العمل الخيري أحد مظاهر رعاية التشريع الإسلامي للمجتمع؛ فالقيام به يربي المجتمع على حب الخير للجميع، والارتفاع عن النظرة المادية المغرقة، وتقديم الدعم لكل من يستدعي حاله الحاجة للدعم والاهتمام، وهو كذلك يحفظ تماسك المجتمع، ويحقق الأخوة، مما يضمن له السلم الاجتماعي، ولذا جاءت النصوص الشرعية حاثة عليه، آمرة به؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْـخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: ٧٧]، وهي آية جامعة للعمل الخيري مع فرائض الدين اللازمة في سياق واحد.

وفيما يلي عدة مسائل جرى بحثها، وبيان الحكم الفقهي فيها، والجامع لها أنها متعلقة بالعمل الخيري:

أولاً: التطوع في المنظمات الخيرية غير المسلمة:

توجد منظمات خيرية غير مسلمة تعمل في البلاد الإسلامية، أو البلاد ذات الأقلية المسلمة، منها ما يهدف لنشر ديانة معينة قصداً أو تبعاً، ومنها ما لا يكون ذلك من أهدافها، ولا شك أن كثيراً من العمل الخيري في أنحاء العالم هو من إنجاز هذه المنظمات، لكونها تتمتع بدعم عالمي هائل، ولا يمثل التعاون معها موضع تحسس أمني ولا سياسي في كثير من دول العالم، فهل للمسلم أن يعمل تحت مظلتها لتحقيق مقصده من العمل الخيري بنيل الثواب على ذلك؟

ولبيان هذا المسألة يمكن أن نقسم الأمر فنقول:

لا يخلو العمل الذي يتطوع به المسلم في المنظمات غير الإسلامية من أن يكون في نفسه مباحاً يجوز له فعله، أو محرماً لا يجوز له فعله كالتنصير، وبناء الكنائس، وحمل المحرمات مثلاً، والعمل المحرم ليس للمسلم عمله سواء، كان ذلك تطوعاً أو بأجرة لدى جهة مسلمة أو كافرة وهذا ظاهر.

وأما العمل غير المحرم، فإن كان فيه إعانة على الفساد والشر، أو كان امتناع المسلم عن العمل لدى الجهة يمنع الفساد أو يقلل منه، فإن المسلم ممنوع من العمل لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ} [المائدة: ٢]، وهذا كله سواء كانت المنظمة مسلمة أو غير مسلمة.

وأما الأعمال غير ما سبق فإنها لا تخلو أن تكون مع منظمة تمثل دولة محاربة للإسلام فهذه لا يجوز العمل معها تطوعاً لأنه نوع من الود الممنوع صرفه لهم.

وإن كانت منظمة دولية أو تابعة لدولة معاهدة للمسلمين فلا حرج في عمل المسلم لديهم تطوعاً كما قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: ٨]، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينا رجل بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له»، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال: «في كل ذات كبد رطبة أجر»[1]، ومما يشهد لذلك ما قرره كثير من أهل العلم من جواز تعزية الكافر وعيادته وإهدائه وقبول هديته.

قال في المغني[2]: «وتوقف أحمد عن تعزية أهل الذمة، وهي تخرّج على عيادتهم، وفيها روايتان: إحداهما: لا نعودهم، فكذلك لا نعزيهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبدؤوهم بالسلام) وهذا في معناه. والثانية: نعودهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتى غلاماً من اليهود كان مرض يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه، فقال له: أطع أبا القاسم. فأسلم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار. رواه البخاري، فعلى هذا نعزيهم».

وقال في الفروع[3]: «ظاهر كلامهم تقبل هدية المسلم والكافر، وذكروه في الغنيمة، ونقل ابن منصور في المشرك: أليس يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم رد الصدقة وقبل الهدية. وقال ابن الجوزي: فيها ثلاثة أقوال:

أحدها: أن أخبار القبول أثبت.

والثاني: أنها ناسخة.

والثالث: قبل من أهل الكتاب، وقبوله من أهل الشرك ضعيف أو منسوخ».

 وكذلك فإن جمهور أهل العلم يجيزون للمسلم أن يعمل لدى غير المسلم بأجرة إذا كان عمله مباحاً ولم يكن فيه إذلال له؛ وقد عمل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند يهودي، إذ قال رضي الله عنه: خرجت وأنا شديد الجوع ألتمس شيئاً، فمررت بيهودي في مال له، وهو يسقي ببكرة له، فاطلعت عليه من ثلمة في الحائط، فقال: هل لك في كل دلو بتمرة؟ قلت: نعم، فأعطاني دلوه، فكلما نزعت دلواً أعطاني تمرة، حتى إذا امتلأت كفي أرسلت دلوه، وقلت: حسبي[4]. فعمل المسلم متطوّعاً أولى بالإباحة؛ لأنه ليس فيه إذلال له بل فيه معروف يسديه، وهو غير منهي عنه.

وما ذكر سابقاً من أنواع التطوع الممنوعة يراعى فيها القاعدة التي قررها أهل العلم وهي أن ما كان منهياً عنه للذريعة فإنه يفعل للمصلحة الراجحة[5].

 إذن العمل مع بعض المنظمات محرم؛ لأنه وسيلة لتقويتهم على المسلمين، لكن إذا كان دفع هذا العمل يدفع شراً أكبر فإنه يكون جائزاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنهى عنه، كما نهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات. ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوّغها كثير منهم في هذه الأوقات وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها فتفوت مصلحتها؛ فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة وفيه مفسدة توجب النهي عنه»[6].

ثانياً: تطوع غير المسلم:

جمهور العلماء يشترطون الإسلام في من يجمع الزكاة أو يفرقها، خلافاً لرواية عن الإمام أحمد[7]، وهذا من أعمال المنظمات الخيرية، أما بقية الأعمال فالظاهر أنه إذا لم يوجد مسلم مناسب لأداء العمل في المنظمة الخيرية، وكان الكافر المتمكن منه مأمون الجانب في أنه لن يضر المسلمين أو ينفذ أغراضاً في غير صالح المسلمين، أو يستذلهم بذلك، فلا حرج في عمله مع المنظمة المسلمة؛ فإنه لا خلاف بين الفقهاء في جواز استئجار المسلم للكافر[8]، فعمله بلا أجرة أولى. وقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم بالمشركين، وكان هاديه في هجرته كافراً، قالت عائشة رضي الله عنها في حديث الهجرة: واستأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الدِّيل هاديا خرِّيتاً وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليالٍ ثلاثٍ فارتحلا[9].

ثالثاً: الظهور في وسائل الإعلام:

الأعمال التطوعية أعمال خيرية يتقرب بها إلى الله تعالى فلا بد فيها من نية حتى يؤجر عليها الإنسان، فلو نوى غير وجه الله تعالى فلا أجر له عند الله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»[10].

والعمل الصالح الذي لا يراد به وجه الله يأثم به الإنسان ويعاقب عليه، ولا يصاحبه التوفيق، ولا تقارنه المباركة، ولا يكون عملاً نافعاً مقرباً لله عز وجل، قال تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]. قال الطاهر بن عاشور: «قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} وعد بالثواب على فعل المذكورات إذا كان لابتغاء مرضاة الله، فدل على أن كونها خيراً وصف ثابت لها لما فيها من المنافع، ولأنها مأمور بها في الشرع، إلا أن الثواب لا يحصل إلا عن فعلها ابتغاء مرضاة الله»[11].

وإذا أريد بالمشاركة الإعلامية الترويج للعمل الخيري، أو بيان أنشطة المنظمة، أو التشجيع على التعاون معها ودعمها، صارت وسيلة لتحقيق مقصود الجهة الخيرية ومعلوم أن للوسائل أحكام المقاصد، بشرط ألا تفسد الوسيلة بأن يقصد بها مراداتٍ أخرى كالوجاهة مثلاً وغيره مما لا يسوغ قصده. ومع ذلك فلابد من التنبه للتحرز من حظوظ النفس وشهواتها ومقاصدها الخفية.

رابعاً: اشتراط العامل الأجر:

إذا كان المتطوع يقدم عملاً تجوز الإجارة عليه فلا مانع من أخذه لأجرة، سواء كان ذلك لكل عمله أو لبعضه أو لأداء مستوى معين من الإنجاز فيه، ولا يكون ذلك معارضاً لتطوعه، فقد اتفق الفقهاء على جواز الإجارة على بناء المساجد وتنظيفها وهي أعمال خيرية يؤجر عليها الإنسان ونفعها متعدٍّ.

والقاعدة أن كل عمل لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة يجوز أخذ الأجرة عليه، وقد قدمنا جواز أن يعمل غير المسلم فيه. قال في المغني[12]: «وما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، كتعليم الخط والحساب والشعر المباح، وأشباهه، وبناء المساجد والقناطر، جاز أخذ الأجر عليه؛ لأنه يقع تارة قربة، وتارة غير قربة، فلم يمنع من الاستئجار لفعله، كغرس الأشجار، وبناء البيوت. وكذلك في تعليم الفقه والحديث. وأما ما لا يتعدى نفعه فاعله من العبادات المحضة، كالصيام، وصلاة الإنسان لنفسه، وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه، فلا يجوز أخذ الأجر عليها، بغير خلاف؛ لأن الأجر عوض الانتفاع، ولم يحصل لغيره ها هنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها». أما ما يختص بالمسلمين كالأذان والإمامة فإنه لا تسوغ المشارطة فيه على الصحيح من أقوال أهل العلم إلا للحاجة بأن لا يوجد محتسب.

وقد يشهد لهذا أخذ العاملين عليها من الزكاة، وأخذُ أبي بكر الصديق مقابل تفرغه للمسلمين، مع أنه أخذ من بيت المال وهذا لا خلاف في جوازه.

وقد ذكر ابن قدامة في المغني الخلاف في الأجرة على أعمال القرب، فقال: «عن أحمد رواية أخرى يجوز ذلك. ونقل أبو طالب، عن أحمد أنه قال: التعليم أحب إلي من أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن يستدين ويتجر، لعله لا يقدر على الوفاء، فيلقى الله تعالى بأمانات الناس، التعليم أحب إلي. وهذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة لا للتحريم».

 وممن أجاز ذلك مالك والشافعي، ورخص في أجور المعلمين أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج رجلاً بما معه من القرآن (متفق عليه). وإذا جاز تعليم القرآن عوضاً في باب النكاح، وقام مقام المهر، جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله».. وثبت أن أبا سعيد رقى رجلاً بفاتحة الكتاب على جعل فبرأ، وأخذ أصحابه الجعل، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، وسألوه، فقال: لعمري لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق، كلوا واضربوا لي معكم بسهم. ولذا جاز أخذ الأجر؛ لأنه في معناه، ولأنه يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال، فجاز أخذ الأجر عليه، كبناء المساجد والقناطر، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك»[13].

وكذلك فإن المتطوع يلتزم بأداء عمل في زمان ومكان مخصوصين وهو غير مأمور بذلك العمل المعين شرعاً، ولذا جازت الإجارة عليها.

أما لو كان المتطوع يعمل ما لا تصح الإجارة عليه كالإجارة على بذل الجاه والشفاعة، فهي وإن كانت محل خلاف في صحتها، إلا أن الأولى عدم الإجارة عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من شفع شفاعة فأهدي له هدية فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من الربا»[14]. والقاعدة أن ما حرم أخذه حرم إعطاؤه.

وقد كان أهل الجاه من السلف الصالح يسعون في حاجات الناس ويشفعون لهم دون مقابل، جاء عن أبي مسعود عقبة بن عمروأنه أتى إلى أهله فإذا هدية، فقال: ما هذا؟ فقالوا: الذي شفعت له، فقال: أخرجوها، لا أتعجل أجر شفاعتي في الدنيا. كما أنه يفتح باب سوء عليها، فلو علم من استجاب للشافع أن تبرعه مثلاً قد صار جزء منه للشافع الذي بذل ماله اقتناعاً بنصحه ورأيه لأحدث ذلك له سوء ظن بالجهة الخيرية. ومنح العامل بعض المزايا هو نوع من الأجرة التي ذكرناها سابقاً، ولا شك أن ذلك يفوّت عليه بعض الأجر ولا يكون كالمحتسب إذا اشترطه أو قصده، فثواب من لم يأخذ أجرة أكمل وأعظم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم»[15].

قال النووي: «أما معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره: أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله: (منا من مات ولم يأكل من أجره شيئاً ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها) أي: يجتنيها فهذا الذي ذكرنا هو الصواب وهو ظاهر الحديث ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا فتعين حمله على ما ذكرنا»[16].

خامساً: هل يجوز الاستغناء عن خدمات المتطوع؟

المتطوع كالأجير للجهة التي يعمل لديها، فلها أن تستغني عنه إن رأت ذلك، ولها أن تبقيه، وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم بعض من رغب التطوع في أعمال كالجهاد في حمراء الأسد قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما واصفاً ما وقع بعد غزوة أحد: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً أن ينادي: إن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس. فقلت: يا رسول الله إن منادياً نادى ألا يخرج معنا إلا من حضر القتال بالأمس، وقد كنت حريصاً على الحضور ولكن أبي خلفني على أخوات لي وقال يا بني لا ينبغي لي ولك أن ندعهن ولا رجل عندهن وأخاف عليهن وهن نسيات ضعاف وأنا خارج مع رسول الله لعل الله يرزقني الشهادة. فتخلفت عليهن فاستأثره الله علي بالشهادة وكنت رجوتها، فأذن لي يا رسول الله أن أسير معك. فأذن له رسول الله. قال جابر فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري، واستأذنه رجال لم يحضروا القتال فأبى ذلك عليهم[17]

 إلا أن تصرفات المنظمات الخيرية تحكمها قاعدة: التصرف عن الغير منوط بالمصلحة[18]. ومعنى القاعدة: أن كل متصرف في شيء عن غيره فهو مطالب بتحري المصلحة، وصيانة الحقوق، ولا يكون تصرفه تشهياً محضاً غير مبني على مقتضى الأصلح في التدبير.

سادساً: تطوع الإنسان في ما لا يتقنه:

إذا أراد الإنسان أن يعمل في شيء لا يتقنه فإن أداءه سيكون ضعيفاً، ولن يحقق الغاية منه، والأصل أن يقوم بكل عمل من هو بارع فيه، كما أن الأصل أن يمتنع الإنسان عن القيام بما لا يحسنه. وفي قصة رؤيا عبدالله بن زيد للأذان، قال له رسول الله عليه الصلاة والسلام: «فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت؛ فليؤذن به فإنه أندى صوتا منك»[19]. وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه»[20].

فإن لم يوجد غيره فلا حرج أن يقوم بعمل لا يتقنه إذا لم يترتب على ذلك ضرر أكبر شريطة أن يعلم ويدرب قدر الإمكان، فإنه لما ولي النبي صلى الله عليه وسلم علياً القضاء قال: ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء، قال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر[21]. وفي هذا شاهد لتكليف الإنسان بما لا يتقن مع تعليمه مبادئه وتدريبه عليه كما هو ظاهر. وهذا الحكم فرع عن قاعدة المشقة تجلب التيسير، وقاعدة: يقدم في الولاية في كل موطن من هو أقوم بمصالحها[22]. وأما أخطاؤه فإنه إذا كلف لعدم وجود غيره بعد مراعاة المصالح والمفاسد وأخطأ فلا إثم عليه، لأنه ما على المحسنين من سبيل، وضمانه على الجهة التي كلفته قياساً على خطأ الوالي والقاضي بجامع أنهم يتصرفون لمصلحة غيرهم بإذن المتولي لهذا الشأن. وأما لو خلف شيئاً من ذلك فيحتمل هو أو من أقامه ضمان خطئه.

سابعاً: استخدام الأعمال التطوعية في تخفيف العقوبات:

قد تكون حكماً قضائياً، كما قد تقع من المربي أو المدرس لطلابه، والأعمال التطوعية على قسمين:

الأول: عبادات محضة، مثل: الصيام، والصلاة، وقراءة القرآن. والثاني: عبادات غير متمحضة، مثل: تعليم القرآن، وتعليم العلم الشرعي، ومساعدة الفقراء، والعمل في الجهات الخيرية.

فالنوع الأول فيه احتمالان: الاحتمال الأول: المنع، لأن العبادة شرط قبولها النية، وإذا أكره وألزم بها فإنها لا تصح؛ لأنه لا نية له، كما أنه إذا ألزم بهذه العبادة فإنه قد يكرهها، وجعل العبادة التي هي صلة بين العبد وربه عقوبة فيه نوع من سوء الأدب.

وهناك احتمال آخر: أنها مباحة، فيجوز أن تكون العبادة عقوبة، قياساً على الكفارة، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام لما طلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم منه أن يواصلوا كما واصل، فواصل ثم رؤي هلال شوال فقال: «لو زاد لزدتكم؛ كالمنكل لهم»[23] يعني: أنه كان يريد أن ينكل بهم؛ لأنهم لم يمتثلوا التيسير والرخصة التي رخص لهم بها، فهذه عقوبة مع أنها عبادة، وهذا يدفعنا إلى القول: بإمكانية العقوبة بالعبادة. ولعل الأقرب: أن جعل العبادات المحضة عقوبة غير متجه، فهناك فرق بينها وبين الكفارات التي يفعلها الإنسان بمحض اختياره.

أما النوع الثاني من العبادات وهو العبادات غير المتمحضة؛ فلا يظهر مانع من جعلها عقوبة، والنبي عليه الصلاة والسلام في أسرى بدر جعل فداء من لم يتمكن من فداء نفسه أن يقوم بتعليم أولاد الأنصار الكتابة[24].

وأيضاً هذه الأعمال تصح بلا نية، ونفعها متعد، كما سبق في الإجارة. ويشهد له فعل سعد بن أبي وقاص لما امتنع من عقوبة أبي محجن بجهاده وحسن بلائه[25].

ثامناً: إلزام ولي الأمر بعض القادرين بالعمل الخيري:

الإلزام بالأعمال التطوعية لا حرج فيه إذا أخذ على عمله أجرة، أو حددت له ومكن من أخذها فاستعفف عنها؛ لأنه لم يفوت عليه شيء، ولا تستقيم مصالح الناس بدون ذلك إلا أنه خاضع لقاعدة: التصرف على الرعية منوط بالمصلحة، وتقدير ذلك عائد للإمام ومن شاكله ممن يتأتى منه الإلزام كبعض المتولين لمصالح المسلمين. والله تعالى أعلم وأحكم، وهو الموفق والملهم.

 

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.


[1] صحيح البخاري (2466)، صحيح مسلم (2244).

[2] (2 / 406).

[3] (7 / 406).

[4] أخرجه الترمذي (2473 و2476) وله طرق لا تخلو من ضعف.

[5] مجموع فتاوى ابن تيمية (22/298)، زاد المعاد لابن القيم (4/186).

[6] مجموع الفتاوى (1/164).

[7] بدائع الصنائع (2/49)، الشرح الصغير (1/659)، روضة الطالبين (2/322)، الشرح الكبير لابن أبي عمر (7/223).

[8] فتح الباري لابن حجر (6/29)، نيل الأوطار (3/722).

[9] صحيح البخاري (2263).

[10] صحيح البخاري 1، صحيح مسلم 1907، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[11] التحرير والتنوير (5 / 200).

[12] (5 / 413).

[13] المغني لابن قدامة (5 / 411).

[14] أخرجه أبو داود (٣٥٤١) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٤٦٥).

[15] رواه مسلم (1906).

[16] شرح صحيح مسلم ( 13/52).

[17] سبل الهدى والرشاد (4/309).

[18] الأشباه والنظائر لابن السبكي (1/310)، وللسيوطي ص121، وابن نجيم ص124، المنثور (1/309).

[19] مسند أحمد (43/4)، سنن أبي داود 499، وابن ماجه 706، الترمذي 189، والدارمي (1187).

[20] ابن ماجه 1474، الترمذي 995.

[21] سنن أبي داود 3582، مسند أحمد 1145.

[22] الفروق (3/102).

[23] رواه البخاري (6815)، ومسلم (1103) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[24] مسند أحمد (2216).

[25] قال ابن حجر في الإصابة (7/333): أخرج عبد الرزاق بسند صحيح  كان أبو محجن الثقفي لا يزال يجلد في الخمر فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه فلما كان يوم القادسية رآهم يقتتلون... فقال سعد: لا أجلدك في الخمر أبداً، فقال أبو محجن وأنا والله لا أشربها أبداً قد كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم فلم يشربها بعد.