لما كانت أزمة الأمة الأولى في هذا العصر هي أزمة تربية، ولما كانت الأسرة هي الدرع الحصينة والحصن الأخير لأمة الإسلام الذي يريد أعداؤها ضربه في مقتل؛ فيستهدفون الأمومة تارة بأكذوبة تحرير المرأة، وتارة البنوة وتربية الأبناء بدعوى الحرية. ولما أصبح دور المدارس في كثير من الدول الإسلامية بعيداً كل البعد عن المنهج التربوي القويم، أحببت في هذا المقال أن أساهم ببعض القواعد التربوية من خلال استقراء سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف قدمت لنا السنة صورة لقواعد تربوية عظيمة يمكن أن تصاغ منها مناهج علمية تربوية تساعد على ترميم التصدعات العميقة في بناء الأمة والأسرة.

ولا يخفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كالأب لكل الصحابة، كما ثبت في سنن النسائي ((40 وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ»، فكل أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم تربية وأدب، وكذا أقواله وأمره، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ».

الوقفة الأولى: رب ولدك على كبير المعاني وصحيح المعتقد ولا تخش قلة فهمه وقتها:

نعم، كثير من الناس يتعجب من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، كيف أصبح غلاماً فقيهاً مفسراً بحراً يدخله عمر مجلسه على أشياخ بدر، فيقولون لعمر: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟» فَقَالَ عمر: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَاه مَعَهُمْ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي: {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ 1 وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا 2} [النصر: ١، ٢]؟ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا؟ فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا 3} [النصر: ٣]، قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ.

لم يفتح لهذا الفتى إلا لسبب في تربيته، وما من شيء إلا بسبب، وأجل هذه الأسباب بعد توفيق الله له دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»، هو ما كان يعلمه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صغير، كما في الترمذي وقال حسن صحيح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ.

تأمل! هذا الكلام الذي يقال لغلام ربما لم يتجاوز من عمره التاسعة أو العاشرة هو أصل هذا الدين، وربما لا يفهمه بعض أساتذة الجامعات اليوم. بل ما الداعي أن يسمع طفل مثل كلمة «لو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء»؟ الداعي التربية، وبناء شخصية الطفل على كبير المعاني وضخامة الحدث، فيشب مهتماً لذلك وقلبه معلق بمعالي الأمور، والأخلاق، لا بحقيرها وسفسافها، ومثل ذلك ما كان يفعله عروة بن الزبير بن العوام مع أبنائه كما روى هشام بن عروة قَالَ: كَانَ أَبِي يَجْمَعُنَا، فَيَقُولُ: «يَا بَنِيَّ، كُنَّا صِغَارَ قَوْمٍ وَإِنَّا الْيَوْمَ كِبَارُ قَوْمٍ، وَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ صِغَارٌ وَإِنَّكُمْ سَتَكُونُونَ كِبَارَ قَوْمٍ إِنْ بَقِيتُمْ، وَإِنَّهُ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ لا عِلْمَ لَهُ»[1] فهذا أيضا كلام من شأنه أن يجعل همة الطفل عالية، وتشوفه إلى طلب العلم والسؤدد متجدد، وأمر واجب أن نزرع في الطفل كبار المعاني وعظيمها في الوقت نفسه الذي يرى فيه والده مشوباً بهذه المعاني الكبيرة، كي نحصد فيما بعد شخصية عظيمة تنفع الإسلام والمسلمين.

هذا يدفعني إلى..

الوقفة الثانية: تربيتك لولدك تكون بقدوتك له:

وهذا ما جعل أغلب المجتمع، إلا من رحم ربي، يعاني انفصاماً في شخصيته، لوجود اصطدام واضح أمام الطفل بين التوجيه النظري والفعل العملي من قدوة الطفل المتمثلة في شخصية والديه أو معلمه أو حتى شيخه، ومسألة القدوة وتطابق التوجيه النظري مع ما يفعله القدوة عملياً أمر في غاية الخطورة في حياة الطفل، وهو ما جعل طفلاً كابن عباس رضي الله عنه، يتربى على السلوك القويم والنفسية الملتزمة في السر والعلن، إذ لما بات ليلة عند خالته ميمونة ونام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرته رأى من ليل النبي عملياً ما يأمر به الناس نظرياً، فرآى رسول الله نام، ثم قام، فمسح النوم عن وجهه، وقرأ العشر الخواتيم من آل عمران، ثم قام إلى قربة معلقة فتوضأ منها وضوءاً خفيفاً، ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم اضطجع، ثم صلى ركعتي سنة الفجر، راقبه عبد الله بن عباس، وفعل مثلما فعل، ثم قام يصلي عن يساره، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذن عبد الله ابن عباس فجعله عن يمينه، والحديث في دواوين السنة كلها، وهذه قمة القواعد التربوية على الإطلاق، وتمنح الطفل اتزانا نفسياً، واحتراماً لمربيه وما يربيه عليه.

ذكر الخطيب البغدادي في ترجمة وكيع بن الجراح، في تاريخ بغداد، عن إبراهيم بن وكيع، قال: كان أبي يصلي الليل، فلا يبقى في دارنا أحد إلا صلى، حتى إن جارية لنا سوداء لتصلي!

ثم الحذر، فطفلك يراقبك دون أن تشعر أيها القدوة، وتلاحظ ذلك حين راقب عبد الله بن عباس كل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام ففعل مثلما فعل تماماً، والطامة، حين يراك طفلك دون أن تشعر وأنت ترتكب خطأ ما قد أمرته بضده، سيصاب الطفل بصدمة وخيبة أمل في أبيه، وربما سأله ببراءة عن فعله، ألم تقل لي أن ذلك الفعل كذا وكذا؟ ثم يقلده بعد ذلك، ثم في مراحل عمرية متقدمة لن يحترمه أو يطيع أمره مطلقاً!

فاستقامة الأب في السر والعلن، تعتبر أفضل وسائل التربية بالقدوة للطفل وتعطي للأب مصداقية عند أبنائه من العسير أن يجد لها الطفل عدلاً!

الوقفة الثالثة: مراعاة حاجة الطفل النفسية للعب واللهو:

وهذه ليست نقيض القاعدة الأولى، بل هي الكفة التي توازنها، فكما أننا نعطي الطفل جرعات التربية على معالي الأمور، فكذلك نراعي حاجته للهو واللعب، بل ونغض الطرف أحياناً عن تقصيرهم في بعض الأمور من أجل هذه الحاجة، وأعرّج ههنا على ما أخرجه الإمام مسلم (2312): قَالَ أَنَسٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ، لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: يَا أُنَيْسُ، أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ، قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ، لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ، هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا».

وهذا حديث عظيم القدر جداً في تربية الأطفال، فأنس في ذلك الوقت كان صبياً صغيراً، ربما لا يتجاوز عمره الثامنة، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر، أن يذهب ليقضي له حاجة ما، فقال له أنس: «والله لا أذهب»، وفي نفسه أن يذهب. طفل، كأي طفل، ربما يغضب من كثرة الأمر والنهي، أو من مجرده، ولا يقدر حاجة الأب لهذا الأمر، المهم.. لما انصرف أنس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب ليرى صبياناً يلعبون في السوق ربما ليشاركهم أو ليشاهدهم، وهذه حاجة الطفل، ولا شك ولا ينبغي أن يعاقب عليها أو يحرم منها بلا سبب، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسكه من رقبته، من خلفه، وهو يضحك له. سبحان الله، وههنا تحليل رد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فعل أنس رضي الله عنه في غاية العجب، إذ الناس في مثل هذا الموقف، غالباً، على ضربين: فإما، أن يضرب ويعنف ويوبخ أمام الناس، لعدم امتثال الطفل لأمره، وهذا إفراط، وإما الآخر، وهو التفريط، فيذهب الأب بنفسه لقضاء حاجته، ويترك الطفل بلا توجيه! أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم الأمة الرحمة، والتوسط، والاعتدال في التربية والتوجيه، فلم يعنف، ولم يذهب هو بنفسه، بل ذهب لأنس، ضاحكاً مبتسماً، مراعياً حاجة الطفل وعناده أحياناً، وسأله سؤالاً استفهامياً، بعد أن ناداه ترخيماً: «يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟»، فصلى الله على المربي.

الوقفة الرابعة: تربية الطفل على الحلال والحرام والأخلاق:

حين تقرأ في الدراسات الحديثة للتربية أن كلام الأم مع طفلها وهو في بطنها يكون له من الأثر الإيجابي عليه بعد ذلك، بل إن من الدراسات ما تحدث عن تمييز الجنين للأصوات التي تغضب الأم وتشعرها بالاضطراب، فلا عجب إذا في هذا الحديث الذي أخرجه البخاري ((1491 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «كِخْ كِخْ أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ»، والحسن في ذلك الوقت كان طفلاً صغيراً ربما لم يكمل عامين أو ثلاثة لكن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه يدل على التأكيد على تدريب الطفل على الحلال والحرام والورع أيضاً، وكذا باب الأخلاق العامة، كما في حديث عمر بن أبي سلمة المشهور، فعند البخاري 5376)) وغيره قال: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ  وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ»، فانظر إلى قول عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه: «فما زالت تلك طعمتي بعد»، يعني ما زال يواظب على طريقة الأكل هذه، منذ أن نبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه نتيجة تربية النبي له، وتأديبه إياه، ولا يوجد أجمل من ذلك في آداب الأخلاق العامة على الطعام، أن يأكل الإنسان مما أمامه ومما يليه ولا ينهض ليأخذ من هنا وهناك، فيسيء إلى نفسه وربما يتضرر من هو جالس معه ويتقذر كما هو معلوم.

أيضاً، هناك صورة جليلة من السنة من صور تربية الأطفال على الأخلاق، وهي حفظ أسرار البيت والأسرة، وهذا مما تعلمه أنس رضي الله عنه، كما في الصحيحين وغيرهما، قَالَ: انْتَهَى إِلَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا فِي غِلْمَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدَيَّ، فَأَرْسَلَنِي بِرِسَالَةٍ، وَقَعَدَ فِي ظِلِّ جِدَارٍ أَوْ فِي جِدَارٍ حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَتَيْتُ أُمَّ سُلَيْمٍ، قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِرِسَالَةٍ، قَالَتْ: وَمَا هِيَ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ، قَالَتْ: «احْفَظْ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ»، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ بَعْدُ أَحَدًا قَطُّ.

فهذا مما فهمه أنس أو قال له النبي صلى الله عليه وسلم إنه سرّ، كما جاء في بعض الروايات: «أَسَرَّ إِلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ سِرًّا»، بل وأكدت عليه أمه، أم سليم، قَالَتْ: «احْفَظْ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ»، وههنا لطيفة مهمة ينبغي التنويه عليها، وهي أن تكون البيئة والمجتمع المقرب حول الطفل ممن يحرصون على تأكيد ما يتربى عليه الطفل من محاسن الأخلاق، فكثير من الآباء والأمهات يشكون من المدرسة أو الجد أو الجدة أو العمة أو الخال أو الخالة أنهم ربما يهدمون ما يبنون داخل أطفالهم من آداب وخلق، فربما يذهب الطفل إلى أحد أقربائه فيتلو عليه عكس توجيه الأب والأم له، فيحدث عند الطفل نوع من عدم الاكتراث لأوامر وتوجيهات الأب أو الأم بعد ذلك، تدبر قول أم سليم «احفظ سرّ رسول الله» لم تقل له: بل أخبرني ماذا قال لك، أو إنه ليس بسر، أو لا مانع لو أخبرتني أو أخبرت أباك، بل أكدت على خلق حفظ الأسرار وكتمانها.

فليحرص الآباء على توجيه أطفالهم دائماً في كل فرصة، وفي كل وقت، على الحلال والحرام والآداب، والأخلاق، ويكرسوا من وقتهم من أجلهم، بل وجب عليهم أن يقتطعوا من أوقاتهم ليجلسوا مع أبنائهم من أجل ذلك، وهذا أولى وأثمن في الدنيا والآخرة من جمع الأموال لهم وإنفاقها عليهم.

الوقفة الخامسة: الرحمة:

فوالله الذي لا إله غيره، ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالرحمة؛ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، ولا يصلح شيء من التوجيه والتربية ولا يفلح إلا بالرحمة، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: «قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».

وكان صلى الله عليه وسلم يداعب الأطفال رحمة بهم، كما في الصحيح أيضاً، عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «سَنَهْ سَنَهْ»، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فَزَبَرَنِي أَبِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «دَعْهَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَبْلِي وَأَخْلِفِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي»، ومعنى أبلي وأخلفي.. دعاء بطول البقاء للمخاطب فتطول حياته حتى يبلى الثوب ويخلف غيره وهكذا. وخفف الصلاة مرة من أجل بكاء طفل كي لا يشق على أمه، وحمل أمامة بنت بنته زينب في الصلاة وهو إمام، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، وكان يجلس أسامة بن زيد على فخذه والحسن بن علي على فخذه الآخر، ثم يقول: «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا»، وكان أبو عمير أخو أنس رضي الله عنه، له عصفور يلعب به، فمات ذلك العصفور، فكان يداعبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»، وكل ذلك في الصحيح، وما أصلحت القسوة أمراً قط وما كان هناك خير من الرحمة والرفق واللين وإن تأخرت النتائج، ولعلنا نتحدث باستفاضة أكثر عن ذلك في مقالة أخرى، والله الموفق وهو المستعان وعليه التكلان.

 

:: مجلة البيان العدد  348 شـعـبـان  1437هـ، مــايو 2016م.


[1] أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبير 1/374 وإسناده صحيح.