انشغلت مراكز الأبحاث في الكيان الصهيوني بدخول موجة العمليات الفلسطينية شهرها السادس بالبحث عن أسبابها وعدم جدوى الجهود الصهيونية لوقفها.

رأت الأوساط الأمنية الصهيونية أن ظاهرة انخراط الفتيان الفلسطينيين الصغار في عمليات الطعن في الضفة الغربية تعود بالأساس إلى انتشار روح التدين بينهم، والتي يتم توجيهها من حركة حماس، وحملات التحريض التي تديرها السلطة الفلسطينية، وفي ظل المتابعة الحثيثة لشبكات التواصل الاجتماعي التي ينتمي إليها هؤلاء الفتيان الصغار ليس من الواضح أن التغلب الصهيوني على ظاهرة انخراطهم في الهجمات ضدهم تبدو مفيدة أو ذات جدوى.

وأشارت إلى ضرورة العمل على القيام بعمليات هجومية وليست دفاعية ضد هذه الظاهرة، تشمل الجوانب الاقتصادية، ومنح الفلسطينيين أملاً بمستقبل أفضل، في غزة والضفة وشرقي القدس، حيث تتزايد موجة العمليات التي اندلعت في خريف 2015م، من خلال حملة «الطعن بالسكاكين»، مما أثار عدداً من التساؤلات حول دور شبكات التواصل في تحريض الفتيان الفلسطينيين على تنفيذ هذه العمليات.

في المقابل، تظهر في الضفة الغربية، مسألة انخراط الفتيان الفلسطينيين بعمليات الطعن بالسكاكين على أنها غير منظمة، أو يتم توجيهها أو التخطيط لها من أطراف خارجية عن بعد، سواء كانت السلطة الفلسطينية أو حماس أو أي جهة أخرى في شرقي القدس والضفة الغربية.

وقد تبين بعد نصف عام من اندلاعها أن ظاهرة «المنفذين الوحيدين» لهذه العمليات يعملون على شكل منفذ واحد، أو اثنين أو ثلاثة في مجموعة واحدة، ولم يعرف عن أي منهم أنه كان مؤثراً في محيطه العام داخل الجمهور الفلسطيني، لكن تلك الأطراف الفلسطينية تسارع على الفور إلى مباركة العمليات الفردية، وأحياناً تعلن مسؤوليتها عن بعضها، وهدفها بالأساس التنافس على الحصول على أكبر نسبة من التأييد في الشارع الفلسطيني، ويتسابقون في توفير المساعدات المالية اللازمة لعائلة منفذي العمليات.

منفذو العمليات الفلسطينية يحظون بألقاب عديدة بين الفلسطينيين، ومنها: «مقاتلو الحرية، الفدائيون»، ويتم تشبيههم على صفحات التواصل الاجتماعي على أنهم أبطال كأولئك الذين يحظون بمتابعة كثيفة من قبل رواد أفلام سينما هوليوود من أمثال: «باتمان، سبايدر مان، سوبرمان»، في حين أن السلطة الفلسطينية التي تحظى بشرعية أقل في أوساط الجيل الفلسطيني الصاعد لا تقدم رواية أخرى للظاهرة.

يتحدث الصهاينة، لاسيما في مراكز الأبحاث والدوائر الأمنية عما يسمونه حدود قوة الكيان الصهيوني في التعامل مع ظاهرة انخراط الفتيان الفلسطينيين في العمليات الفردية، فلا يوجد هناك عائق مادي، أو قنبلة، يمكن لها أن تمنعهم من تنفيذ عملياتهم، فنحن نتحدث عن فتيان يحملون هواتف جوالة حديثة، ولديهم حسابات عديدة على الفيسبوك، ويستقون أفكار العمليات بسرعة نادرة، مما يجعل إحباط عملياتهم، فضلاً عن القضاء عليها بالطرق العسكرية أمراً تحيط به الشكوك من كل جانب. ولذلك فإن الكيان الصهيوني لن يكون قادراً على قتل صفحة فيسبوك، أو حساب تويتر، أو موقع يوتيوب، لأن جميع هذه الوسائل موجودة خارج ميدان المعركة العسكرية، فأي محاولة صهيونية لتوجيه ضربة عسكرية محددة ضد شبكات الإنترنيت لن تنجح، بل إن محاولات الكيان الصهيوني لإغلاق بعض الصفحات والحسابات ستؤدي بالضرورة بالفلسطينيين لفتح صفحات جديدة وحسابات أخرى.

يمكن القول إن مرور ستة أشهر على موجة العمليات الفلسطينية ينبئ بأن القادم ما زال في الطريق، لأن العمليات الفلسطينية تأتي على خلفية النزاع مع اليهود على الحرم القدسي، ومن حينها تتواصل الهجمات، لأن تنفيذها ليس أمراً معقداً كثيراً، فماذا يستطيع الكيان الصهيوني القيام به؟

تخرج توصيات بين حين وآخر لصناع القرار في الكيان الصهيوني بتقديم سلسلة خطوات من شأنها الحد من هذه العمليات، أولها الفصل الحقيقي بين الصهاينة والفلسطينيين، بصورة تؤدي بالتدريج لتقليل فرص الاحتكاك بينهم، خاصة في القدس وداخل الخط الأخضر. وثانيها المبادرة لتقديم مبادرات سياسية مع السلطة الفلسطينية من شأنها تغيير الأجواء السائدة حالياً، خاصة أن الجيش الصهيوني يقوم اليوم بتنفيذ عمليات عسكرية في شمال الضفة الغربية ومدينة أريحا، وكأنها مدن تحت السيطرة الصهيونية الكاملة، وهي ليست كذلك وفق الاتفاقيات.

وهناك خطوة ثالثة تتعلق بزيادة قوة الردع الصهيونية أمام منفذي العمليات الوحيدين من خلال إبعاد عائلاتهم إلى غزة، لاسيما تلك التي تبدي دعماً لما يقوم به أبناؤها، برغم أنها عقوبة قاسية، وتثير تساؤلات قانونية وقضائية كبيرة، لكن حواراً يجريه منفذ العملية مع نفسه قبل تنفيذها، حول ما قد ينتظر عائلته من معاناة، قد يجعله يعيد التفكير في تنفيذ العملية.

ومنذ اندلاع العمليات في سبتمبر 2015م ما زال الكيان الصهيوني سواء دوائر صنع القرار أو الجمهور، لا يعرفون حقيقة ما يحصل، حيث نفذت من حينها أكثر من 250 عملية ومحاولة عملية، أكثر من 90% منها نفذها فلسطينيون وحيدون، وبرغم حدوث انخفاض تدريجي في عدد العمليات في الآونة الأخيرة، لكن لا توجد حالياً مؤشرات على غياب كامل لهذه الظاهرة، فأجواء الإحباط وغياب الأفق السياسي بين الفلسطينيين لاسيما في الضفة الغربية والقدس تزيد من مستوى هذه العمليات، إضافة لأجواء العنف السائدة في الشرق الأوسط.

هناك إشارة جديرة بالانتباه تتعلق بأن الجيل الفلسطيني الجديد الذي يحرك العمليات الجارية ضد الصهاينة ليس تابعاً لحركتي فتح أو حماس، وأعمارهم في حدود 21 عاماً، ممن تربوا بين حلقات المساجد ومتابعة العلامات التجارية، وهم متأثرون بالربيع العربي، متشائمون وعاطلون عن العمل، يطلبون حقوقهم، ودوافعهم الأيديولوجية أقل، ويعتبرون أن السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني هما ذات المشكلة.

وبعكس ما كان عليه الحال في الانتفاضات الفلسطينية السابقة، فإن الهبة الشعبية الحالية بدأت من الأسفل إلى الأعلى، انطلقت من الجمهور الفلسطيني ومن الشوارع، وليس من السلطة الفلسطينية ذاتها أو التنظيمات السياسية، بعكس ما كان عليه الحال في ثورات الربيع العربي، لاسيما في مصر، لكن الروح هي ذاتها، وتتعلق بمحاولات تسعى لإحداث تغيير للواقع القائم، وبعض الفلسطينيين أراد من هذه الهبة التخلص من الضائقة المعيشية التي يعيشها.

يمكن الإشارة هنا إلى معطيات إحصائية ومعلومات رقمية منذ أكتوبر 2015م، حيث وقعت 205 عمليات فلسطينية، 144 حصلت في الضفة الغربية، و61 داخل الكيان الصهيوني، قتل خلالها 183 فلسطينياً، 133 منهم منفذو عمليات، 114 من الضفة الغربية، والباقون من قطاع غزة، 1858 فلسطينياً أصيب خلال هذه الموجة من العمليات، 41 إصابة صعبة، ومثلهم إصابة متوسطة، ومتوسط أعمار منفذي العمليات الفلسطينية يقل عن العشرين عاماً. ولذلك فإن أجهزة الأمن في الكيان الصهيوني تواجه هذه المرة ظاهرة جديدة غير معهودة أمام الفلسطينيين، لأنه من خلال جمع المعلومات الأمنية والمعطيات الميدانية يمكن الخلوص إلى نموذج جديد للمسلحين الفلسطينيين، وليس لدى أجهزة الأمن تفسير معقول لما يتم من عمليات، وطرق تنفيذها، ولذلك تلجأ هذه الأجهزة لمحاولات للفهم تجري خلف الكواليس.

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.