تعيش مدينة تعز اليمنية أوضاعاً إنسانية صعبة للغاية نتيجة الحصار المفروض عليها منذ أكثر من ثمانية أشهر من قبل ميليشيات الحوثي وقوات الرئيس المخلوع علي صالح.

ويفرض الحوثيون وقوات صالح الحصار الشامل على المدينة من جميع المداخل ويطوقونها بعدد كبير من الألوية العسكرية والمقاتلين القبليين التابعين للميليشيات، في ظل وجود مقاومة داخل المدينة استطاعت أن تكسر زحف الحوثيين على المدينة طيلة الأشهر الثمانية الماضية، وحررت الكثير من المواقع التي كانت تحت قبضة الحوثيين كجبل صبر وقلعة القاهرة وهما أهم موقعين في المدينة، لكنها لا تمتلك الإمكانيات الكافية لتحرير المدينة بشكل كامل وفتح الممرات لدخول المساعدات الغذائية والإنسانية.

منذ اقتحام الحوثيين للعاصمة صنعاء كانت أعينهم تتوجه نحو تعز، وكانوا يظنون أنها ستكون لقمة سائغة، وصرحت قياداتهم في أكثر من مرة أن اقتحام تعز سيكون بواسطة أطقم عسكرية تُعد على الأصابع؛ كون تعز مدينة الثقافة والعلم والتعليم، لكن تعز كسرت المعادلة وصمدت أمام الزحف العسكري الكبير الذي تم تجهيزه لاقتحام المدينة، ما دفع الحوثي وصالح إلى استخدام وسيلة الانتقام والعقاب الجماعي على سكان المدينة الذين يبلغ تعدادهم أكثر من مليوني نسمة بحسب التعداد السكاني لعام 2011م.

ونتيجة للحصار المطبق على المدينة أوقف الكثير من التجار وأصحاب المحلات التجارية والمطاعم ومحطات النفط أنشطتهم بسبب منع دخول أي مواد غذائية أو دوائية إلى المدينة.

وبسبب نفاذ المواد الطبية والدوائية أغلقت الكثير من المستشفيات الحكومية والأهلية في المدينة أبوابها، ولم يتبقَ إلا ثلاثة مستشفيات تصارع في إنقاذ الجرحى ومواجهة خطر انتشار مرض «حمى الضنك»، وأصبحت مادة الأكسجين معدومة ويتم تهريبها إلى المدينة بوسائل تقليدية عبر الحمير والجمال! في طرق وعرة وجبلية تستمر لأيام حتى تصل إلى المدينة.

ولم يكتفِ الحوثي وصالح بالحصار على تعز فقط، بل زاد عن ذلك بالقصف اليومي المكثف على السكان المدنيين، حيث يسقط يومياً عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، وتتهدم عشرات المنازل والمساجد والمستشفيات والجمعيات الخيرية والمؤسسات التعليمية.

وبحسب المعلومات الأولية فقد وصل عدد القتلى من المدنيين في مدينة تعز إلى أكثر من 1277 شخصاً بينهم 133 طفلاً، و65 امرأة، في حين وصل عدد الجرحى إلى أكثر من 8786 جريح، بينهم 800 طفل و360 امرأة وأكثر من 7644 رجل، أغلبهم حالته خطيرة وسببت له إعاقة دائمة، أما المعتقلون فقد بلغ عددهم أكثر 214 معتقلاً منهم 54 سياسياً، و4 إعلاميين، و93 ناشطاً وعدد من المدنيين، أما عدد الأسر النازحة بسبب الحصار فقد وصل إلى أكثر من 9500 أسرة.

ووفقاً للإحصائيات التي نشرها المرصد اليمني لرصد حقوق الإنسان، فقد تم القصف والاعتداء على 55 مؤسسة تعليمية، و21 مؤسسة صحية، وأكثر من 96 منشأة عامة، في حين تم التدمير والقصف والنهب لأكثر من 1778 منزلاً وممتلكات خاصة.

ووفقاً لتقارير حقوقية فقد قطع الحوثيون أنابيب نقل مياه الشرب التي تصل إلى المدينة، وقاموا بتلويث خزانات المياه ما جعل المدينة بحاجة ماسة إلى المياه الصالحة للشرب نظراً لأزمة المياه التي تشهدها المدينة من قبل الأحداث. وقد حاول عدد من الناشطين الحقوقيين إرسال قافلة كبيرة من المياه الصالحة للشرب من مدينة إب القريبة من تعز لكن مسلحي الحوثي طوقوا الناشطين أثناء الإعداد للقافلة، وأوقفوها قبل أن تتحرك، وقاموا باعتقال أكثر من 29 ناشطاً من المنظمين للقافلة الإنسانية، أغلبهم لا يزالون قيد الاعتقال التعسفي.

وبحسب شهادة قيادي حوثي منشق فإن الحوثي وصالح يفرضون حصاراً محكماً على تعز يشمل الماء والغذاء والدواء والمستلزمات الطبية، ومن يخرج من الرجال من المدينة لا يسمح له بالعودة، ويسمح للنساء بالخروج في بعض الأيام لشراء بعض الحاجيات البسيطة ولا يسمح لهن بالدخول إلا قبيل المغرب، حيث يبقين لأكثر من تسع ساعات تحت حر الشمس، وتتعرض النساء للتفتيش ويتم مصادرة أجهزة الجوال وأي أشياء ثمينة يجدونها، وبحسب شهادة القيادي الحوثي علي البخيتي، فإن الغرض من هذا الحصار هو إجبار المدنيين على إخلاء تلك الأحياء تمهيداً للسيطرة عليها، مؤكداً أن الطرق المؤدية إلى الأحياء السكنية مغلقة بالتراب ووسائل المنع الأخرى، وقال إن الحصار صارم وفعال بدرجة كبيرة جداً والتوجيهات صادرة من الحوثيين مباشرة لكل المنافذ والنقاط[1].

ولعل أكثر ما يميز تعز هو التكاتف الشعبي حول المقاومة الشعبية وقيادتها، ورفضهم المطلق لأي تواجد للميليشيات الحوثية داخل المدينة، وبرغم المعاناة اليومية التي يتعرضون لها جراء الحصار والقصف الشديد على منازلهم إلا أنهم لا يزالون يقدمون كل الدعم والمساندة للمقاومة والجيش الوطني، ويرفضون الانصياع لسياسة التجويع والحصار والانتقام من المدنيين.

وحاول الناشطون أن ينظموا حملات إلكترونية ووقفات احتجاجية في الداخل والخارج من أجل الضغط على الأمم المتحدة، وطالبوا المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد بزيارة تعز إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل حيث لم تلقَ أي استجابة حقيقية من الأمم المتحدة سوى بعض البيانات التي طالبت فيها بإدخال مساعدات غذائية ودوائية للمدينة، وأيضاً زيارة قصيرة لوفد تابع لمنظمة اليونسيف التابعة للأمم المتحدة دون نتائج إيجابية لتلك الزيارة.

وعلى المستوى الحكومي تقف حكومة الأستاذ خالد بحاح عاجزة عن تقديم أي مساندة حقيقية لمدينة تعز، لكن جهوداً من مركز الملك سلمان استطاعت أن تقدم عدد 40 طناً من المساعدات الغذائية والدوائية عبر إنزال جوي إلى أعالي الجبال التي تسيطر عليها المقاومة، لتأتي رحلة العذاب الأخرى في نقل تلك المواد على ظهور الحمير والجمال لإيصالها إلى المدينة المحاصرة.

إن ما تشهده تعز هو حصار ظالم لا يمكن أن يوصف بمقال قصير، فالوضع بلغ مداه، والقتلى من المدنيين يتساقطون يومياً بالعشرات، وميليشيات الحوثي وصالح لا تمتلك أي ذرة من أخلاق الحروب، فهي تمارس الانتقام اليومي ضد تعز وأبنائها من أجل إخضاعها بقوة السلاح، لكن صور الرجال والنساء وهم يصعدون على الجبال حاملين على أكتافهم وسائل الحياة تشعرنا أن هذه المدينة لا يمكن أن تنكسر وتدنس طهارتها بأوساخ هذه الجماعة السلالية العنصرية البغيضة.

لقد طال الحصار على هذه المدينة، ولكن صبر أهلها أكبر من المحنة التي نزلت عليهم، فتعز لم تكن يوماً إلا ضمن المشروع الوطني الذي لا يقبل الخضوع للميليشيات والعودة إلى الزمن الماضي.

ويبقى السؤال المحير، لماذا تأخر تحرير تعز في ظل الوضع الإنساني والحصار الذي تعيشه المدينة منذ أكثر من ثمانية أشهر؟!

:: مجلة البيان العدد  346 جمادى الآخـرة  1437هـ، مـارس 2016م.


[1] راجع شهادة القيادي الحوثي المنشق علي البخيتي عن حصار تعز على الرابط التالي:

 https://www.alkhabarnow.net/news/211718/2016/01/05