كان الاحتلال قديماً يركز جهوده على احتلال الأرض، ويستغل في سبيل ذلك البندقية والمدفعية، ويستعين بسياسة الإغراء والترهيب لإخضاع المعارضين له والمقاومين، إلا أن التطور الذي عرفته البشرية في العديد من المجالات قد مس مفهوم الاحتلال، فانتقل به من احتلال الأرض وتسخير ساكنيها لمصلحته إلى احتلال الإنسان وجعله ميتاً في أرضه، الأمر الذي فسح المجال لوكلاء الغزاة لتسخير ثروات المسلمين لصالح المحتل الغائب الحاضر دون مقاومة تذكر، وترافق التطور المفاهيمي للاحتلال مع تطور وسائله وفقاً لآخر ما توصل إليه عالم التقنية، فكانت الصورة التي أنتجتها التقنية بمختلف وسائلها أحد أبرز الأسلحة التي طوّعها الكبراء لتطويع البشرية وفق نوازع الشر التي تسكن فيهم.. فكيف أثرت الصورة في الحياة البشرية؟ وكيف صارت أداة لاحتلال الشعوب وتحطيم القيم؟

الصورة إذ تحتلنا:

يقول المنظر والسياسي الأمريكي بريجينسكي: «بعد عصر التجارة، وعصر المال؛ أصبحت وسائل الإعلام وسيلتنا للهيمنة على العالم»، وهو قول يؤرخ للمرحلة الحالية، فبعد أن كان الناس قبل ثورة الاتصالات يعيشون الحياة بأسماعهم، فيسمعون عن البلد الفلاني والحدث الفلاني والقصة الفلانية تغير العالم رأساً على عقب بعد أن فتحت ثورة الصورة الباب على مصراعيه أمام البشر ليعيشوا الحياة من خلال نافذة الصور، حتى صار من المقبول القول إن «الحياة صورة».

ومع التشبع الهائل الذي نال من إنسان الصورة - بعد أن غرق في عصر التلفاز، الذي تميز باحتكار القنوات الرسمية ثم الفضائية للصورة، وهو يعد الممهد الحقيقي لظهور ما يمكن وصفه بـ«الإنسان الصورة»، الذي كان يكتفي بالوجوم أمام ما يراه أمامه من صور، وأقصى ما يمكنه فعله أمامها هو الغضب أو الرضا والفرح والتصفيق - وجد الناس أنفسهم أمام حرية مشرعة ومطلقة تتيح لهم العيش من خلال سيطرة عالم الصورة على فضاءات التواصل الجماهيري، إلى درجة أن العالم صار مختصراً في ناقل لصورة ومتلق لها، لتهيمن ثقافة الصورة الجافة على مشهد الحياة المعاصرة، وتعلن دخول البشرية مرحلة خطيرة من مراحل حياتها.

حواسنا داخل مسلخ الصور:

قبل أن تغزو الصورة منطقنا وعقولنا كان الإنسان يعيش باستعمال حواسه في عملية الاستكشاف والتصور والتقرير، غير أن سيطرة ثقافة الصورة ألغت هذه الحواس وهمشتها لصالح حاسة العين، فصار الإنسان أمام هذا الوضع الشاذ مجرد كائن يتلقى المشاهد؛ لأجل أن يعلق عليها أو يبدي إعجابه أو تذمره، أما فعل الاكتشاف وصناعة الفعل وانتقاده وعلاجه وتعديله وتغييره فقد ضاقت به السبل أمام كاسحات اللون وأطيافه، ما أنتج في النهاية إنساناً مشلولاً عن أداء كثير من وظائف الحياة، عاجزاً عن التلبس بالعمل الرسالي.

سلطان الصورة يحطم فعل القراءة:

كان من نتائج تهميش الصورة لحواس الإنسان في عملية التفاعل مع الحياة أن القارئ وهو يمارس فعل القراءة انتقل من مرحلة التفاعل الذكي معها - حيث كان يستعمل الإنسان عقله في نقد ما يقرأ، أو الاستفادة مما يطالع، أو استضافة قيمة مضافة في حياته من خلال الكتاب أو المقال الذي بين يديه - إلى مرحلة صار القارئ فيها يختصر نظرته لفعل القراءة في إبداء إعجابه من عدمه، حتى إننا نشاهد مشاريع مكتوبة وأطروحات لا تلقى أي تفاعل، حتى ممن يتوسم فيهم اعتناق فعل القراءة، كما أن الكثير من الناس صار ينظر من خلال منطق الصورة إلى أن كل ما هو أمامه من كتابات إنما هو ألبوم صور تراكمت، لا فائدة من تكرارها، بل يجب تجاوزها وربح الوقت، ويعتقد الكثير من الكتاب أن السبب الرئيس الذي يحتم عليهم الاختصار في الكلام هو أننا نعيش عصر تدفق المعلومة وسرعة تغيرها، حيث لم يعد النص عموماً يستهوي القارئ - باعتبارنا في عصر السرعة - وأن كل ما يأخذ وقت الإنسان المعاصر غير مرغوب، بل يثير الملل والنفور، غير أن التعمق في أسباب ذلك يجعلنا نقف أمام حقيقة مدهشة، وهي أن القارئ اليوم يرى ما بين يديه من مسطور ومكتوب بمنطق الصورة وبديلها، فإن وجد النص طويلاً أشاح بوجهه عنه، وإن فعل فإنه لا يلبث أن يغادر المقروء بعد سطرين أو ثلاثة سطور، فمنطق الصورة مسخ فضيلة الأناة أثناء القراءة، ولم يعد الصبر والتبصر في القراءة موجوداً عند أغلب القراء، فالقارئ إذ يقرأ وكأنه يبحث عن طيف معين من أطياف الألوان، لا عن استزادة علم أو معلومة قد تغير حياته ومساره من الفشل إلى الفلاح، وليت الأمر وقف عند هذا المجال وحسب، بل وصل الأمر إلى اختزال الحياة في الإعجاب أو التذمر، فصار تقييم الخطيب أو الصحفي أو المتحدث أو المرتل لا يخرج عن أعجبني أو لم ينل إعجابي، فغابت قيمة الإنصات والتدبر، والاستفادة والنقد، لصالح سلطان الصورة القوي، ما جعل الحياة تعرف رتابة شديدة، أثرت على التفاعل الاجتماعي الإيجابي بين البشر عموماً، وبين المسلمين خاصة بوصفنا أمة لها رسالة، ولا يليق بها أن تختصر حياتها في إبداء الإعجاب والتفرج.

الصورة والتلاعب بالحقائق:

لأن اليقين الذي ترسمه العين في النفس أقوى من اليقين الذي يرسمه العقل والسمع، أدرك شذّاذ الآفاق ذلك، فدخلوا من هذا الباب ليتلاعبوا بالوعي البشري، ويزيفوا حقائق كثيرة، خدمة لمشاريعهم الشيطانية، يقول الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون: «من هنا تظهر خطورة الإدمان والتعرض السلبي لوسائل الإعلام، فالتكرار والتوكيد يصنعان التصورات والمعتقدات، خاصة إذا ما شُحنا بجرعات عاطفية ومؤثرات بصرية إيحائية».

ويمكن التمثيل بأمثلة عدة تنوب عن شرح هذا الأمر، فالإعلام المأجور لا يتوانى عن تصنيف العالم من خلال التلاعب الدنيء بالمعارف والحقائق، فيصور الكيان الصهيوني - القضية المركزية للغرب - على أنه يدافع عن نفسه دفاعاً شرعياً، بعد أن تم تصويره كحالة تحضر وسط منطقة يسكنها الرعاع والبدو المتوحشون، ويصورون أوربا راعيةً للقيم الإنسانية، بينما يصورون ممارسات بعض المسلمين الذين ينادون بتطبيق الشريعة على أنهم أعداء الحياة، وأنهم سبب المآسي والدموع والدماء، ويستغلون الصورة لتشويه الإسلام والمسلمين بكل احترافية ومكر للوصول إلى قناعة مفادها أن الشريعة التي يتفاخر بها المسلمون ما هي إلا منهج عدمي ولا ترقى لأن تكون نظام حياة صالح، وكل ذلك من خلال الحرب بالصورة. والقتل الممارس في شرق أوكرانيا - نتيجته مقتل 9 آلاف أوربي - يسمونه انفصالاًً لا إرهاباً، حتى يبعدوا تهمة الإرهاب عن الرجل الأبيض، أما القتل الذي يمارسه المهووسون بالقتل الجماعي في أمريكا من خلال استهداف الطلبة والأطفال في مدارسهم فيسمونه إجراماً أو قتلاً متسلسلاً، والحركة الاستعمارية السابقة يسمونها تحضراً، والتدخل في دول العالم الإسلامي يعتبرونه حركة ضرورية لنشر الحريات ودعم حقوق الإنسان، كل ذلك يتم عن طريق توظيف الصورة في حربهم على الإسلام، والوصول إلى أعماق الوعي وتزييفها بعد التلاعب بها.

لقد بات تزييف الوعي الجمعي للبشرية من خلال التلاعب بالحقائق عن طريق حرب الصور من أهم الأمور التي يتحكم فيها من يسيطرون على خيرات الأرض وحاضر الأجيال، هدفهم في ذلك استدامة تسلطهم على البشر، وإطالة أمد استعبادهم للناس، وجعلهم وقوداً للحرب حال الصراع، ووسائل إنتاج رخيصة حال السلم المزيف، ومن أجل كسر كل محاولات المسلمين للرجوع إلى قيادة وريادة العالم.

لقد كان من الممكن أن تكون الحياة من خلال حضارة الصورة أجمل وأفضل، غير أن سيطرة العائلات العالمية المتحكمة بالقرار السياسي في العالم من خلال إرساء أنظمة لا تثير غير الدموع والدماء، والصراع والعنف، جعلت الصورة وسيلة لإغراق الحياة في مستنقع الرداءة والتعاسة، التي تنتجها هذه الأسر المتوحشة، لتجعل من الصورة التي لا تتوقف عن الحضور أداة للسيطرة والاسترقاق، وشيطنة الصالحين والأحرار، وتخريج المجرم في صورة بطل أسطوري.

القرآن يتحدث عن الحرب بالصورة:

هل استعمل أهل الباطل الصورة في صراعهم مع الحق؟ يذكر القرآن الكريم مشهداً بليغاً وهو يحكي عن استعمال الطغاة للصورة في حربهم على الباطل، يقول الله تعالى في سورة الأعراف: {قَالَ الْـمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ 109 يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ 110 قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْـمَدَائِنِ حَاشِرِينَ 111 يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ 112 وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إنَّ لَنَا لأَجْرًا إن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ 113 قَالَ نَعَمْ وَإنَّكُمْ لَـمِنَ الْـمُقَرَّبِينَ 114 قَالُوا يَا مُوسَى إمَّا أَن تُلْقِيَ وَإمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْـمُلْقِينَ 115 قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ 116 وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ 117 فَوَقَعَ الْـحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون 118 فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ 119 وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} [الأعراف: 109 - 120]، ذكر المفسرون أن فرعون حشد أكثر من ثلاثين ألف ساحر، وقال بعضهم إن عدد السحرة تجاوز السبعين ألفاً، وهو ما يؤكد أن المشهد كان رهيباً ومؤثراً، ويكفي أن نقف على ردة فعل نبي الله موسى عليه السلام وهو يرى إرهاب الصورة الذي مارسه سحرة فرعون من أجل التلاعب بعقول وقلوب الجموع الحاضرة، يقول الله تعالى في سورة طه: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى 67 قُلْنَا لا تَخَفْ إنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى} [طه: 67، 68]لقد كان المشهد خطيراً على دعوة موسى عليه السلام، فقد حشد الباطل أقوى أسلحته، محاولاً التغلغل في أعماق الحاضرين، وخلخلة نفوسهم واللعب بتصوراتهم، ما جعل العناية الربانية تكسر السنن الكونية وتخرمها؛ فكانت العصا معجزة موسى عليه السلام خارقة للعادة، ووسيلة لنصرة الحق، وها هو مشهد السحرة المناصرين للباطل بسحرهم يعود اليوم ولكن بصورة أقوى وأخطر، ففيه من الجاذبية والمكر ما لا يعلمه إلا الله، فالآلات الدعائية الضخمة، وآلاف وسائل الإعلام الملحدة والمعادية للحق، صارت تسحر أعين الناس، وتصور لهم الباطل حقاً، والحق باطلاً، عن طريق الصورة، ما يجعل المسلم اليوم أمام واقع صعب ورهيب، يحتم عليه الاهتمام بهذه المسألة لصد العدوان المستخفي وراء الصورة الساحرة، بكل وسيلة وطريقة.

الإنسان الصورة.. وماذا بعد؟

بعد استعراض الحقائق الآنفة الذكر يمكن القول إن مخرجات عصر الصورة قد جعلت الإنسان مجرد إنسانٍ آلي ببعض المميزات البشرية، التي لا تعدو أن تكون خصائص بيولوجية يشترك فيها مع غيره من الكائنات، بعد أن تم استهداف فطرته في العمق، وإزاحة وعيه النقي، وإقصاء حواسه، ما يجعل توجيه الجهود لإعادة السيطرة على الانفلات الذي مس الصورة بوصفها أداة، وجعلها صنماً أكبر يوجه الحياة ويكبحها متى يشاء، أمراً حتمياً؛ لأجل تفادي انهيار بقايا الفطرة السليمة في البشر، وأمراً حيوياً لأجل الإبقاء على الفعالية يقظة في وسائل التدافع الحضاري التي بين أيدينا، فالغزو بالصورة لم يعد من الممكن مواجهته بالوسائل التقليدية، وهي حقيقة ثابتة اليوم، ولا يمكن لمن يرفض أن يفتح عينيه على الواقع الحالي أن ينكرها، فلا يمكن مواجهة الصورة إلا بالصورة، ولا يمكن الذهاب بعيداً في هذا المجال، إن بقيت الجهود منصبة على مجرد نقل الأدوات التقليدية - التي كنا نستعملها في ميدان التدافع الحضاري - إلى أماكن أقل ما يقال فيها إنها تملك بعض الأدوات والديكور، ولا تملك التأثير الحقيقي، ما دام الخصم الحضاري للأمة هو من يملك زمام صناعة الصورة والمشهد، وبالتالي لا يكفي الظهور في الفضائيات والحديث، بل نحتاج إلى مواجهة مخطط الهدم بالصورة بمخطط البناء بالصورة، وقد كان هذا فهماً عمرياً خالداً، حيث أرسى قاعدة مهمة في المواجهات الكبرى، وهي مواجهة المشاريع الكبرى بمشاريع كبرى، فقال مقولته الخالدة رداً على حشد الفرس لكل قواهم لصد المسلمين: «لأضربن عروش كسرى بعروش العرب».. فهل نعي حقيقة المعركة اليوم والوسيلة الأنسب لإدارتها؟

نواجه الإنسان الصورة بالصورة الإنسان:

إن تخريج جيل يتحكم في تقنيات الصورة، ويكشف الزيف الذي تصنعه الأيادي الخفية من خلال التلاعب بالمبادئ والحقائق، ويترصدها بالاستشراف، وإيجاد وكالات أنباء نقية صادقة، ومراسلين وصحفيين وقنوات صادقة تقية أمر واجب لإيقاف الانحدار الكبير الذي صارت إليه البشرية جمعاء بعد أن سيطر عليها سحرة الباطل وأرباب الاستعباد.

إن مواجهة الإنسان الصورة لن تنجح إلا إذا واجهناها بالصورة الإنسان، أي تكون الصورة صدى للإنسان، أن تكون الصورة ناقلة لحقيقة الإنسان المكرم من رب العالمين، أن تكون وسيلة في يد الإنسان المحسن، بدل أن تكون الصورة صنماً يستعبِد الإنسان ويقهره، ويلغي وعيه وضميره، وينفيه إلى الأرض البور التي يصنعها أعداء الفطرة السليمة، وإن تكثيف الجهود وعقد الندوات والملتقيات لتنبيه النخب المسلمة إلى خطورة حرب الصورة وبذل الجهد لإيجاد مخططات رصينة لمواجهتها هو الخطوة الأولى الصحيحة في طريق إحداث توازن في الحرب ضد الإسلام وضد بقايا الفطرة البشرية على هذه المعمورة.

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.