يمر العالم الإسلامي اليوم بحالة من التخبط والتشوش تسود كافة أرجائه، ويظهر ذلك جلياً يوماً بعد يوم في ما تتعرض له الأقليات المسلمة في آسيا وأوربا، كما تمتد حالة التخبط إلى كافة الدول العربية، لتضيع صورة الدولة الإسلامية الحق وراء تزييفات الغرب ومؤامراته، تلك الدولة التي تتسم بتطبيق الشريعة الإسلامية الصحيحة على كافة جوانبها ومكوناتها بدءاً من الجوانب السياسية إلى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية وغيرها، حيث أصبحت فقط لفظة «إسلامية» ما هي إلا قشرة خارجية لأنظمة رأسمالية غربية، وهو ما يظهر جلياً في النظم الاقتصادية بالدول العربية والإسلامية.

أعلنت مؤخراً وكالة تومسون رويترز عن ارتفاع مؤشرات نمو الاقتصاد الرقمي الإسلامي عالمياً خلال العام 2015م بشكل يفوق الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث بلغ حجم استهلاك المسلمين 5.8% من إجمالي الاقتصاد الرقمي العالمي، متوقعة أن يحقق الاقتصاد الرقمي الإسلامي معدل نمو سنوي مركب تبلغ نسبته 17%، ليتجاوز بذلك نمو مجموع الاقتصاد الرقمي العالمي بنسبة 2% بحلول العام 2020م.

ويعطي هذا التقرير مؤشراً واضحاً حول ما آلت إليه نظم الاقتصاد الإسلامي المطبقة حول العالم مقارنة بنظيرتها الرأسمالية، فقد وجدت مجموعة من الدول الأوربية حلولاً جذرية لمشكلاتها الاقتصادية في التطبيق لصحيح الدين الإسلامي من الناحية الاقتصادية، لتصبح بذلك أسس دينية مثل الزكاة وتحريم الربا والميراث والصدقة والغنيمة والجزية وغيرها حلولاً ذكية لإنقاذ اقتصادات الدول الغربية.

وتعد أكثر الدلائل على ذلك حصول دولة مثل أيرلندا على المركز الأول في تطبيق الشريعة الإسلامية في الحكم، وهي نتيجة دراسة أعدها عدد من الباحثين في جامعة جورج واشنطن الأمريكية، حيث قام الباحثون بالمقارنة بين دساتير 218 دولة من حيث أسس حكمها واقتصادها وتعاملها مع المواطنين، وبين 113 مبدأ إسلامياً تم استخراجها من القرآن والسنة النبوية، وذلك فيما يتعلق بالعدالة والاقتصاد والحريات وتوزيع الثروة.

التجربة الماليزية:

ولعل ارتباط الأمور السياسية والاقتصادية هو ما يعطي الأولوية للحكومات للبدء بها، فبناءً على الوضع الاقتصادي للدولة تتحدد السياسات المتبعة لتحقيق تلك الأهداف الاقتصادية، وهو نفسه ما حققته ماليزيا، باعتبارها إحدى الدول التي قامت بتطبيق النموذج الإسلامي في الاقتصاد لتضع هدفاً نصب أعينها أن تصبح من الدول الرائدة صناعياً بحلول العام 2020م، وهو الهدف الذي تتحرك صوبه بكل ثبات يوماً تلو الآخر.

إن التجربة الماليزية في تطبيق شرائع الدين الإسلامي الحنيف في ما يتعلق بالأمور الاقتصادية بدأت في الأساس مع تولي مهاتير محمد رئاسة الوزراء عام 1981م، ليستطيع القفز ببلاده ويصل بها إلى ذروة عهدها الاقتصادي، ليرتفع دخل الفرد فيها إلى قرب الأربعة أضعاف، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي.

ويمكن تلخيص أبرز النقاط التي اعتمد عليها مهاتير محمد في تطبيق بعض نظم الاقتصاد الإسلامي في تحقيق العدالة والمساواة بين أبناء الدولة الماليزية باختلاف أعراقهم وثقافاتهم، وهو ما يتفق مع اللبنة الأولى التي وضعها أشرف الخلق وسيد المرسلين محمد عليه الصلاة والسلام عند بناء الدولة الإسلامية بعد الهجرة، عندما قام بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ليتم توزيع مصادر الرزق على الطرفين ووفقاً للآية الكريمة: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ} [المائدة: ٢].

هذا بالإضافة إلى اهتمام مهاتير بتوسيع أفق التجارة للمواطنين، وهو ما يشجع على فتح أبواب العمل لكافة المواطنين، لتعتبر تلك النقطة أحد أبرز الأسس التي سنها عليه أفضل الصلاة والسلام عند تأسيس الدولة الإسلامية وفقاً لحديثه الشريف «تسعة أعشار الرزق في التجارة».

ابتعدت الدولة الماليزية عن التعامل مع سلسلة المصارف التجارية الربوية، وانصرفت إلى تطبيق التوجيهات الإسلامية في المصارف وشركات الاستثمار، وهو الأمر الذي شجع الأغلبية المسلمة على التعامل مع تلك المصارف ذات التوجهات الإسلامية اتباعاً للشريعة الإسلامية التي تمنع التعاملات الربوية مهما اختلفت أسماؤها وأشكالها، ليتم إنشاء المصرف الماليزي الإسلامي عام 1983م، ويتم تحويل كافة المصارف الماليزية إلى مصارف إسلامية في عام 1994م.

أشكال تطبيق الاقتصاد الإسلامي:

وقد حدد علماء الاقتصاد الإسلامي مجموعة متنوعة من أشكال تطبيق معايير الاقتصاد الإسلامي، ويأتي على رأس هذه القائمة المصارف الإسلامية التي تقوم بالأعمال المصرفية المختلفة بهدف تحقيق الأرباح والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بديلاً عن المصارف التجارية التقليدية التي تعتمد بالأساس على نظام الفائدة الربوية المحرم شرعاً.

كما تعتبر صناديق الاستثمار الإسلامية أحد صور تلك المؤسسات التي تقوم بتجميع أموال المستثمرين في صكوك استثمارية توظف في العديد من المشروعات ليتم توزيع العائد بين الصندوق والمستثمرين وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وهو ما يعتبر بديلاً عن صناديق الاستثمار التقليدية. وكذلك شركات التأمين والتكافل الإسلامي التي تعتبر بديلاً واضحاً لشركات التأمين، حيث تقوم هذه المؤسسات على التكافل وفقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، التي تحض على التعاون والتكافل والتبرع، وهو الأمر الذي يختلف كلياً عن شركات التأمين المعاصرة.

معوقات تطبيق الاقتصاد الإسلامي في الدول العربية

ولكي تظهر الصورة بشكل واضح وميسور عكف الكثير من العلماء على توضيح كافة الأسس والمعايير الخاصة بتطبيق النظم الإسلامية في النواحي الاقتصادية تتطلب بالأساس توفير العنصر البشري القادر على تطبيق الشريعة الإسلامية في كافة النواحي الاقتصادية والتجارية، بحيث تضم كل مؤسسة اقتصادية لجنة شرعية تقوم بتطبيق مسائل الشريعة والفقه على أنشطة تلك المؤسسات، ليمثل بذلك العنصر البشري المدرب أبرز أهم المعوقات التي تواجه تطبيق الاقتصاد الإسلامي في المجتمعات العربية.

هذا بالإضافة إلى مشاكل الأمية الاقتصادية الإسلامية، حيث نجحت الدول الغربية منذ زمن بعيد في تصدير الفكر الغربي الوضعي البعيد عن مناهج الدين الإسلامي إلى الدول العربية والإسلامية، وهو الأمر الذي أدى إلى الانبهار بكل ما تقدمه تلك الدول والإسراع في تنفيذه دون الرجوع إلى أصول ديننا الحنيف الذي لم يترك لنا مجالاً إلا وقد وضح معاييره وحددها بشكل دقيق، فأصبح السبيل الوحيد للخروج من تلك الأزمة هو مراجعة تلك الأفكار والعودة إلى صحيح الدين والشريعة، بل وتهيئة النشأ الجديد عبر تعليمه كافة جوانب وأسس الاقتصاد الإسلامي في المراحل التعليمية الباكرة، فضلاً عن مشكلات الهيمنة العالمية على الاقتصادات العربية والإسلامية، والحاجة إلى محاولة الخروج من إمرة هذه الهيمنة، بالإضافة إلى انتشار مجموعة من التجارب الخاطئة التي قامت بتطبيق ما يسمى من وجهة نظرهم «الاقتصاد الإسلامي»، مثل شركات توظيف الأموال، وهو الأمر الذي ترك بالتأكيد رد فعل سلبي راسخ تجاه تلك الشركات والمؤسسات المقترن بها كلمة «إسلامية»، فضلاً عن التوجهات العالمية التي تسعى لتحديد انتشار المشروعات الإسلامية بكافة صيغها.

وعليه فيجب على الأمة أن تجمع شتات أمورها، وأن تقف على قلب رجل واحد للتصدي لانتشار تلك المفاهيم الغربية العلمانية، وأن تتمسك بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف في كافة الأمور والنواحي الحياتية بدءاً بالجوانب الاقتصادية لتنتشر في الأخير في كافة مناحي الحياة.

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.