لا تشكل الزيارة التي قام بها وفد من حركة حماس للقاهرة مؤخراً بحد ذاتها حدثاً درامتيكياً؛ حيث إن الاتصالات بين ممثلي الحركة وجهاز المخابرات العامة المصرية لم تنقطع حتى في أشد لحظات التوتر التي شهدتها العلاقة بين الجانبين، والتي أصبحت عدائية بشكل غير مسبوق بمجرد أن تولى عبد الفتاح السيسي مقاليد الأمور في القاهرة، فمنذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وفي أوج التوتر بين الجانبين، كان ممثلو المخابرات العامة يزورون مقار قيادات الحركة في قطاع غزة، كما أن ممثلي الحركة يزورون مقر الجهاز في القاهرة، حيث كان يدور الحديث بشكل أساس حول إمكانية التوصل لتهدئة مع الاحتلال الصهيوني، ناهيك عن أن الجانب المصري حرص كثيراً على الضغط على حركة حماس خلال هذه الاتصالات لإعادة الجندي الصهيوني الذي كان مختطفاً لديها جلعاد شاليط. ومن الواضح أن اختيار نظامي مبارك والسيسي جهاز المخابرات العامة قناةً وحيدةً للتواصل بين الجانبين يهدف إلى التدليل على أن نمط العلاقة مع حماس يهدف إلى تحقيق أهداف أمنية فقط، ولكي يدلل على أن النظام المصري لا يعترف سياسياً بهذه الحركة وبحكمها، ومما يدلل على ذلك حقيقة أنه بمجرد أن وصل الرئيس محمد مرسي لسدة الحكم حدث تحول كبير وواضح في العلاقة بين الجانبين، حيث كان يتم استقبال قيادات الحركة من قبل رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ووزارة الخارجية.

نسف مزاعم تهديد الأمن القومي

المفارقة أن استقبال وفد حماس في القاهرة قد جاء تحديداً بعد أسبوع من الاتهامات التي وجهها وزير الداخلية المصري مجدي عبد الغفار، الذي اتهم الحركة بالضلوع في عملية اغتيال النائب العام المصري السابق هشام بركات، والتي نفذها، بحسب مزاعمه، عناصر من جماعة الإخوان المسلمين. وبرغم أن أحداً لا يتعامل بجدية مع هذا النمط من الاتهامات فإن استقبال وفد حركة حماس بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الداخلية المصري عبد الغفار منح دليلاً آخر على أن الجانب المصري نفسه لا يتعامل بجدية مع هذه الاتهامات، وإلا كيف يمكن لجهاز أمني مصري سيادي أن يستقبل ممثلي حركة يتهمها النظام بالمسؤولية عن اغتيال مسؤول قضائي بارز  بحجم النائب العام.

في الوقت ذاته، فإن صمت النظام المصري عن إعلان وزير البنى التحتية الصهيوني «يوفال شطاينتس» قبل شهر أن الجانب المصري قام بتدمير الأنفاق بين سيناء وقطاع غزة بناء على طلب تل أبيب ينسف مزاعم هذا النظام والنخب الإعلامية والثقافية المرتبطة به، التي صورت هذه الأنفاق على أنها تهديد كبير للأمن القومي المصري، وأن إقدام الجيش المصري على تدميرها جاء للحفاظ على هذا الأمن.

هل هناك صفقة؟

زعمت بعض وسائل الإعلام العربية أن زيارة وفد حماس للقاهرة تأتي في إطار صفقة بين حركة حماس من جهة ودول عربية أخرى، تلتزم الحركة بموجبها بالانفصال عن قيادة جماعة الإخوان المسلمين ولا تقدم على شجب قرار جامعة الدول العربية بشأن اعتبار حزب الله تنظيماً إرهابياً، كما فعلت معظم الفصائل الفلسطينية، إلى جانب قطع علاقاتها مع إيران. لكن هذه المزاعم غير منطقية، فإلى جانب الإشارة إلى حقيقة أن اللقاءات بين حماس والقاهرة لم تنقطع أصلاً، فأنه يمكن نسف هذه المزاعم من خلال الإشارة للتالي:

أولاً: لا يمكن لحركة حماس أن تعترض على أي قرار عربي يعد حزب الله تنظيماً إرهابياً وذلك ليس لأن الجامعة العربية أصدرت هذا القرار، بل لأن قيادة حركة حماس تدرك مدى الغضب الذي يعتمل في أوساط جماهيرها إزاء حزب الله بسبب جرائمه في سوريا، إلى جانب إدراك حماس أنه ليس بوسعها الخروج عن إجماع جماهير الأمة، بغض النظر عن المسوغات التي قد تدفع لذلك.

ثانياً: لقد أكدت حركة حماس منذ إطلاقها في ديسمبر 1987م أنه على الرغم من أنها تتبع من ناحية فكرية جماعة الإخوان المسلمين إلا أنها مستقلة عنها تنظيمياً ومؤسساتياً، وبالتالي لا يمكن أن تشكل الاستجابة للطلب العربي (إن تم تقديمه أصلاً) مشكلة لحركة حماس.

ثالثاً: إن أحداً من أولئك الذين تحدثوا عن الصفقة لم يشر إلى ما يمكن أن تحصل عليه الحركة مقابل ما تقدمه، فعلى العكس، يتواصل الحصار على قطاع غزة، ولا يوجد ما يدلل على أن الجانب المصري سيحدث أية انفراجة في هذا الحصار.

العامل الصهيوني في العلاقة بين القاهرة وحماس

لا يمكن مقاربة العلاقة بين حماس والنظام المصري بدون الأخذ بعين الاعتبار دور الكيان الصهيوني في هذه العلاقة؛ فممثلو نظام السيسي لا ينفون التأكيدات الصهيونية المتواترة التي تشدد على عمق الشراكة بين القاهرة وتل أبيب في الحرب على حركة حماس، ولا يتردد المسؤولون الصهاينة، كما فعل الوزير شطاينتس، في التنويه إلى أن إجراءات مصر العدائية ضد حماس تأتي بناء على طلب الكيان الصهيوني ولخدمة مصالحه وليس لأن الحركة تشكل تهديداً للأمن القومي المصري.

إن هناك علاقة مجاملة باتت واضحة تحكم العلاقة بين تل أبيب ونظام السيسي لم يعد الطرفان ينكرونها، وتقوم هذه العلاقة على التزام الصهاينة بمساعدة النظام على الحصول على شرعية دولية من خلال الضغط على الولايات المتحدة وحكومات أوربا عبر الاستعانة بخدمات المنظمات اليهودية، مقابل عوائد إستراتيجية يقدمها النظام للصهاينة، وضمنها مساعدتهم في الحرب على المقاومة الفلسطينية والمشاركة في تحالف يضم الكيان الصهيوني وقبرص واليونان ويعمل ضد تركيا وجملة أخرى من الخدمات؛ فنظراً لأن النظام في القاهرة يعاني من أزمة شرعية داخلية كبيرة وواضحة يتعاظم دور الشرعية الدولية التي يراهن على دور تل أبيب في تأمينها. من هنا، فإنه حتى لو كانت المقاومة الفلسطينية ضد الصهاينة تقاد من تنظيم علماني فإن السيسي سيحاربه لأنه معني في النهاية بتأدية دور يسمح لتل أبيب بمواصلة دعمه دولياً.

لكن هناك في تل أبيب من بات يحذر من أن الحرب التي يشنها نظام السيسي ضد حماس تلحق بشكل غير مباشر ضرراً إستراتيجياً بمصالح الكيان الصهيوني؛ فعلى سبيل المثال، يقول المعلق الصهيوني «يوسي ميلمان» إن مبالغة نظام السيسي في حربه على حماس وتشديده الحصار على غزة سيفضي إلى اندلاع مواجهة جديدة بين حماس وتل أبيب، وهذا ما لا يتماشى مع المصالح الصهيونية. وحتى وزراء ينتمون لليمين الصهيوني باتوا يطالبون بتخفيف مظاهر الحصار عن قطاع غزة، وضمن أولئك الوزير الليكودي حاييم كاتس والوزير المتطرف أوري أرئيل والوزير يوآف جلانت، حيث إن هؤلاء يلمحون بشكل واضح إلى أن سلوك نظام السيسي يمكن أن يفضي إلى اندلاع حرب جديدة لن تحقق أية مصلحة إستراتيجية للكيان الصهيوني. من هنا، فليس من المستبعد أن يكون الجانب الصهيوني قد طلب من القاهرة تغيير نمط علاقتها وسلوكها تجاه قطاع غزة، لاسيما في مجال الحصار من أجل تقليص فرص اندلاع مواجهة مع حماس في المستقبل، ومن أجل زيادة فرص تحسين العلاقات مع أنقرة.

من هنا، فإن هناك احتمالاً كبيراً أن يكون أي تخفيف في الحصار المصري المفروض على قطاع غزة نتاج تدخل الصهاينة، الذين يجاهر زعماؤهم بأن نظام السيسي قد بالغ كثيراً في حربه على غزة لدرجة أفضت إلى الإضرار بمصالحهم.

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.