إن مصادر المعرفة عند الإسلاميين يمكن أن تجمل في شيئين هما: الوحي، والحقائق الوجودية الأخرى، أما وسائل تحصيل المعرفة من تلك المصادر فهي العقل والمشاعر، تُحِسُّ الشيءَ فتنفر من حرارته بغير تفكُّر مثلاً، يفعل ذلك الحيوان البهيم والعاقل الحكيم، وبعضهم قد يخلط وسائل كسب المعرفة بمصادرها؛ فيدخل تلك في هذه فيعد من مصادر المعرفة مع الوحي العقل والحواس، وربما عدد الإسلاميون منهم مصادر أخرى أرى أنها مندرجة في جملة الحقائق الوجودية، إما ضرورية لا تحتاج إلى تحصيل كالفطرة وكثير من التصرفات الطبْعِية التي يولد المرء بها، أو طارئة بغير إرادة، وبعضهم يراها مندرجة في الحس أو المشاعر كالإلهام والكشف والرؤى، وهذا من جنس جعل الحَدْسِ حاسَّةً... والتمييز بين المصادر والوسائل أجود، والتعبير عن المصادر بالوحي والحقائق الوجودية الأخرى أجود من التعبير عنها بالوحي والكون، أو الوحي والخلق، وجعل الإلهام ونحوه من جملة الحقائق الوجودية أجود وأجود! وعلى كل لا مشاحة في الاصطلاح إن تقرر مضمونه عند الإسلاميين.

وإذا كانت تلك مصادر المعرفة فالعقول إزاءها ثلاثة: عقل ديني يؤمن بالوحي، وعقل مادي يؤمن بالكون، وعقل آخر أجد إضافته ضرورية، وأرى من المناسب أن أنحت له اسم وهو: العقل المادِّيني!

أما العقل المادي الذي يؤمن بالكون المشهود فخصيصته التي اقتضت تمييزه هي إنكاره الوحي مصدراً للمعرفة، بخلاف العقل الديني في الجملة فهو مع إيمانه بالوحي لا يمكن أن ينكر الكون الذي يلابسه ويحسه بمشاعره بل هو جزء منه! وجمهور الدينيين لا ينكرون الشمس والقمر ولا الماء والشجر وغيرها من حقائق الوجود المشهود، ولهذا لم تحتج الرسل - عليهم السلام - إلى دعوتهم للإيمان بالشهادة أصلاً لكون حقائقها بكثير من تفاصيلها قريبة المنال بالمشاعر والعقول، وإنما دعتهم للإيمان بالغيب الذي لا سبيل لهم إلى العلم به على وجه التفصيل إلا بالوحي، والذي ينكر الحقائق الماثلة عداده في غير العقلاء لا أصحاب العقول! وقد يُعترض على هذا فيقال: فما بال بعض الأديان تنكر حقائق وتصف بالهرطقة القائلين بها بل تنكل بهم؟! والجواب باختصار أن هذا الإنكار جزئي، لأمر مستنبط في الغالب، وليس بظاهر للعيان أو ضروري، ثم إن عقول أولئك لا تستمد في إنكارها ذلك من الوحي الذي لأجله صنَّفناها عقولاً دينية، وإن ادعت ذلك فالحقيقة خلافه؛ إنما تستمد من خرافات وأوهام وأهواء ليست بمصادر معرفية اتفاقاً، كما يوجد في الماديين من قد يتجاوز لهواه ومصلحته مقررات العلوم ولاسيما الإنسانية، فتراه يظلم ويهضم باسم نظريات إما خاطئة أو موظفاً لها بحسب مصلحته، كما أن فيهم من ينكر حقائق لم يبلغها علمه قد أثبتها غيره، أو جعلها محتملة! فإذا أنكر عالم فيزيائي أن المادة تستحدث من العدم، ثم تبين بنظرية أخرى أنها قد تستحدث فلا يعني هذا أن مصدر المعرفة الذي هو الكون كان خاطئاً، ولهذا أقول إشكال العقل المادي ليس من هذه الجهة في الحقيقة، وإنما من جهة ادعائه ذلك لهوى أو إنكاره ما لم يحط بعلمه ولم تبلغه معرفته، لا ما قام عنده برهان وجودي على خطئه، وما قام البرهان الوجودي القطعي على خطئه فلا يمكن أن يكون الوحي مخالفاً له، فالذي أوحى هو الذي خلق، فلا يناقض قوله خلقه، وعلماؤنا يقررون أن الرسل لا تأتي بمحالات العقول، لكنها تجيء بمحاراتها؛ أي ما تحار فيه ولا تبلغ درَكَه وليس عندها دليل على استحالته.

ولئن كان الماديون - ولك أن تقول الملاحدة اللادنيون - ينكرون الوحي برمته فإن الذي يحدثه من أسميهم بالمادينيين ممن يوصفون بأنهم عقلانيون دينيون - ووصفهم الصواب: ماديون دينيون - ما يحدثه هؤلاء هو تقديم المستفاد بالعقل من الوجود على المستفاد بالعقل من الوحي، بعبارة أخرى: تقديم العقول المادية على العقول الدينية، بل على الحقائق الدينية. لكنهم لا يصرحون بإنكارهم الجزئي للدين! بل يخرجون إلى تأويل الوحي وتفريغه من محتواه بدعوى مخالفة ظاهره - الذي يفهمه العقل - لحقائق الكون، وذلك في كثير من الأحيان لجعلهم نتيجة العقل المادي الناظر في الحقائق الكونية الرامي إلى تفسيرها هي الحقائقَ نفسَها! مع ما قد يكون عندهم من قصور في فهم الوحي وحكمته.

ثم إنهم في ذلك المسلك المقدم للعقل المادي درجات فبعضهم يقدم المستفاد بالعقل من الكون على المستفاد بالعقل من الوحي مطلقاً، وبعضهم يقدم المستفاد بالعقل من الكون على الوحي الظني ثبوتاً أو دلالة، وبعضهم يقدمه على السنة مطلقاً دون القرآن؛ فيأول من القرآن ما كان ظني الدلالة في زعمه دون القطعي، أما السنة فيعتسف تأويلها مطلقاً لكون السنة عنده ظنية في جمهورها، وما لم يكن ظنياً لتواتره أو قرائنه فالخطأ فيه بالاجتهاد وارد من مبلغه عليه السلام! على غرار اجتهاد النبي # في تأبير النخل، ولهذا قد يَردُّ أمثال هؤلاء أحاديث كثيرة على طريقة أنتم أعلم بأمور دنياكم، وردهم لها ليس فرعاً عن ظنية ثبوتها كآخرين من دونهم - وإن موّه بعضهم بذلك أحياناً رعاية للمصلحة - فعند هؤلاء حتى لو ثبت أن النبي # قالها بالتواتر، فربما قالها باجتهاد مرجوح، أو مناسب لزمانه، أو قالها تصرفاً بمقتضى السياسة لا النبوة، أو التطبب لا الرسالة، وهلم جراً، ولذلك تجدهم لا يبحثون أصلاً في الثبوت، بل قد يُغْفِلُ كثير من منظري هؤلاء في بحوثهم مقررات السنة ومناقشتها ولا يتكلفون حتى تأويلها، وإن استدلوا أو تأَوَّلوا فرعاية لسياسة العامة، وهذا ما قد لا يستوعبه فلاسفة غير إسلاميين! وقد وقفت على حوار لأحدهم انتقد فيه أحد من يوصفون بأنهم مفكرون إسلاميون مستنيرون بأنه لم يناقش الأسس الثقافية لمقرراته في السياسة والحكم واكتفى بتقريرات (جريئة)، ومثل هذا يدل على عدم إدراكه حقيقة من انتقد وفلسفته! فهو لا يتصور أن يكون مفكراً إسلامياً ثم هو لا يعتد بالسنة أصلاً في بعض مسالك السياسة على سبيل المثال متى خالفت المقرر عنده!

وأصل إشكال المادينيون هو ما تقدم من اعتقادهم في العقل المادي اعتقاداً جازماً فيجعلون المستفاد منه بالنظر في الكون كالحقائق الكونية نفسها، فتأول لأجل ذلك آية قطعية في ثبوتها بدعوى ظنية دلالتها، وكثيراً ما يُسلك ذلك المسلك مع النظريات أو حتى الفرضيات العلمية التجريبية فكلما ظهرت نظرية اعتَسَفَ تأويل الشرع لأجلها بعض الإسلاميين - وإن لم يكونوا مادينيين  - بحسن قصد، كما كان بعضهم يفعل مع نظرية نيوتن في المادة، وكما يفعل بعضهم اليوم مع نظرية الانفجار على سبيل المثال وغيرها كثير!

وإذا تأملت لم تجد لتقديمهم العقل المادي دليلاً قطعياً وغاية أمرهم أنهم لا يملكون تفسيراً آخر يعتقدونه، فيقدمونه على العقل الشرعي الظني بإعمال التأويل في الأخير! وهذا تخليط في الأساس المعرفي، فإنكار نموذج كوبرنيكوس على سبيل المثال - بدليل وحي ظني ولو خاطئ - ليس إنكاراً للأرض أو الشمس أو القمر وتلك هي الحقائق الوجودية، والنظرية إنما هي نتيجة ظنية لإعمال العقل في حقائق وجد الناظر فيها أن تفسيرها بتلك النظرية أكثر ملاءمة رياضياً، ثم قد يظهر تفسير آخر أكثر ملاءمة من سابقه، وقد استمرت نظرية مركزية الشمس بضعة قرون - مع بعض التصحيح - إلى أن جاءت النظرية الحديثة بتفسيراتها المعروفة عند المختصين، المُبعِّدَة لكون الشمس مركز الكون.

ومع ذلك فليس الإشكال الكبير مع أصحاب العلوم التجريبية أولئك وإن أخطؤوا بله إصابتهم! لكن الإشكال مع المادينيين هو في طردهم هذا المسلك مع نظريات سائر العلوم الإنسانية.. فما بلغته - على سبيل المثال - في مجال النظم الأسرية يرونه الأمثل كأفضلية المساواة بين الجنسين، ويبلغ عندهم ذلك المقرر درجة القطع، ويعتقدون في تيك النظريات اعتقادهم في الحقائق الوجودية كالشمس والقمر! فإذا جاء التشريع الإسلامي بخلاف ذلك أوّلوه أو حرَّفوه لذلك! وأصروا على القول بأن العدل الذي جاء به الشرع هو المساواة! ثم ينتقلون بعد التأويل إلى التشريع وسنّ النظم بناء على ذلك، وهنا يظهر الخطر، بخلاف الضرب الأول من التأويل (المتعلق بالعلوم التجريبية)، فهذا قد لا يظهر له كبير خطر إذ ليس موضوع القرآن الكريم هو مواضيع تلك العلوم أعني الجغرافيا أو الطب أو الهندسة وهلم جراً، وغاية الأمر أنه لا يجيء بما يتعارض مع حقائقها، لكنه كتاب هداية وأحكام ونظم، الذي يستبدله بغيره من مقررات نظريات بعض العلوم الاجتماعية - مثلاً - مبطل لحكمة بعث الرسل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلَّا لِيُطَاعَ بِإذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64]، معارض تعبيد الناس إلى منهج الله تعالى، داعٍ إلى مناهج أخرى ليس فيها فلاح يوم القيامة ولا صلاح لأمر الدنيا، فقول العليم الحكيم سبحانه وتعالى طلباً أو إنشاءً لا يمكن أن يخالف حقائق الكون الذي خلقه! ومتى قدمت رأيك في الصنعية على ما بدى لك مخالفاً تعليمات الصانع كنت مفرطاً ماضياً نحو العَطَب.

وختاماً، فإن ما تقدم عرضه هو خلاصة إشكال العقل المادّيني! أو من يوصفون بالعقلانية من الإسلاميين، وأمر هؤلاء مفضوح عند الراسخين المعتصمين بالحبل المتين والذكر الحكيم، لكن تبقى مناقشتهم المناقشة المقنعة للجيل المثقف المنفتح، الجيل الذي غَرَست في نفوس بنيه عواملُ شتى تعظيمَ الفرضيات والنظريات العلمية - على ضعف علمهم بحدودها - مع التقليل من شأن الوحي والتسهيل في التَّغَوُّل على نصه.. تبقى مناقشة هؤلاء مفتقرة إلى رويِّة وعلم بأكثر من العلوم الشرعية؛ فمع العلم الشرعي لا بد من ثقافة بمعارف هؤلاء التي يُعَظِّمون. فكما أن تحريف الوحي لينسجم مع سوء فهم الحقائق إنكارٌ لحقيقة النص، وتلك آفة، فإن إنكارَ الحقائق الكونية بسبب سوء فهم الوحي آفةٌ تُضْعف من مكانة الوحي في نفوس الناس، وهي مخَالَفَةٌ للوحي في الحقيقة، وإن كانت الأولى أعظم خطراً وأشد ضرراً، فإنكار آية كفر، بينما إنكار النجم القطبي خلل في العقل لا يصل حَدَّ الكفر! وهذا ما يقتضي أن يكون لبحث طرائق كشف إشكال المادِّينيين مجالات في مقالات أخرى! والله ولي التوفيق.

 

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.