كم نحتاج إلى التذكير بتزكية نفوسنا، واستصلاح قلوبنا، وتفقد أحوالنا، لاسيما في هذا العصر المكتظ بالغفلات، واتباع الشهوات، وفتور العبادات، وشعث القلوب والشتات، قال تعالى: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [ق: ٨]؛ فالتذكرة بعد النسيان، وهو ضد العلم، فالغفلة تضاد كمال العلم، والاستحضار يُكمِّل العلم واليقين[1].

وفي تلك المقالة جملة من المسائل الجليلة للتذكير بهذه الشعيرة العظيمة:

 لا بد أن تكون تزكية النفوس وفق الشرع المنزل، وأن تهذب الإرادات والأحوال القلبية بحسب السنة النبوية، فإن الله أتم الدين وأكمله، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وما لم يكن يومئذ ديناً فليس اليوم بدين[2].

قال ابن القيم مقرراً هذا الأصل: «تزكية النفوس مسلّم إلى الرسل، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاهم إياها، وجعلها على أيديهم دعوة وتعليماً وبياناً، فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم، قال الله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْـمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْـحَكِيمِ 1  هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: ١، ٢]، فالرسل أطباء القلوب، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم»[3].

 ومع ضرورة لزوم الشرع والاعتصام بالسنة إلا أنه ينبغي مراعاة أحوال الناس في هذا العصر، لاسيما مع غلبة الجهل، وظهور البدع، وتفسخ الهمم، وتعسر لزوم التزكية الشرعية المحضة، كما قرره ابن تيمية بقوله: «قد يتعذر أو يتعسر سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريقة المشروعة علماً وعملاً، فإذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصافٍ، وإلا بقي الإنسان في الظلمة، فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية»[4].

ثم إن العباد - على سنة واتباع - يتفاضلون ويتفاوتون، فلا يُسوّى العبّاد المتأخرون - كعبد القادر الجيلاني مثلاً - بما كان عليه السابقون - كالحسن البصري - ولا يطالب المتأخر بمثل ما كان عليه المتقدم من المقامات الإيمانية والأحوال التعبدية، فإن المطالبة بهذه التسوية متعسرة، كما بيّنه ابن رجب بقوله: «من ساق الشيوخ المتأخرين مساق الصدر الأول، وطالبهم بطرائقهم، وأراد منهم ما كان عليه الحسن البصري وأصحابه مثلاً من العلم العظيم، والورع العظيم، والعمل العظيم.. فلا ريب أنه يزدري المتأخرين ويهضم حقوقهم، فالأولى تنزيل الناس منازلهم، وتوفيتهم حقوقهم، ومعرفة مقاديرهم، وإقامة معاذيرهم، وقد جعل الله لكل شيء قدراً»[5].

ومما يشبه ذلك أن يراعى في تزكية النفوس واستصلاحها أحوال النفوس الضعيفة كالنسوان والصبيان وما يلحق بهم، فالنفوس الصغيرة قد لا تتحمل تبعات التزكية الشرعية المحضة إلا بنوع من الحظوظ والتأليف الذي يكون لها عوناً على التزكية وقبولها[6].

وهذا مسلك رشيد اتبعه الخليفة عمر بن عبد العزيز مع رعيته، فكان يأمرهم بالحق والعبادة، ويتألفهم في الوقت نفسه بالحظوظ والحلاوة[7].

وقد علق ابن تيمية على هذا المسلك بقوله: «هذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته ورعيته؛ فإن النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها، فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة»[8].

 علينا أن نستصحب التزكية من خلال تأصيل شرعي عقدي، ووفق نظرة شمولية واقعية، تستوعب مراد الشرع ومقصوده، وتلائم طبيعة النفس البشرية وقواها، فالنفس لها قوتان: علمية وعملية، وزكاة النفس وصلاحها لا يحصلان إلا بإصلاح هاتين القوتين، وهذا يتسق مع طبيعة النفس، فكل إنسان حارث وهمام، أي عامل كاسب، وصاحب نية وهمّ وتفكير[9]. قال ابن تيمية: «فإن النفس لها قوتان: علمية وعملية، فلا تصلح إلا بصلاح الأمرين: وهو أن تعرف الله وتعبده»[10]. وقال في موطن آخر: «ففي الهدى كمال القوة العلمية، وفي الرشاد كمال القوة العملية، وبهما أخبر أنه أرسل رسوله حيث قال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} فالهدى يتضمن كمال القوة العلمية، ودين الحق يتضمن كمال القوة العملية»[11].

 يحصر بعضهم التزكية في الطهر والنقاء من الذنوب والعصيان، وليس الأمر كذلك، فآكد من ذلك الزيادة والنماء بفعل المأمورات، فليست الزكاة تطهيراً ونقاءً فحسب، بل هي قبل ذلك زيادة ونماء، خصوصاً أن فعل المأمورات أولى من ترك المحظورات، ثم إن النفوس خُلقت لتعمل لا لتترك[12]، فكل إنسان حارث وعامل، وسلفنا الصالح أرباب جدّ في العمل والتزكية، فلا يشتغلون إلا بما ينفعهم من علم نافع وعمل صالح، ولذا منعوا الإيغال في الحديث عن دقائق الآفات، والخطرات التي يفوّت الاشتغال ما هو آكد وأنفع[13].

وقد احتفى ابن تيمية بهذه المسألة، فقررها في مواطن عديدة، كما في قوله: «قررتُ في غير هذا الموضع أن أداء الواجب أعظم من ترك المحرم، وأن الطاعات الوجودية أعظم من الطاعات العدمية، فيكون جنس الظلم بترك الحقوق الواجبة أعظم من جنس الظلم بتعدي الحدود. وقررتُ أيضاً أن الورع المشروع هو أداء الواجب وترك المحرم ليس هو ترك المحرم فقط.. ومن هنا يغلط كثير من الناس فينظرون ما في الفعل أو المال من كراهة توجب تركه، ولا ينظرون ما فيه من جهة أمر يوجب فعله»[14].

 إن الغاية من زكاة النفوس: الفوز في الآخرة، ودخول الجنان والنجاة من النيران، وأعظم من ذلك النظر إلى وجه الرحمن، قال تعالى: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِـحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى 75 جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى 76} [طه: 75، 76]. وقال سبحانه: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ 6 الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ 7} [فصلت: ٦، ٧]، فهناك غفلة وذهول عن التذكير باليوم الآخر، والنعيم المقيم، وعذاب الجحيم، فهناك من يتحدث عن زكاة النفوس معرضين عن الحديث عن عبادة الله والإيمان باليوم الآخر، كما هو حال المتفلسفة ونحوهم ممن يتحدّث عن تطهير النفوس وتهذيب الأخلاق فيجعلونها غاية ومقصداً، وأما عبادة الله فهي مجرد وسيلة لتهذيب الأخلاق[15]! وآخرون يغرقون في الحديث عن المصالح الدنيوية للتزكية، وهم عن الآخرة غافلون[16]، أو يحذرون من العقوبات الإلهية في الدنيا وينسون عقوبات الآخرة، مع أن عقوبات الآخرة أشد وأنكى، وهي الأصل، وعقوبات الدنيا بالتبع[17]. وقد يتحدث بعضهم عن القيامة الصغرى، وعن الموت والاحتضار، ومفارقة الأهل والأصحاب، والرحيل إلى القبور، دون أن يذكّروا بما هو أخصّ وأجلّ، وهو الحديث عن القيامة الكبرى وما فيها من الأحوال والأهوال.. قال ابن تيمية: «كُرِه للخطباء أن يقتصروا في الجمع والأعياد على التذكير بالموت ونحوه من الأمور التي لا يختص بها المؤمنون، وأحبوا أن يكون التذكير بما في اليوم الآخر»[18].

 ومن شعائر التزكية عند أهل السنة التي تميّزوا بها عن المتصوفة: العناية والتحذير من مكايد الشيطان، كما وضّحه ابن القيم قائلاً: «إن المتأخرين من أرباب السلوك لم يعتنوا به اعتناءهم بذكر النفس عيوبها، فإنهم توسعوا في ذلك، وقصّروا في هذا الباب. ومن تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان ومحاربته أكثر من ذكر النفس»[19].

بل إن أصل الشرك هو الشرك بالشيطان بعبادته وطاعته[20]، بل أصل الشرّ كله من الشيطان[21].

 من المهم أن نستخرج القواعد الإيمانية الروحانية والضوابط القلبية الوجدانية في هذا الباب، وأن نستصحبها ونتدارسها ونتواصى بها، ومن ذلك مقالة عبد القادر الجيلاني: «كن مع الحق بلا خَلْق، ومع الخَلْق بلا نَفْس»[22]، وكذا: «من مفسدات القلوب: ركوب بحر التمني»[23]، و«كلما كان القلب أضعف توحيداً كان أكثر فاحشة»[24]، و«أرجح المكاسب التوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به»[25]، و«من استعدّ للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها، وخمدت من نفسه نيران الشهوات»[26]، و«كلما كان الرجل أعظم استكباراً عن عبادة الله كان أعظم اشراكاً»[27].. إلخ.

وأخيراً فإن على المحاضن التربوية أن تُعنى بالتزكية الشرعية وفق منهج علمي مؤصل ومتدرج، ثم يتبعه برنامج عملي سلوكي، وأن تختار الكتب الملائمة بحيث يتمّ تدارسها بحسب سُلّم مرتب ومحدد، كأن يُبدأ مثلاً بمنظومة السير إلى الله والدار الآخرة وشرحها للعلامة السعدي، ثم العبودية، ثم التحفة العراقية وكلاهما لابن تيمية، ثم طريق الهجرتين، ثم مدارج السالكين وكلاهما لابن القيم، وأن يحتفى برسائل ابن رجب في هذا المقام، ويلتفت إلى كتب الزهد والرقائق مثل الزهد لأحمد وابن المبارك وهنّاد.. ودونها الحلية لأبي نعيم، وصفة الصفوة لابن الجوزي[28].

فاللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.


[1] ينظر: الإيمان لابن تيمية ص21، ص222. والاستقامة 1/3، والرد على المنطقيين ص341.

[2] ينظر: الفتاوى لابن تيمية 10/362، 486، 19/273.

[3] مدارج السالكين 2/315.

[4] الفتاوى 10/364، وينظر: اقتضاء الصراط المستقيم 2/616-619.

[5] ذيل طبقات الحنابلة 1/295.

[6] ينظر: الاستقامة 1/277، 288، 2/154، السماع لابن القيم ص300.

[7] ينظر: الفتاوى 28/365.

[8] الفتاوى 28/366.

[9] ينظر: الصفدية 2/233، والرد على المنطقيين ص433.

[10] درء التعارض 3/274.

[11] جامع المسائل 5/283.

[12] ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم 2/617.

[13] ينظر: مدارج السالكين 1/439، 2/313، وجامع العلوم والحكم 1/283.

[14] الفتاوى 29/279 = باختصار.

[15] ينظر: الجواب الصحيح 4/105.

[16] ينظر: جامع الرسائل 2/131، والدرء 5/65.

[17] ينظر: الاستقامة 2/136.

[18] جامع المسائل 8/117.

[19] إغاثة اللهفان 1/145.

[20] ينظر: التدمرية لابن تيمية ص175.

[21] ينظر: الفتاوى 14/362.

[22] مدارج السالكين 2/326.

[23] مدارج السالكين 1/457.

[24] الفوائد ص75.

[25] الفتاوى لابن تيمية 10/662.

[26] طريق الهجرتين ص176.

[27] العبودية لابن تيمية ص112.

[28] ينظر: بيان تلبيس الجهمية 2/173.

 
 
  

googleplayappstore