ها هي ثورة أهل السنة في الشام تنهي عامها الخامس.. خمس سنوات هي عمر ثورة من أعنف الثورات في التاريخ، إذ هي ليست مجرد ثورة شعب على نظام، بل هي ثورة شعب ضد عالم من الطغيان، وضد نظام دولي وأممي جاثم على صدر أمة الإسلام وقائم على قهرها ونهب ثرواتها!

بعد هذه الخمس الحمراء يجدر بشعوب الأمة الأسيرة أن تقف وقفة تقييم واستشراف وترقب لما ستؤول إليه تلك الثورة، ترقبٌ كترقب الأسرى لصاحبهم الأسير الذي كسر قيده وانتزع سلاح السجان ليقاومه به عسى أن ينتصر عليه ويحرر إخوانه الأسرى أو عسى أن يتحرر هو وينعتق فيقتبسوا منه التجربة ويكرروها! 

إن شعوب الأمة منذ أن سقطت الخلافة العثمانية وهي واقعة تحت الاحتلال والأسر وهيمنة الغرب والشرق على مقدراتها وثرواتها وقرارها وسيادتها، ومنذ ذلك الحين وهي تحاول التحرر والاستقلال وتخوض التجربة الفاشلة واحدة تلو الأخرى دون يأسٍ أو قنوط، فبدءاً بحروب الاستقلال عن الاحتلال العسكري الغربي المباشر، مروراً بانقلابات العسكر وانتهاءً بثورات الربيع العربي.. عاشت الأمة تجارب تحررية مؤلمة دامية تتكرر فيها الدروس والعبر دون أن يتحقق فيها النصر المرجو، ما عدا حالة وحيدة مؤقتة هي حالة دولة طالبان! وبرغم استثنائية تلك الحالة فقد عجز الأفغان والأمة من ورائهم عن أن يحافظوا على بقاء ذلك النجاح واستمراره في ظل المكر والتآمر والعدوان الدولي الظالم المبسوط على بلدان أمتنا الجريحة. 

بعد هذه الخمس نقف لنتساءل بترقبٍ وتشوفٍ: هل يا ترى سينتصر أهل الشام؟! هل سيحققون الحلم؟! هل سيفعلونها.. هل سيتحررون؟! هل سيبنون دولة الإسلام العادلة المستقلة القوية ذات السيادة الكاملة غير الخاضعة للاحتلال المباشر وغير المباشر؟! هل سيرسمون للشعوب الأسيرة طريق الاستقلال والحرية ورفعة راية الشريعة؟! 

الجواب نعم بإذن الله برغم أنوف الظالمين والطغاة والخونة، وبرغم الكيد الكبار ومكر الفجار وتكالب الأمم الظالمة؛ ثقةً بوعد الله وتفاؤلاً بنصره ثم بالنظر إلى صبر أهل الشام ووعيهم وقوة بأسهم وثباتهم الذي أبدوه طيلة خمس سنوات من الحروب الطاحنة، وصبرهم في مواجهة أصناف الإبادة والجرائم التي لو صبت على أمة كاملة لكسرت عزيمتها وهدت بأسها وأرغمتها على الخضوع والانهزام!

ولذا، نرجو أن يمن الله على أهل الشام بالنصر القريب العاجل الكامل، والذي يحتاج تحقيقه من أهل الشام انتباهاً لبعض الأمور المهمة، أجزم أنها ليست غائبةً عن وعيهم ولكننا نذكرهم بها شداً لأزرهم وأزراً لعزيمتهم، وأهم تلك الأمور:

أولاً : وضوح أهداف الثورة: يجب على ثوار الشام إذا ما أرادوا النصر لهم ولأمتهم أن يتذكروا جيداً الأهداف التي ثاروا من أجلها وأن تكون واضحة لديهم كل الوضوح فهذه الأهداف هي أركان نصرهم المنتظر، فتحققها يعني اكتمال النصر لهم ونقص تحققها نقصٌ لذلك النصر، وهذه الأهداف هي:

إزالة دولة الطغيان والإجرام والقضاء على نظامها بالكامل: فأهل الشام لم يثوروا ويبذلوا الأرواح والدماء والتكاليف الباهظة جداً من أجل إزاحة الطاغية المجرم بشار فقط، فثورات إخوانهم أثبتت أن حية الإجرام لا تموت بضرب رأسها بل لا بد من القضاء على كل عروقها بل وخلاياها! فالثورة الناجحة هي التي تجتث كامل النظام والدولة العميقة وتزيلها من الوجود، ثم تبني نظاماً سياسياً واقتصادياً وإدارياً جديداً حتى وإن كان بدائياً بسيطاً مكان القديم حتى وإن كان متقدماً ومتطوراً، وإن أي دعوة للحفاظ على مؤسسات الدولة المجرمة لهي دعوة خائنة لا يضمر الداعي إليها لثورة أهل الشام خيراً، فبقاء تلك المؤسسات يعني بقاء روح النظام المجرم وأعرافه وتقاليده الإجرامية في الحكم، واحتمالية عودته وتسربه من خلال ما تبقى من تلك المؤسسات، وبقاء روح الطائفة الملعونة وأنفاسها الخبيثة تزكم الأنوف في قابل الزمان، وتخريب مستقبل دولة أهل الشام القادمة. فانتبهوا يا أهل الشام

إقامة دولة الإسلام العادلة الحاكمة بشرع الله المعبرة عن هوية وعقيدة أكثرية أهل الشام المطلقة وهم أهل السنة والجماعة، بعيداً عن هرطقات الديمقراطية الكاذبة، مع حفظ حقوق الطوائف والأقليات وضمان العيش الكريم الذي كفلته لهم عدالة الإسلام ورحمته. والحذر الحذر من دعوات الديمقراطية الخادعة فأهل الشام لم يثوروا ليبنوا بلداً ممسوخ الهوية معطل التنمية مخترق الدولة، كبعض النماذج الديمقراطية العربية المجاورة والتي لا يسر ماضيها وحاضرها إلا كل عدوٍ للإسلام والمسلمين!

الاستقلال والسيادة: لم يثر أهل الشام ليغيروا نظاماً عميلاً للروس والفرس ويبنوا محله نظاماً آخر عميلاً للغرب واليهود وعباد الصليب! فما ضاع من مصالح أهل الشام لصالح الشرق لا ينبغي أن يُتبع بإضاعة ما تبقى لصالح الغرب، وإذا رضي أهل الشام بإقامة دولة وظيفية تابعة للغرب فأحسن الله عزاء الأمة في ثورة أهل الشام

4. الإصرار على وحدة الأراضي السورية وعدم التخلي عن شبر واحدٍ من أراضيها فإن الرضا بمشروع التقسيم سيتمخض عن دويلةٍ ضعيفة صغيرة لأهل السنة يحكمها العلمانيون والعملاء تمهيداً لإلحاقها بالمشروع الصهيو صفوي صليبي في المنطقة.

ثانياً: الإصرار على تحقيق أهداف الثورة مهما كلفت من ثمن: إذ قد يرى البعض أن الطريق ما زال طويلاً جداً أمام تحقق هذه الأهداف، وأن المجازر التي ترتكب كل لحظة في القرى والمدن السورية قد تستأصل شأفة أهل الشام قبل أن تتحقق هذه الأهداف، ولذا نقول إنما النصر صبر ساعة وحتى لو سبق الأجل تحقق هذه الأهداف فالموت في سبيل الله ثم في سبيل تحقق هذه الأهداف أشرف وأهنأ من البقاء في ظل الهزيمة والانكسار والخضوع لقوى الإجرام الدولي العالمية والإقليمية.

ثالثاً: الاعتماد على الله وحده ثم على الذات في تحقيق هذه الأهداف: وعدم طلب العون من غير الله سبحانه، ولهذا فإن جاء دعم غير مشروط وغير مسيس ويحترم أهداف ثورة أهل الشام ويعيها ولا يعارضها فحيهلا به - وأنى يوجد مثل هذا الدعم؟! - أما إن جاء ذلك الدعم مشبوهاً مشوباً باشتراطات سياسية وأثمانٍ باهظة فإن تلك الاشتراطات غير ملزمة لأهل الشام ولا تعنيهم في شيء، فإن قدروا على انتزاع ذلك الدعم دون الالتزام بتبعاته المرة والخطيرة وإلا فإن الاستغناء عنه أخْيَر وأنصر وأعون لأهل الشام على تحقيق أهداف ثورتهم

رابعاً: التوحد ونبذ الفرقة والشتات: وما لم يتوحد ثوار الشام بشكلٍ عاجلٍ تحت راية إسلامية واضحة واحدة فإننا نخشى على ثورتهم من السرقة والهزيمة لا قدر الله[1]!

خامساً: الحذر ثم الحذر ثم الحذر من الأصدقاء قبل الأعداء: إن أصدقاء الثورة الحقيقيين هم الذين يعون أهدافها ويعملون لمساعدة أهل الشام على تحقيقها، وهؤلاء لا أعنيهم في المطالبة باتخاذ الحذر والحيطة وإنما أعني أولئك الأصدقاء المزيفين الذين يدعون الصداقة بالأقوال ثم يرتكبون الخيانة بالأفعال، هؤلاء على مر التاريخ القريب هم سبب نكبة كل ثورات شعوب الأمة، وهم حجر العثرة الكبير أمام نهضتها وتحررها، هؤلاء عادةً ما يؤدي الوثوق بهم إلى سرقة ثمار جهاد شعوب الأمة وثوراتها وتضحياتها. 

سادساً: مكافحة الاختراق: أهل الشام لديهم من الوعي والتجربة ما يجعلهم في غنى عن التذكير بهذا الأمر إلا أن الأيام لا تزال تكشف لهم ولنا الكثير من الفخاخ والمؤامرات والمكائد التي لا تنجح إلا على أيدي العناصر المدسوسة في صفوف الثورة وخصوصاً تلك العناصر التي صنعها أصدقاء الزيف قبل الأعداء

سابعاً: إنما الثورات بالخواتيم: ولذا فإن أوجب مراحل الحذر  مرحلة الحسم والتفاوض، وإن الثوار ليبلغ بهم الإنهاك والاستنزاف في هذه المرحلة مبلغه، ولذا تزيد احتمالية الفشل وخسارة الثورة في هذه المرحلة بسبب ارتكاب بعض الأخطاء المتكررة الفادحة والتي من أبرزها:

أ- إسناد الأمر لغير أهله وإناطة مهام التفاوض وقيادة الثورة بغير الكفء، ولذا ينبغي أن لا يرضى أهل الشام بأن يتحدث أحدٌ باسمهم أو يفاوض على مستقبلهم إلا ممن له تاريخ مشرفٌ من الجهاد والتضحية على الأرض، أما غيرهم فلا يستحقون شرف التحدث باسم الشعب السوري مهما كان ضجيجهم ودرجة بريق تلميعهم!

ب- الركون في مرحلة المفاوضات وقطاف الثمار إلى مزيفي الصداقة، إذ عند هذا الركون تحدث الخيانات العظمى والمنعطفات التاريخية الحادة والمنحدرة بالأمة إلى أوحال التبعية والهزيمة!

ثامناً وأخيراً : الحذر من التدخلات الخارجية: وإن قُبل التدخل فيجب أن يكون في إطار تحقيق أهداف الثورة، أما إن كانت تلك التدخلات لقطع الطريق على الثورة ولتفريغها من مضمونها ولحرف مسارها فلا فرق بين تلك التدخلات وبين تدخلات وغزو أعداء الثورة الصرحاء!

إنني على يقين بإذن الله أن ثوار الشام على إدراك تام لهذه الأمور، وإن وقع منهم ما يظهر على أنه خلاف لها فإنما هو على سبيل التكتيك والمخاتلة والسياسة، كما أنه قد ظهر لنا وللناس أجمعين أن لدى أهل الشام من الإصرار والعزيمة والصبر ما يكفي لإكمال طريقهم نحو النصر والرفعة والاستقلال بإذن المولى جل شأنه، ولذا فلتبشر الأمة معهم بالنصر القريب العاجل وبتحول كبير في مسار الأمة جمعاء صوب مراقي العزة والتمكين والاستقلال.

 

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.


[1] أنبه هنا إلى نقطة فرعية ألا وهي أن بقاء التنظيمات المناصرة لأهل الشام والقادمة من خارجه تمثل خطراً على الثورة، والواجب من تلك التنظيمات إن كانت تريد خيراً للشام وأهله أن تحل نفسها وأن تندمج مع أهل الشام وفصائلهم لا أن تناكفهم وتزاحمهم وتربكهم! طبعاً داعش غير مقصودة هنا لأننا نعدها من ألد أعداء الثورة وأخطر المكائد عليها ولكن المقصود تنظيماتٍ أخرى غيرها ستكشف الأيام مدى تغليبها مصلحة الإسلام على مصلحة التنظيم ومصلحة أهل الشام على مصلحة قيادات وأفراد التنظيم!