إن هذا القرآن ليعطي كل قلب بمقدار ما في هذه المضغة من حساسية وشعور وتفاعل، وما زال القرآن يربي بحكمة وفق منهج عقلي ونفسي وإيماني حكيم، ومن يقلب كلام الله تعالى نظراً وتأملاً يشعر بهذا السلطان ابتداءً قبل تكشّف إعجازه.

ولم يأتِ القرآن ليعزل آراء المخالفين له ويختزلها بعيداً وإن كانت مصادمةً له مباشرة أو تريد التشكيك فيما يطرح من غيبيات وأوامر أو قصص الغابرين، وذلك لأن القرآن كان يبني أمة تقوم لحياة خالدة ليست صفحة عابرة تُطوى مع صفحات التاريخ.

الحوارات في القرآن مع المناوئين له بشتى أنواع الصراع الفكري مطروحة مبثوثة بوفرة تغمر صفحاته، وهذا ردٌ ملجم لمن يقول إن الإسلام دين دكتاتوري متسلط لا يسامح ولا يسمح بالرأي والرأي الآخر، فهاك يا أخي القارئ مقتطفٌ من مقتطفات ذلك المنهج الحواري المطرد في القرآن العظيم؛ قوله تعالى مجيباً عن أعتى أعداء الدين وهم الملاحدة:

{وَقَالُوا مَا هِيَ إلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] والجواب عن شبهة هذا الملحد - وهي ليست بالصعبة ولا بالمتكلفة - إنها من القرآن نفسه: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْـخَالِقُونَ} [الطور: 35]؛ وذلك لبناء منهج قويم يدلنا نحن كأمة إلى صناعة الحوار وسبر الأدلة التي مظانها الإقناع والرقي بفكر الإنسان، عندها سيتوقف التشرد الذي يُضل صاحبه، والتردد الذي يعوق عن السير إلى الله تعالى.

إن هذا الطرح الحواري السامق في القرآن لهو مظهر حادٌ من مظاهر الحوار البناء، وإلا كيف يسمح هذا القرآن الخالد بشبهة - الإلحاد - تناهضه على التمام ولا تقف معه على أدنى توافق فيصنع معها أسلوب التسوية والحوار الذي سيبقى خالداً جيلاً بعد جيل!

وما زال القرآن يدفع الملوثات الفكرية التي صوحبت باستكبار وعناد بالحوار الهادئ المقنع: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَهٍ إذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ 91 عَالِـمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ 92} [المؤمنون: 91، 92]، وهو أيضاً من الردود العقلية أيضاً التي تتسق مع التجربة والتأمل في تاريخ الأمم والملوك فالعلو والتجبر من سمات الملوك فلا يرضى أحدهم أن يستأثر الآخر بالمُلك إلا لعلة الضعف أو القتال لاستئصال شأفة الآخر، وعلى السبيلين لا يصلحان أن يكونا إلهين! فسبحان الله عما يصفون.

وهذا الأسلوب الهادئ المقنع في رد شبه وافتراءات الكفار والمشركين كان أيضاً من أساليب الأنبياء والمرسلين فإمام الحنيفية إبراهيم عليه السلام عندما سأله قومه عن من حطم أصنامهم: {قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 62]، قال عليه السلام قارعاً عقولهم بالحجة العقلية والفطرة السليمة: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إن كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء: 63]، وبقية التسلسل في الحوار دلت على هزيمتهم ولجوئهم لأسلوب الاستبداد ونسف القرع الشديد والهتاف العقلي القوي بالنار.

ومن السجال الفكري المطروح بأشد لهجاته أيضاً لكنه بلون آخر فهو مدعوم بحجة عقلية يشوبها ميراث جاهلي قديم، مع طائفة الملاحدة قوله تعالى: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا 48 وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَـمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا 49 قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا 50 أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 48 - 51]، {أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا} [الإسراء: 49] وهذه الأعضاء فيها ريح حياة، أما ربنا سبحانه فقال: {كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} [الإسراء: 50] وهذه ليس فيها أي مساس بالحياة! فكان الرد مقنعاً مريحاً يرد المشكلة إلى حلٍّ بسيط لمن أراد أن يذّكر: {الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء: 51].

إن القرآن بحواراته وأوامره ونواهيه وزواجره وقصصه حياة تسري في أفراد الناس وجماعاتهم كالحياة بعينها التي تجري في أعواد الربيع المنبعث، عندما يتحرك في أحدنا فإنه يظهر لنا سيداً مطاعاً تعترف له الأمم قاطبة بهذه الريادة والسمو في الحوار الهادف البناء، وغيره يُرمى بالتردد والتأرجح ومعاودة التقليب مرة تلو مرة ومآله الشلل والسلبية والاستقرار على ذلك.

ولباب الأمر يجب أن نعلم يقيناً والتزاماً، أننا لن ننتفع بالقرآن حق الانتفاع إلا عندما نقرؤه لنتلمس عنده التوجيهات في شؤوننا كلها، واقعاً ومستقبلاً، وأن نجعل كلماته هي النابضة والفاعلة في تحركاتنا وأحاسيسنا وحواراتنا، عندها سندرك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِـمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].. ليست حياة للتاريخ وإنما لتاريخ الحياة.

الناس خلقاء أن يدركوا حقيقة هذه المعجزة ليدركوا مدى فضل الله علينا وعلى العالمين وأن يستحيوا بعد هذا الفضل والرعاية المجردة والرحمة الفائضة أن يقابلوها بالإعراض أو النكران.

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.