إن الكلمة وعاء المعنى ورسوله إلى القلوب والعقول، وقد أولاها الإسلام عناية فائقة، فجعلها الوسيلة إلى هداية الناس، وتربية الأمة، وتوعية المجتمع، ولا أدل على ذلك من تشريع خطبة الجمعة كل أسبوع بصيغة ثابتة تعبداً لله، ولا يخلو هذا التعبد من شهود منافع للناس وتحقيق مصالح للخلق، فتستقبل أفواج التائبين، وتوقظ همم الغافلين، ويرسخ اليقين في قلوب المقبلين، فهي المنبر الصامد الذي يفيء إليه الناس من مستنقعات الفساد وبؤر الضياع والانحراف، لذا وجب نقلاً وعقلاً، شرعاً وواقعاً، إيلاء هذه الخطبة أهميتها، والعناية بإعدادها، وتسطير أهدافها، وتقويم أدائها، وتأهيل متصدريها بما يحقق غاياتها ويرنو إلى بلوغ مقاصدها. وإن مما ينبغي أن يحذره خطيب الجمعة اتخاذ الخطبة تقليداً فتلقى على الناس بأسلوب لا يحرك فؤاداً، بل قل: لا يوقظ الوسنان ولا يسمع اليقظان، إنما هي وريقات تتلى وصفحات تقرأ، لا تلمس في قارئها طاقة قوية، ولا لمسات مؤثرة، ولا حركات معبرة، فلا تجد الكلمات إلى القلوب مسلكاً، ولا إلى العقول مسرباً، وإنها والله لضربة قاضية لسنة ماضية.

إن الخطبة فن يحتاج إلى تعلم وتفقه فتزدان جمالاً وكمالاً بقدر حسن الأسلوب وجودته، وإنه لمن أخطر القضايا اليوم قضية تدجين الخطاب، وتوهين شأن الخطبة من ذويها وأهليها، وإماتة موضوعاتها حتى تصير تذكرة بمناسبات متتالية، بياناً لفضلها، وتحفيزاً على أدائها، وثناء على أهلها، مع ما في ذلك من الفضل والخير الذي لا يجوز أن ينكر ولا أن يستصغر، ولكنه بعيد عن الغايات العظمى والمقاصد الكبرى التي ينبغي أن يسعى الخطيب إلى تحقيقها وإدراكها.

 لقد باتت خطب كثير منا لا تلامس سطح المشكلات التي يتخبط الناس فيها بله أن تسبر أغوارها، وتنفذ إلى أعماقها، وتجتهد في إبصار أسبابها، وبيان علاجها، وقد رسخت هذه النماذج من الخطب مبدأ الوظيفية يوم الجمعة، فصار كثير من المصلين يحضر موقعاً وينصرف مودعاً، فراق ما بينه وبين خطبة الخطيب عتبة باب المسجد، لا تراوح الكلمات مكانها، ولا تجاوز فضاءها، ويبقى الرواد هم الرواد، والعمار هم العمار، لا حماسة تلهب، ولا طاقة تستنفر، ولا همم تستنهض، ولا عقول تستفز، ومع ذلك تلقى عليهم التبعة ويوصمون بالكسالى الخاملين والمقصرين الغافلين.

 إن في تقديري أن الاجتهاد الذي فتح بابه الشرع الحنيف يشمل باب الخطبة، لا بالشكل الأصولي في استنباط الأحكام - فذاك له أهله وشروطه - ولكن بتجديد وتطوير الخطاب خاصة في هذا العصر الذي تطورت فيه وسائل وأساليب الدعاية والإعلان، وغدت صناعة كبرى، ولم يعد أمامنا من خيار سوى قبول التحدي ومنازلة الخصوم في ساحة المنافسة والسباق، ولن يكون ذلك إلا بأهلية كاملة وكفاءة تامة ترتقي إلى سمو مقاصد الخطبة بحيث تكفل لنا انتصاراً حقيقياً على المبادئ الهدامة والمقولات المنحرفة.

إن أسلوب الإلقاء إذا لم ينبع من القلب والفكر والعاطفة والشعور، ويظهر على الجوارح بالأقوال والأفعال والأحوال، ويخاطب العقل والوجدان، فلن تعدو الخطبة كلمات لملء الساحة وإتمام الفراغ، إنها لأزمة حقاً أن يحرم ملايين المصلين الذين يرتادون المساجد باحثين عن المعنى المحرك، والكلمة المؤثرة، والتحليل الذكي، والتوجيه السوي، فلا يجدون إلا خطبة باردة يتسرب من بين جنباتها النعاس إلى كثيرين، ويدب الملل والضجر في نفوس آخرين، لأن الكلمات لا تمس أعماق الناس الوجدانية والفكرية، ولا تلامس مشكلاتهم الاجتماعية والسياسية.

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.