إن من عظمة القرآن الكريم ومظاهر إعجازه أسلوبه العجيب الذي اشتمل على خصائص لا يمكن بحال أن توجد في غيره من الكلام، إلا أن بعض المرتابين والمتربصين حاولوا التشغيب على أسلوب القرآن بغية أن يسلبوا عنه خصائصه التي ميّزته عن سائر الكتب، ليحلو لهم بعد ذلك إخضاعه لأي منهج إنساني في النقد والتحليل والمقارنة، وأن يكون شأنه شأن سائر النصوص، وليتخلصوا كذلك من القواعد والأصول التي يُفهم من خلالها فيسهل عليهم رميه بأي شبهة، وليتخلصوا أيضاً من سلطان أهل اللسان الأول الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم.

ومع كون من نزل عليهم القرآن من العرب قد نصبوا له العداء، وأزْرَوا عليه بالجهالات والأكاذيب والأهواء، غير أنهم لم يجرؤوا على الخوض في أسلوبه ونظمه وبيانه لما حباهم الله من الفطرة اللغوية التي جعلت البيان في أنفسهم أجل من أن يخونوا الأمانة فيه أو يجوروا عن الإنصاف في الحكم عليه، مع ما جاء به القرآن من التقريع لهم والتسفيه لأحلامهم، ولمـّا أرادوا أن يطعنوا فيه لم يجرؤوا على الطعن فيه من هذه الجهة. فلما جاء الطاعنون من بعدهم أرادوا أن يتجاوزا هذه العقبة الكؤود التي وقفت في طريقهم وطريق من سبقهم ولا تزال، وذلك بطعنهم في أسلوب القرآن الكريم كما يظنون.

ولذا، فإن أي شبهة من هذه الشبهات التي يدّعونها في أسلوب القرآن لا تقف أمام حقائق القرآن وأصول فهم اللسان الذي نزل به واستطاع أصحابه إدراك الفرق بين كلامهم وكلام الله عز وجل.

وقد أشار ابن قتيبة في مقدمة كتابه «تأويل مشكل القرآن» إلى جواب عام أجاب به على الطاعنين في عصره، ولا نزال نجيب به نحن في عصرنا الحاضر، فقال: «وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا {مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ } [آل عمران: ٧] بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظرٍ مدخول، فحرّفوا الكلام عن مواضعه، وعدَلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض والاستحالة واللحن وفساد النظم والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر والحدث الغر، ولو كان ما نحلوا إليه على تقريرهم وتأولهم - لسبق إلى الطعن به من لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يحتج عليه بالقرآن ويجعله العلم لنبوته والدليل على صدقه، ويتحداهم في موطن بعد موطن على أن يأتوا بسورة من مثله، وهم الفصحاء والبلغاء، والخطباء والشعراء، والمخصوصون من بين جميع الأنام بالألسنة الحداد، واللدد في الخصام مع اللب والنهى وأصالة الرأي، وقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب، وكانوا مرة يقولون: هو سحر، ومرة يقولون: هو قول الكهنة، ومرة: أساطير الأولين، ولم يَحْك الله تعالى عنهم، ولا بلغنا في شيء من الروايات - أنهم جدبوه من الجهة التي جدبه منها الطاعنون».

وهذا الجواب الذي أجاب به ابن قتيبة هو جواب مُسكِت وحجة قاطعة على من يحاول الطعن في أسلوب القرآن الكريم، فلو ساغ لأحد أن يطعن في أسلوب القرآن لما تقاصر عن ذلك أشد أعدائه وألدهم خصومة، وهم الكفار الذين نزل عليهم القرآن، ولَمَا كان غاية طعنهم اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالشعر والسحر والكهانة، أو أنه تعلم ما تعلمه من بشر. وما ذاك إلا لهروبهم ومراوغتهم وعدم القدرة على مواجهة الـمُـنزَل عليه صلى الله عليه وسلم لِما يعلمون من خصائصه ومباينته لسائر الكلام، ولذا فإن القرآن الكريم في ردوده عليهم يُرجعهم إلى ما هربوا منه، وهو النظر والتأمل فيما يتلى عليهم من الآيات وما تضمنته من خصائص، وكأن هذه الآيات بمجموعها تقول لهم: هب أنه شاعر أو ساحر أو كاهن، فهل يستقيم ما تزعمون، مع ما يتلوه عليكم وما يقرؤه لكم من الآيات بلسان عربي مبين؟! كما قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّـمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْـحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103].

وفي كلام ابن قتيبة بيان لحال هؤلاء الطاعنين، فلا تجد طاعناً في القرآن الكريم وأسلوبه إلا وهو مولع باتباع المتشابه ظناً منه أنه بذلك يضرب القرآن بعضه ببعض، كما تراه كذلك ذا فهم سقيم ونظرٍ مدخول وهوى متبع، فمن تخلص من هذه الصفات وابتعد عنها فإنه يسلم بإذن الله من هذه الشبه.

وقريب مما ذكره ابن قتيبة ما قاله السكاكي في معرض رده على هؤلاء فقال: «أضلُّ الخلق عن الاستقامة في الكلام إذا اتفق أن يعاود كلامه مرة بعد أخرى لا يُعدَم أن ينتبه لاختلاله فيتداركه، قدِّروا أنْ لم يكن نبياً، وقدِّروا أنْ كان نازل الدرجة في الفصاحة والبلاغة، وقدِّروا أنْ كان لا يتكلم إلا خطأً.. أوَ قد بلغتم من العمى إلى حيث لم تقدروا أنْ يتبيّن لكم أنه عاش مدة مديدة بين أولياء وأعداء؟ ألم يكن له وليٌّ فينبهه - فعلَ الأولياء - إبقاءً عليه أن يُنسَب إلى نقيصة؟ ولا عدو فينقص عليه؟ سبحان الحكيم الذي يسع حكمته أن يخلق في صوَر الأناسي بهائم، أمثال الطامعين أن يطعنوا في القرآن».

وقد ذكر الله تبارك وتعالى أربعة أصول في القرآن لا تصمد أمامها شبهة من الشبهات مهما كثرت وتفرعت، وعامة الأجوبة والردود تتفرع عنها، وهي:

قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [آل عمران: ٧].

قوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا 82 وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْـخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلَّا قَلِيلًا 83} [النساء: 82، 83].

قوله تعالى: {قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إنْ هُوَ إلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 46].

فهذه ثلاثة مواضع تنتظم أربعة أصول في الرد على الشبهات:

الأول: رد المتشابه إلى المحكم.

الثاني: تدبر القرآن الكريم، والنظر فيه وفي أسلوبه الذي يستحيل عليه التناقض والاختلاف، أو الخلل والالتباس.

الثالث: رد الشبهات إلى أهل العلم، أصحاب الفهم السليم الذين يضبطون أصول العلم وقواعده.

الرابع: التفكر في حال النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول القرآن، ووقت نزوله، وبعد نزوله، وهل في مقدوره عليه الصلاة والسلام على ما ادّعوا عليه من الادعاءات أن يصدر عنه مثل هذا الكلام.

فإذا تأملت هذه الأصول فإن عامة الأجوبة والردود على الشبهات المثارة حول القرآن الكريم وأسلوبه راجعة إليها، متفرعة عنها.

ومهما تعاقبت الأجيال، وظهرت الكثير من المصطلحات اللسانية، والمناهج النقدية والمسالك الفكرية التي تحاول بهرجة الكلام وتنميقه وإخراجه مخرجاً فلسفياً، ستبقى هذه الحجة القديمة المتجددة تنادي على شبهاتهم بالبطلان، وتبقى تلكم الأصول الأربعة أجوبة قاطعة في دحض أي شبهة حول أسلوب القرآن.

:: مجلة البيان العدد  348 شـعـبـان  1437هـ، مــايو 2016م.