، وبين الطاء والتاء، والضاد والدال، ويرقق ما يرقق، ويفخم ما يفخم. ومن حيث الإعراب؛ فلا ينصب الفاعل ويرفع المفعول ويفتح تاء المتكلم ويضم تاء المخاطب، فإن ذلك يفسد الكلام ويغير المعاني، كما يراعى قدر الإمكان ما بعد حروف الجر والمضاف إليه، واسم كان وخبرها، واسم إن وخبرها، ويراعى في النطق عدم الإفراط أو التفريط؛ فلا يتشدق ولا يتفيقه ولا يتكلف في الأداء ليظهر للناس تمكنه في اللغة والفصاحة؛ فإن الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْـمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86]. وعليه ألا يتكلم بالعامية الدارجة والتي لا تليق بمقام الخطيب ولا مكانته، وعليه أن يحذر الألفاظ السوقية، والأجنبية؛ فإن المشابهة في الهدي الظاهر تورث المحبة في الباطن؛ وهو محظور (ذكره ابن تيمية رحمه الله في اقتضاء الصراط المستقيم).

3- التصرف في فنون القول والكلام، ويتحقق ذلك بما يلي:

أ - اختيار الألفاظ الجزلة القوية، أي المتينة العذبة، والتي تتفق مع مقام الخطبة وموضوعها، فإذا تكلم عن الجهاد، وتحريض الناس وحثهم عليه؛ فعليه أن يتخير الألفاظ التي تثير الحماس والحمية في نفوس الناس، ويرغبهم في الجهاد وفى الشهادة في سبيل الله، ودرجة الشهادة والشهيد، ولا شك أن ذلك يستدعي انفعال الخطيب وعلو صوته واحمرار وجهه، وذاك دليل على تأثره بما يقول، وأن كلامه يخرج من قلبه، وكما قيل ما خرج من القلب يصل إلى القلب وما خرج من اللسان لا يتجاوز الآذان.

وعلى عكس الألفاظ الجزلة القوية، فهناك الألفاظ الرقيقة اللطيفة، فكما قيل: لكل مقام مقال، وهذا النوع يناسب مقام الحديث في الرقاق؛ أي ترقيق القلوب، وذلك حينما يكون الكلام في الزهد والتزود من الدنيا للآخرة، وتهوين أمر الدنيا، وأنها مزرعة للآخرة، وغير ذلك.

ب - اختيار وسائل الإثارة المناسبة، ومنها التكرار، لما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن.. قالوا من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه» (أخرجه البخاري من حديث أبى هريرة في باب الأدب 6016)، وكما في حديث أبى بكر رضى الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر...» (ثلاثاً) (البخاري في كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور 2645، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر 87)، ومنها: استعمال اليد والأصابع (الإشارة): كما في حديث سهل ابن سعد: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرق بينهما» (رواه البخاري 6005)، وكما روي - أيضاً - في ذكره تحريم الحرير والذهب للرجال وحله للنساء، وقد رفع - أيضاً - إصبعيه السبابة والوسطى (حديث رقم 5829 كتاب اللباس باب لبس الحرير...).

ج - ومما تجب مراعاته ألا يتحدث الخطيب بوتيرة واحدة من أول الخطبة إلى آخرها كأنه يقرأ من ورقة أو من كتاب، أو كأنه يسرد ما تعب في حفظه ويخاف ألا ينسى منه شيئاً، فيكون همّه إلقاء ولفظ ما حفظ، ومما تجب مراعاته ألا يطيل الخطبة فمن فقه الرجل تقصير الخطبة وإطالة الصلاة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة ساعة بعد ساعة خشية السآمة والملل وهو من هو صلى الله عليه وسلم! ويجب أن يعلم الخطيب أن المستمع لن يستوعب كل ما يقوله الخطيب في خطبته، وأن قدرته على التركيز والانتباه محدودة ولا تسير على نسق متصل، فالخطيب البارع هو الذي يملك قلوب الناس ويشد انتباههم على مدار خطبته، ولا يدع لأحد فرصة للانصراف عنه، أو السآمة منه، فعن ابن وائل عن عبد الله قال: «كان رسول الله يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا» (رواه البخاري كتاب الدعوات باب الموعظة ساعة بعد ساعة. ويبين ابن حجر - رحمه الله تعالى - فائدة مهمة من هذا الحديث فيقول: «وفيه رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه وحسن التوصل إلى تعليمهم وتفهيمهم ليأخذوا عنه بنشاط لا عن ضجر ولا ملل» (فتح الباري 12/ 532). ولا ينسى الخطيب أننا في عصر تزاحم المعلومات والبحث عن جاهزية المعرفة!

د - اختيار الأساليب المناسبة لموضوع الخطبة: ومن ذلك:

أسلوب التشويق، كما كان يفعل رسول الله 3 في قوله:

«ألا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» (رواه مسلم من حديث أبى هريرة 848 كتاب الإيمان).

أسلوب الترغيب قبل الترهيب، فكان عليه الصلاة والسلام يرغّب ويبشّر وييسّر على الناس أمور التكاليف، ويبدأ بالسهل اليسير ولا يبدأ بالصعب إلا في أمور التوحيد؛ فلا تهاون فيه ولا تجزئة ولا حلول وسط؛ لقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ 1 لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ 2 وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ 3 وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ 4 وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ 5 لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: ١ - ٦]، وقوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 23].

أما التكاليف، فقد فرض الله تعالى التكاليف الشرعية بتدريج، وذلك بعد استقرار الإيمان وصحيح التوحيد ومقتضياته. والمتأمل في كتاب الله عز وجل يجد أن ترتيب المصحف الشريف منهج تشريع قائم على التدريج، وفى حديث معاذ رضى الله عنه لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقد بدأ بالتوحيد، ثم بالصلاة والزكاة، وقال في آخر الحديث: «بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا» (أخرجه البخاري رقم 69، 3038، ومسلم من حديث سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن جده برقم 2751)، وفى معرض النهي عن تنفير الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «إن منكم منفرين» (رواه البخاري في الأذان برقم 702، وفى الأدب برقم 6110، ومسلم برقم 466)، وهذا هو منهج القرآن الكريم، فقد قال الله تعالى لموسى لما أمره بدعوة فرعون: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: ٤٤] ثم بعد ذلك عنفه وتوعده في قوله: {وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 201].

- ومما قرره العلماء في باب الترغيب والترهيب أنهم قد أجازوا رواية الأحاديث الضعيفة، ولم يشترطوا في نقلها صحة الإسناد، وهو ما قرره الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام، وبعد أن ذكر قول الإمام أحمد أن الحديث الضعيف خير من القياس وأنه أعلى رتبة في العمل من القياس، وما رد به الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن مراد الإمام أحمد هو القياس الفاسد الذي لا أصل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع؛ قال الشاطبي: «كذلك الاتفاق على أن أحاديث الترغيب والترهيب لا يشترط في نقلها صحة الإسناد، بل إن كان ذلك فبها ونعمت وإلا فلا حرج على من نقلها واستند إليها، فقد فعله الأئمة كالإمام مالك في الموطأ وابن المبارك وأحمد بن حنبل في رقائقهم. فإذا تبين هذا فإن ما يقال عن أحاديث الترغيب والترهيب والرقاق يقال أيضاً عن أحاديث الزهد والعظات والمناقب وفضائل الأعمال».

أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْـمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، وفيها بيان أن الدعوة إنما هي الدعوة إلى الله، أي إلى الإيمان بالله وإفراده سبحانه بالألوهية والعبودية، لأنه المنعم الأوحد الذي ربى عباده بسائر النعم، وأن الدعوة إنما تكون بالحكمة، ويعني ذلك: استعمال الحجج والبراهين القوية المفحمة اليقينية.. على أن الحكمة لا تعني الرفق واللين في كل الأحوال كما يظن البعض؛ ولكن الحكمة في معناها الشامل هي اختيار الأسلوب الأمثل الذي يناسب حال المدعو وبيئة الدعوة؛ فقد كان الصبر والاحتمال وضبط النفس للحفاظ على القلة المسلمة في مكة حكمة؛ كما كان رد العدوان وتأديب المعتدين والأخذ على أيدي الظالمين بعد الهجرة حكمة.. لذا وجب على الداعي أن يبدأ باللين والتحبب والتودد إلى الناس؛ فالتودد إلى الناس دعوة، ثم يتدرج بعد التعريف والتذكير بنعم الله وبثوابه العاجل والآجل، إلى التخويف من غضب الله وعذاب الآخرة. كما أن على الخطيب أن يسلك أسلوب الترغيب تارة، والترهيب أخرى، ولا يسلك أسلوب الترغيب فقط فيركن الناس إلى سعة رحمة الله، ولا يغلّب الرجاء على الخوف في كل الأحوال؛ فقد كان السلف الصالح يغلبون الخوف على الرجاء في حال الصحة والنعمة والرخاء، وفى حال الشدة والمرض وقرب الموت يغلبون الرجاء.

مراعاة المرحلة التي تمر بها الدعوة: التذكير أو التكوين أو التبليغ أو الاستضعاف أو الاستخلاف، كما عليه أن يراعي مراتب الناس؛ يقول ابن القيم في تفسيره القيم: «جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن، هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية» (التفسير القيم، آية 125 سورة النحل، ص313، دار ابن لقمان).

- ومن الحكمة أن يكون البدء بالوعظ والتذكير، ثم مع الإصرار يكون التوبيخ ثم التعنيف، ثم التغليظ بحسب الاستجابة وحال المخاطبين.

- وليعلم الخطيب أنه أداة لتوصيل الخير وبيان الحق والهداية إليه؛ وهى هداية الإرشاد والبيان التي هي وظيفة الخطيب، أما الهداية بمعنى التوفيق للإيمان والاستجابة وقبول الحق فلا يملكها إلا الله عز وجل، قال تعالى: {إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْـمُهْتَدِينَ 56} [القصص: 56].

- ومما تجدر الإشارة إليه أنه يجب على الخطيب تنويع الأساليب بتنوع المقامات؛ ففي مقام التحميس والتحريض يختار الأساليب الفخمة والعبارات الضخمة، وفى مقام التأبين يظهر الأسى والحزن، ويختار العبارات السهلة الرقيقة المؤثرة.. ولكل قوم خطاب، فخطاب العوام يختلف عن خطاب المثقفين وأهل التخصص والمتعلمين. ومن الخطباء من يجمل خطبته ببعض المداعبات الرقيقة المهذبة.

وفى الختام، فإن مراعاة خصائص الأسلوب الخطابي والأخذ بها يعد عاملاً من أهم عوامل ازدهار الخطابة، خصوصاً في زماننا هذا الذي تمر فيه الدعوة عموماً والخطابة خصوصاً بمحنة ومنعطف خطير، وقد تعالت دعوات التطوير والتطويق لتراثنا الإسلامي وثوابته.

:: مجلة البيان العدد  348 شـعـبـان  1437هـ، مــايو 2016م.