الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

تعترض أمتنا هذه الأيام تحديات كبيرة على كافة الأصعدة، فما التحديات التي تعترضها؟ وما أسبابها؟ وكيف نواجهها ونتغلب عليها؟

إن تلكم التحديات بعضها من داخلنا وبعضها الآخر من أعدائنا، لكن التحدي الأكبر هو التحدي الداخلي، أما التحدي القادم من العدو فهو أقل شأناً برغم ضخامته؛ فعن رسولنا صلى الله عليه وسلم  أن الله تعالى قال له: «... وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضاً»[1]، فالفتن الداخلية إذن أشد فتكاً وأعم ضرراً؛ فهي تحملهم على أن يهلك بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً، وكون بعضهم يسبي بعضاً يدل بكل وضوح على عمق الأزمة التي تعيشها الأمة؛ فهذا النص يدل على داءين كبيرين يعضان في جسد الأمة: داء التكفير بالباطل، وداء استحلال الدماء المعصومة. وما ذلك إلا بأمرين: الغلو، وضعف الخشية أو غيابها. وهذا الأمر مرشح للازدياد فالغلو لا سقف له وهو يستقطب كل يوم في صفوفه طبقات جديدة حيث يأوي إليه كل ضال مضل ضيق العطن قليل الفهم والإدراك، وما يعترضنا من داخلنا هذه الأيام ثلاث فئات يجمعها اسم جامع، وهي:

الخوارج على الدين والشريعة: وهم المارقون الذين وردت فيهم أحاديث كثيرة بلغت عشرة أحاديث، قال ابن تيمية: «قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم  الأحاديث بقتال الخوارج وهي متواترة عند أهل العلم بالحديث، قال الإمام أحمد صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وقد رواها مسلم في صحيحه وروى البخاري منها ثلاثة أوجه»[2].

وهم الذين يكفرون المسلمين ويستحلون دماءهم، وهم أول من أظهر ذلك في المسلمين، بل هم أول الخارجين على الشريعة، وكانت بداية ظهورهم في أواخر الخلافة الراشدة زمن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

الشيعة الإمامية الإثنى عشرية: وهم الرافضة الطاعنون في الغر الميامين الذين شروا الحياة الدنيا بالآخرة الصحب الكرام خير الناس بعد رسول رب العالمين.

العلمانيون: ويدخل تحت عباءتهم الليبراليون والديمقراطيون الداعون لفصل ارتباط السياسة بالشريعة كما يدخل فيهم كل معادٍ للشريعة في هيمنتها على الحياة.

وهذه الفئات الثلاث قد تغلغلت أذنابها في الجسد الإسلامي وصار يخرج منها فئات متكاثرة من كل حدب وصوب في فترات زمنية متواصلة لا يوقف لها على ضابط أو يعلم لها أصل ترجع إليه سوى مفارقة الكتاب «فهم مختلفون في الكتاب؛ مخالفون للكتاب؛ متفقون على مخالفة الكتاب؛ يقولون على الله؛ وفي الله؛ وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم»[3].

ولا عاصم لنا من هذه الفئات المنتكسة إلا الحذر والتحذير منها وبيان أصولهم التي يرجعون إليها ويستقون منها فكرهم وآراءهم وبيان بعدها عن الفهم الصحيح لمدلولات الشريعة.

إن بيان حقيقة المذهب الخارجي والدليل على بعده عن الفهم الصحيح للإسلام أمر قد تكفل به علماؤنا السابقون منذ ظهور أول قرن لهم زمن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقرونهم المتتالية التي لا تنقطع كما جاء في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «ينشأ نشء يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع». قال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «كلما خرج قرن قطع أكثر من عشرين مرة، حتى يخرج في عراضهم الدجال». وهذا يعني استمرارهم حتى خروج الدجال، والمشكلة في عصرنا الحاضر تكمن في اشتباه أمرهم لا في تقرير حكمهم، فالخوارج اليوم لا يرون أنهم خوارج بل يدعون أنهم من أهل السنة والجماعة ويقررون عقيدتهم قولاً لكنهم يخالفونها تطبيقاً وعملاً، ونقلوا مناط التكفير إلى جهة أخرى وهي قضية الولاء والبراء التي تسهل فيها الدعوى بالباطل في مواجهة قليلي العلم.

أما الرافضة فإنهم يدّعون حب آل البيت ويغالون في إظهار المحبة إلى حدود تخرج بهم بعيداً عن حدود اتباع الشريعة فقد تبين لنا من نصوص الشرعية المتكاثرة والوقائع المتناثرة أن حب آل البيت وتقدير الصحابة الذين مدحهم الله في كتابه واختارهم لصحبة نبيه وأبلوا في سبيله بلاء حسناً فهاجروا وهجروا الأوطان والخلان يخرجان من مشكاة واحدة وأن دعوى حب آل البيت مع سب الصحابة وتخوينهم والزعم بردة أكثرهم دعوى كاذبة بل فاجرة تخرج صاحبها من الإسلام.

وأما زعم الانفصال بين الشريعة والسياسة الذي تتبناه العلمانية ويختفي في كلماتهم فإنه يظهر فيما استحدثوه من مصطلحات بديلة تؤدي الدور نفسه كالديمقراطية والليبرالية، فأقصى ما يقدرون على ادعائه رفضهم لمقولة العلمانيين الأقحاح لكنهم في حديثهم عن الديمقراطية والليبرالية لا يقدرون على التخلي جملة عن مفردات العلمانية، فتقوم هذه المفردات بوظيفة كشف حقيقة موقفهم وفضح خيانتهم وتدليسهم.

إن من أنبل المواقف التي يقفها اليوم أهل العلم الصادقين بيان هذه التحديات والكشف عن تلون أصحابها واستتارهم بالكلمات الخادعة: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: ٩]؛ فالتحديات متشعبة وتأتي من مصادر شتى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر: 14]، فعلى أهل العلم بذل الجهد والاجتهاد في بيان حقيقتهم والصبر على ما ينالهم من تعب وأذى ونصب في ذلك؛ فلعل الله تعالى يكشف بجهودهم المخلصة هذه الغمة ويحبط كيد الكائدين ويفت في عضدهم حتى ينحل أمرهم ويتفرق شملهم ويكون شأنهم في سفال. والله نسأل أن يحفظ على الأمة دينها وعلمها نقياً لا تشوبه شائبة.   

:: مجلة البيان العدد  347 رجــب  1437هـ، إبريل-مايو 2016م.


[1] أخرجه مسلم برقم 2889، وغيره.

[2] مجموع الفتاوى 28/512.

[3] مجموع الفتاوى لابن تيمية 4/217-218.

 

googleplayappstore