المستقبل بيد من يقرأ التاريخ:

يعتبر التاريخ وإشكالية تفسيره من أكثر القضايا خصوبة في مجال الدراسات الإنسانية، وقد شُيِّدت تحت اسمها مدارس متعددة لتفسير التاريخ، ضرب كل فريق منها بسهم ونَعَى على أنقاضها ناعون. وما زالت قضية المنهج تحظى باهتمام الباحثين وتتعرض لجدل واسع الأرجاء حتى إنها شغلت عددًا كبيرًا من المفكرين، ومعاهد علمية عريقة، واستنفدت الكثير من مجهودات المؤرخين والفلاسفة.

لقد بدأ اهتمام الإنسان بالتاريخ وتفسيره منذ فجر الخليقة، وكان تفكير الإنسان وقتها تفكيرًا أسطوريًّا، حتى جاء الإسلام الحنيف ووضع تصورات ورؤى عميقة لعلم التاريخ وتفسيره، وظهرت مؤلفات تاريخية إسلامية شاعت فيها روح النقد والتحليل والتعليل حتى قبل ظهور مدارس التفسير العالمية الحديثة.

بدايات علم التاريخ الإسلامي:

بظهور الإسلام الحنيف وجدنا أن القرآن الكريم قد عمق الإحساس التاريخي عند العرب حين قص عليهم قصص الأنبياء والأمم الخالية بهدف إثارة العبرة في نفوسهم، كما بيّن أن للتاريخ معنى معينًا على الإنسان أن يتبعه دائمًا؛ وهو أن الإنسان يصنع مصيره بنفسه خيرًا كان أم شرًا، فإن حسن عمله في حياته ازدهرت حضارته وازدانت معيشته، وإن أفسد حق عليه العذاب والدمار؛ يقول تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137]، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26].

فعند مجيء الإسلام تطلبت الظروف الجديدة التي طرأت على المجتمع الإسلامي ظهور أنماط جديدة من المعرفة التاريخية، وكان من أبرزها ظهور الوثائق السياسية، فقد كانت من أول أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم التي نظم بها التعاون بين المهاجرين والأنصار واليهود.

وعلى يد بعض مؤرخي الإسلام انتهى عصر النقل إلى غير رجعة وأتى عصر العقل والتعويل عليه الذي يُعد ركنًا أساسيًّا من أركان الإسلام الحنيف الذي دعا إلى التفكر والتعقل والتدبر في شتى أنواع المعرفة الإنسانية وفي ميادينها كافة، وأصبح روح التطور الذي عاشته بعد ذلك أوربا التي تعلمت على يد علماء العرب ومؤرخيهم.

وأصبح التاريخ علمًا مكتمل البنيان مع جهود كبار المؤرخين من أمثال محمد بن جرير الطبري (310 هـ/ 922م) وكتابه «تاريخ الأمم والملوك»، ويمثل الطبري قمة ما وصلت إليه الكتابة التاريخية عند العرب في فترة التكوين، ثم جاءت الطفرة على يد العلامة ابن خلدون (ت 808 هـ/ 1405م)، الذي حدد قواعد البحث في التاريخ إذ يقول:

«إن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتُشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السُّوقة والأَغْفَال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال (أي الرؤساء) ويتساوى في فهمه العلماء والجهال؛ إذ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق»[1]. وتعد هذه المقولة من الإرهاصات المبكرة لفلسفة التاريخ.

كما يمثل مسكويه (ت 421 هـ/1030م) - صاحب كتاب «تجارب الأمم» - خطوة متقدمة في الكتابة الموضوعية، فإنه برغم معاصرة السلاطين والوزراء البويهيين لا نجده يمدحهم أو يتملقهم في كتاباته، ولم يظهر ميلًا إلى تيار أو ملك أو اتجاه، بل حاول أن يرصد عصره ويحلل أحداثه بعقلانية، إلى درجة أنه لُقب بالمعلم الثالث؛ نظرًا لتمكنه من الفكر الفلسفي والإفادة منه في الكتابة التاريخية.

من شاء الحكم على المستقبل فليبدأ باستشارة الماضي!

أما التفسير الإسلامي للتاريخ فيعد التفسير العلمي القائم على البرهان والدليل، وكذلك التأكيد على العبرة والدرس من أحداث التاريخ الذي يسير وفق منهج وناموس إلهي عميق، مع التأكيد على حرية الإنسان وإرادته التي تجعل منه مسؤولًا عن جميع أفعاله في الدنيا والآخرة.

وهو يؤكد على وجود الإله الحكيم المسيطر على كل شيء والموجه لكل شيء؛ فهو المهيمن ولكن ليس بظلام للعبيد وبالتالي برغم هيمنته ترك للإنسان النجدين (أي الطريقين)، طريق الخير وطريق الغي، وعلى الإنسان الاختيار.

 ووفقًا لهذا التفسير يصبح للحياة معنى وهدف والتاريخ يصبح شاهدًا، والقضاء والقدر ذاتهما لم يقفا عائقًا ولا حالا دون إبراز نشاط الإنسان، والتاريخ شاهد أمين على صدق هذا القول في كثير من الحالات، فقد كان المسلمون يعرفون أن الله سبحانه وتعالى قد قدّر كل شيء في سابق علمه ومن الأزل، وأن ما قدر يكون، مع هذا اندفعوا لتحطيم الفرس والروم في فترة لا مثيل لها في القصر، وبذلوا جهدًا خارقًا في سبيل نشر الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية حيثما استطاعوا، وانصرفوا يجرون وراءهم رزقهم ومعاشهم وأمورهم الدنيوية، لأنهم كانوا يدركون في الوقت نفسه أن لكل امرئ ما سعى وأن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة.

ابن خلدون وإعادة كتابة التاريخ:

أول من لفت الأنظار إلى قضية ضرورة تمحيص وتفنيد الروايات التاريخية كان العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، فقد هاله ما تراكم من الأخبار في كتب المؤرخين لاسيما أن ظهوره كان عقب مرحلة التدوين وكتابة التاريخ بأربعة قرون. وقد وجد ابن خلدون تعارض بعض الأخبار مع القرائن التاريخية، وقام بذكر الأسباب الداعية إلى التزوير والتحريف في الروايات التاريخية، فيذكر عدة عوامل منها: التشيعات للآراء والمذاهب، وتوهم الصدق الذي يأتي نتيجة الثقة بالناقلين، وكذلك جهل الناقلين للأخبار، ومنها أيضًا تقرب الناس للوجهاء وأصحاب السلطة بالمدح والثناء فيذكرون ما ليس فيهم ولأن النفوس مولعة بحب الثناء فإنها تجد طريقها للنشر بسرعة فتتحول إلى حقائق، والجهل بطبائع الأحوال في العمران، أي الجهل بطبائع المجتمع وحركته في الحياة، فإن كل حادث من الحوادث لابد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله، فإذا كان السامع عارفًا بطبائع الحوادث ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر وتمييز الصدق من الكذب.

وهذه العوامل بمجموعها كافية لتحريف الحقائق وتزييف الأخبار؛ فكان لابد من عمل جادٍ لإعادة كتابة التاريخ يتجاوز هذه النقاط السبع.

تصورات ورؤى حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي

إن منهج تفسير الإسلام للتاريخ هو المنطلق الوحيد للنظر في التاريخ الإسلامي العربي وإعادة كتابته من جديد، فإن التاريخ المكتوب الآن واقع تحت تأثير النظرة الاستشراقية التي تغض من شأن الإسلام لحساب خلفياتها الاستعمارية، أو النظرة القاصرة التي تستمد قدرتها من العقلية الغربية المسيحية التي لم تستوعب الفارق البعيد بين العقائد والأخلاق والقيم التي تنطلق من مصدر واحد وهو أن الإسلام دين عبادي لاهوتي محض، وهي نظرة المسيحية أو نظرة الفكر الغربي المسيحي التي لا تعترف بأن الإسلام إنما هو نظام اجتماعي ومنهج حياة أصلًا وأن الدين بمعنى العبادة واللاهوت جزء منه.

  لذا ظهرت مجموعة من التوصيات والإجراءات المنهجية الواجب اتباعها لتنقية التاريخ الإسلامي من شوائب عديدة أصابته وأجمع عليها أغلب المشتغلين بعلم التاريخ، ومنها: ضرورة تنقية التاريخ الإسلامي من الروايات المكذوبة، فبعض الروايات في التاريخ والتراث الإسلامي تحتاج إلى تمحيص وإعادة نظر وإعمال العقل واستخدام طرق التحقيق المختلفة للوصول إلى صدق الروايات الواردة واستبعاد ما هو مكذوب أو منافٍ للعقل.

ولا بد أيضًا من تطهير سجلات التاريخ الإسلامي من الأوهام التي التصقت به، وإزالة الأشواك والألغام التي وضعها كتاب السلاطين، وما جاء لترضية الأحزاب وفئات صغيرة بتزوير الحقائق، فحملوا أقلامهم بسهولة وكتبوا ما حلا لهم، وجاء مِن بعدهم مَن أخذ بهذه الأخبار دون تمحيص وتدقيق فتحولت بعد عقود إلى حقائق.

ولا بد من العودة للبحث عن تاريخ الفئات المهمشة التي غفل عن ذكرها أغلب المؤرخين، ولا بد أيضًا من إعادة كتابة التاريخ وفق المعطيات العلمية التي تحاول الوصول إلى الحقيقة من خلال ما هو موجود من الأخبار والقرائن النفسية والاجتماعية.

وفي الحقيقة كل ما سبق لا يتأتى إلا في حالة توافر شروط أساسية للمؤرخ المطلع بتلك المهمة الصعبة وهو ما يعرف بالمؤرخ الموضوعي.

صفات المؤرخ الموضوعي:

أجمع أغلب المؤرخين المحدثين على صفات المؤرخ ومنها الموضوعية والتجرد عن العواطف والأهواء والميول والاتجاهات السابقة، ويتميز المؤرخ الحصيف باستقلال شخصيتِه، وعدم تسليمه الكامل بكل ما يقرأ ويطلع عليه من وثائق وأوراق؛ بل يخضع كل ذلك لميزان نقدي حساس.

ولا يسلم المؤرخ تسليمًا مطلقًا بالآراء السابقة التي أقرها غيره، بل لا بد أن يقف عند المقدمات ويتدارسها فقد تقوده إلى نتائج تخالف ما ذهب إليه السابقون. ويتصف المؤرخ باتساع الأفق العقلي وتفتح البصيرة فيتحرر العقل والتفكير من التحيز والجمود، والخرافات والقيود التي تفرض على الشخص أفكارًا خاطئة وأنماطًا غير سليمة من التفكير.

ويتسم المؤرخ برحابة الصدر وتقبل النقد الموجه إلى آرائه من الآخرين، والاستعداد لتغيير أو تعديل الفكرة أو الرأي إذا ثبُت خطؤها في ضوء ما يستجد من حقائق وأدلة مقنعة وصحيحة، والاعتقاد بنسبية الحقيقة العلمية، وأن الحقائق التي نتوصل إليها في البحث التاريخي ليست مطلقة ونهائية،  ولا يجامل ولا يتحيز أو يداهن أو يسلك مسلك الدعاية لأحد.

وهو واسع الاطلاع في مختلف المجالات بصفة عامة وفي مجال اختصاصه بصفة خاصة، ويتسم المؤرخ بأنه ذا عقل واعٍ منظم يستطيع أن يميز بين الغث والسمين وينسق أنواع الحقائق ويضعها في الموضع المناسب.

والمؤرخ يمتلك القدرة على التعبير الجيد والقدرة على استنتاج معلومات صحيحة من معلومات غير صحيحة أو مشوشة، وذلك من خلال تتبع مسارات عدم الاتساق والتعويض عن نقص المعلومات غير المكتملة وتخليصها من الضبابية.

وينبغي على المؤرخ أن يكون أمينًا شجاعًا مخلصًا، فلا يكذب ولا ينتحل ولا ينافق ولا يخفي ما يجب إظهاره مهما كلفه الأمر. ويجب أن تكون له ملكة نقدية فلا يقبل كل كلام أو يصدق كل وثيقة أو مصدر بغير الدرس والفحص والاستقراء، فيأخذ الصدق أو أقرب ما يكون إليه ويطرح جانبًا ما ليس كذلك.

ويتصف المؤرخ بعدم التحيز فعليه أن يحرر نفسه بقدر المستطاع من الميل أو الإعجاب أو الكراهية؛ فهو بمثابة القاضي الذي لا يكون حكمه أقرب إلى العدل إلا بقدر المستوى الذي يصل إليه من البعد عن التحيز والهوى.      

ويبحث المؤرخ وراء المسببات الحقيقية للأحداث والظواهر والاعتقاد بأن لأي حدث أو ظاهرة مسببات، ووجوب دراسة الأحداث والظواهر التي يدركها المؤرخ من حوله ويبحث عن مسبباتها الحقيقية، وعدم الاعتقاد في الخرافات، وعدم المبالغة في دور الصدفة.

وعلى المؤرخ أن يتحرى مصادر التاريخ ووثائقه ليتمكن من تأسيس أحكامه بطريقة سليمة وألا يتأثر في كتاباته بالمؤثرات الحزبية والسياسية أو بما يعتنق من نظريات.

ولا ينصب المؤرخ نفسه قاضيًا يعيد محاكمة الأشخاص الذين سبق أن صدرت عليهم أحكام معاصريهم ويوزع أحكام الاستحسان أو الاستهجان هنا وهناك وخاصة أن العدالة في الأحكام التاريخية لا تتحقق بسهولة، كما أن هذه الطريقة يمكن أن تقلب الدراسات التاريخية إلى أسلوب من أساليب الدعاية.

ما سبق يعد اقترابًا جديدًا لمحاولة تصحيح مسار كتابة تاريخنا الإسلامي العظيم وتنقيته مما شابه من أخطاء مقصودة وغير مقصودة أغلبها وضعه المستشرقون، وبرغم انقضاء عهد تحكم الاستشراق - إلى حد كبير - في تفسير تاريخنا الإسلامي وتحقيقه إلا أن نقده ما زال مستمرًا لأنه وضع العديد من الأخطاء حول تاريخنا الإسلامي العريق.

 

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.


[1] ابن خلدون: المقدمة، تحقيق حامد أحمد الطاهر، دار الفجر، القاهرة، 2004م، ص12.