لعل من أبرز ما يميز المبدعين الحقيقيين أنهم عندما يقفون أمام حدث من الأحداث، أو مناسبة من المناسبات الدينية، يربطونها بالواقع، ويوظفونها أحسن توظيف، ويستلهمونها للتذكير بالعودة إلى المنابع الصافية والجذور الأولى؛ فأغلب قصائدهم تحض على التمسك بالدين، وتدعو إلى الوحدة والتضامن، ونبذ الفرقة والشتات، وكثيراً ما يشخصون الواقع تشخيصاً دقيقاً، فيكشفون العلل والأمراض التي حلت به، ويصفون الدواء وصفاً صحيحاً.. ولعل هذا اللون الأدبي؛ المعني في الحديث النبوي الشريف: «إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة».

ومن الشعراء الذين فاضت قرائحهم بأجمل قوافي الشجن الحزين في تشخيص أمراض الأمة وعللها؛ عبد الرحمن صالح العشماوي، الذي سكب دموعه مدراراً، وبُحَّتْ حنجرته، عبر مئات القصائد النارية التي أطلقها يميناً وشمالاً!

لا ينسى المتتبع لرحلة العشماوي الشعرية قصيدته الطويلة «مِن ها هنا مرَّ تاريخي» التي صوَّر من خلالها مناسبة الحج بأحسن ما يكون التعبير الأدبي، فقد تناول الحدث واستلهم المناسبة بطريقة مغايرة، ولكن قبل الحديث عن تلكم المناسبة، نعرج إلى جانب من مسيرته الإبداعية من أجل فض مغاليق عالمه الشعري، وسبر أغواره الإبداعية.

 لقد امتطى العشماوي جواد الشعر، فأطلق له العنان، وتخطى به اليابس والماء، فاستطاع أن يعبِّر عن مشاعر المسلمين في كل مكان - آلاماً وآمالاً - فمن أول سماعك أو قراءتك لأشعاره ترتعد فرائصك، وتتصبب عرقاً مما رسمه لك من لوحات ومناظر حزينة حيناً، وشجية حيناً آخر!

يصدر العشماوي عن تجربة شاعر معايش للهم العربي والإسلامي يوماً بيوم.. من هنا جاءت أشعاره تقطر دماً، وصارت قصائده مغسولة بالدمع! وعندما تسأل عبد الرحمن العشماوي عن هذا.. يقول لك: اسأل الشعر ذاته، فالشعر يكتبني!

الشعر يكتبني ويعزفني على

 وتر الأسى ويهزّ جزع خيالي

الشعر يعرف ما يعاني خاطري

فيفيض بالآلام والآمالِ

فلكمْ أتى شعري كأنفاس الصبا

حيناً، وحيناً جاء كالزلزالِ!

كما يلحظ المتتبع لمسيرة العشماوي مدى التدفق الشعري الذي صاحبه خلال تلك الرحلة، ولعل مأساة فلسطين وأهوالها كان لها الحظ الأوفر من هذه البحور والقوافي والأوزان المتنوعة، فلا يكتفي شاعرنا بما سطره عنها من قصائد ودواوين خاصة بها، بل يجعلها قاسماً مشتركاً في سائر موضوعاته ورؤاه الإبداعية، فهي ملازمة له عندما يكتب عن الصومال أو الشيشان أو البلقان أو غير ذلك من المحن والأزمات التي أصابت الأمة.. فيقول في قصيدته «من القدس إلى سراييفو»:  

يرحل الشعر بي إلى القدس، لكن

كُسِرتْ عند بابهِ الأوزانُ

آه يا قدسنا تنكّر قومٌ

وأباحوكِ للعدوّ وخانوا

صنعوا قهوة الخضوع، فلما

أتقنوها تبرّأ «الفِنْجانُ»

بلْ استمع إليه - مغتبطاً ومشجعاً - وهو ينادي على الفتى الفلسطيني الذي يرمي بالحجر، قائلاً له

عطر البطولة في طريقك ينثر

وإليكَ أهداب المفاخر تنظرُ

شرفت بك الأرض التي أمهرتها

دمكَ الكريم، وقدسها بك يفخرُ

والمسجد الأقصى على محرابه

أملٌ، بكفكَ والحصى، يستبشرُ

إني رأيتك في مواجهة الردى

 جبلاً بهامته السحائبُ تبهَرُ

من أين جئتَ؟ أكاد أحلف أنني

أبصرتُ أنّ سواكَ عندكَ يصغُرُ

يا فارس الحجر الأشمّ، عيونُنا

صارت بعينكَ تبصرُ

يا فارس الحجر الأشم، قصائدي

ترنو إليكَ حروفها وتقدّرُ

ما أنتَ بالطفل الصغير، وإنما

أنتَ الشجاعُ الحرّ لا يتقهقرُ

في تقديري؛ أنه لا يوجد شاعر معاصر اكتوى بأزمة «البلقان» واصطلى بلهيبها مثل عبد الرحمن العشماوي، إذْ فاضتْ قريحته في التعبير عن مأساة البوسنة والهرسك طيلة ثلاث سنوات، وهي الحقبة الكئيبة التي دارتْ رحى الحرب فيها على المسلمين هناك، وشهدوا ما لم تشهده أوربا كلها في الحربين العالميتين! فاستمع إلى العشماوي في قصيدته «سراييفو تقول لكم»:

«سراييفو» تقول لكم: ثيابي

مُمزّقةٌ، وجدراني ثقوبُ

محاريبي تئنُّ، وقد تهاوى

على أركانها القصفُ الرهيبُ

وأوردتي تُقطّع، لا لأني

جنيتُ، ولا لأني لا أتوبُ

ولكني رفعتُ شعار دينٍ

يضيقُ بصدق مبدئه الكذوبُ

لأني لا أُجاملُ أوْ أُحابي

ولا أرضى الخضوعَ ولا أذوبُ

ليس هذا فحسب، بل استمع إليه وهو يترجم أحاسيس ومعاناة طفل من أطفال الأقليات المسلمة، فيقول في قصيدته «رسالة شكر من طفلٍ بسنويّ» التي كتبها سنة 1414هـ، وفيها من السخرية اللاذعة والعتاب المرير الذي هو أشد من جلد السياط:

شكراً لكم يا مسلمون فقدْ بَدَتْ

لي، غَيْرةُ الأخوال والأعمام!

تهوي مآذننا على شاشاتكم

وتُمزَّق الأجساد بالألغام

 وترون أُمّاً يُستباحُ عَفافها

والطفلُ يُقتل قبل حين فطام

وترون آلاف الثكالى بيننا

 وترون آلافاً من الأيتام

وترون أوربا تقسّم أرضنا

 جَهْراً وتُصدر حجّة استحكامِ

فَتُحَوْقِلُون وتُغمِضون عيونكم

وأنا على جمر الصليب الحامي

أستغفر الرحمن من ظلمي لكم

فلقد مسحتم جرحنا بكلامِ

شكراً لكم يا مسلمون لأنكم

لمْ تبعثوا أحداً لجمع حُطامي

زيدوا من النوم الطويل فإنكم

سترون فيه عجائب الأحلامِ

ودعوا لنا ما نحن فيه فإننا

نهفو لعون الواحد العلاّمِ

لم يزل العشماوي يطوف حول ضفاف الجراح النازفات من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى آخر، فبعد أنْ عبر بنا من فلسطين السليبة إلى البلقان الجريحة، ها هو يجرُّنا إلى القرن الإفريقي المنسي، لينقل لنا لوحة حزينة بائسة لطفل صومالي حائر، أنهكته المجاعات بعدما أنهكت بلده الحروب الأهلية الطاحنة، فيقول في قصيدته «صرخة طفل صومالي» التي كتبها سنة 1413هـ:

أنا، مَنْ أنا، في هذه الأرض التي

تشقى بسوء تعامل الأنذالِ؟

أنا، مَنْ أنا، قُل لي بربكَ يا أبي

إني أرى ما ضاق عنه خيالي؟

لِمَ يقتلون أمام عيني إخوتي

لِمَ يحرقون ملابس الأطفال؟

أبتاهُ، هل في الأرض قلبٌ خافقٌ

أهناك قومٌ يشعرون بحالي

رخصت دماء المسلمين، فهل مضى

زمن الإباءِ، وموقف الأبطالِ

ما هذه حرب القبائل بيننا

بل خُطّةُ الأعداء لاستئصالي

لا يفتأ العشماوي يصول ويجول هنا وهناك، متتبعاً ما يحدث لأمته، وما يُدبّرُ لها في الخفاء، فيطلق زئير شعره مدوياً كالصواعق، ليوقظ النائم، ويذكّر الغافل.. فها هو شاعرنا يصحبنا معه في رحلته حول العالم، كاشفاً لنا عن مواضعٍ أخرى من الألم الذي استبدّ بجسد الأمة، أما الوجع هذا فليس في إفريقيا ولا في أوربا، إنما يكمن في شبه القارة الهندية! إنه كما أسماه الشاعر «صرخة من المسجد البابري»:    

يا ويحكم يا مسلمون، مآذني

تهوي، وبيتُ مؤذني ينهارُ

 ويئنُّ محرابي على أنقاضه

ويموتُ تحت ركامِيَ الأخيارُ

ملياركم لا خير فيه كأنما

كُتِبَتْ وراء الواحد الأصفارُ

ما جرّأ الهندوس إلا صمتكم

ولكم يذلُّ بصمته المغوارُ

خابتْ سياسة أمةٍ، غاياتها

تحقيقُ ما يرضى به الكفّارُ

ومع كل هذا العطاء المتدفق من البحور الشعرية، وهذا الاسترسال الذي يكاد لا يتوقف.. إلا أننا نجد العشماوي كأنه يبدو حزيناً أسِفاً، فيلتمس الأعذار، قائلاً: إن هذه المآسي بكثرتها وتنوعها دونها الحروف والكلمات: 

وإذا تلعثمت الحروفُ فعذرُها         

أنَّ الأسى فيما تراهُ كبيرُ

كم شاعرٍ فَذٍّ رأى منْ حوله       

عُمْقَ الجراحِ فخانه التعبيرُ!

لكن إذا انتقلنا مع شاعرنا إلى جانب آخر، بعيداً بعيداً عن الهموم والأحزان والجراح النازفات، لنعيش معه في رحلة وجدانية، وسياحة روحية في روضات الحرم الشريف، وفي أطيب البقاع وأطهرها.. نراه يجترّ أشهى الذكريات على النفس، وأوقعها تأثيراً، وأعذبها رنيناً بالآذان.. إنه يرسم بريشة فنان بارع بعض اللقطات المجيدة الخالدة.. فالشاعر يستحضر في ذهنه أجمل المواقف على الإطلاق، فها هي «القصواء» وفوقها سيد الأنام #، في حجة الوداع، يتلو على الناس من الذكر الحكيم، ويعلمهم أمور دينهم، وها هو «الهادي البشير» حول البيت الحرام، وها هو في مشهد عرفة وآلاف الناس من حوله ترقبه كالبدر في إشراقه،فيقول العشماوي في قصيدته «من ها هنا مرّ تاريخي»:

رأيتُ ناصية القَصْواءِ فابتهجتْ

نفسي، وأتبعتها في لهفةٍ نظري

هشّتْ لها الأرضُ واشتاق الترابُ إلى

مسيرها، وتدانتْ شُقّةُ السفرِ

وفوقها «سيّد الأبرارِ» يُعلن ما

أتى به من حديث الوحي والنُّذرِ

رأيته في مطاف البيتِ يُسعدهُ

دعاء مبتهلٍ لله معتمر

رأيتُ في عرفات الله موقفه

وقد جرى حولهُ بحر من البشرِ

ثم ينتقل الشاعر بنا إلى المدينة المنورة ببراءتها ونضارتها، فينقل لوحة بعينها ترمز لغزوة بدر الكبرى، وكأنه يبصر المؤمنين بالعدوة الدنيا، ومعسكر الشرك بزعامة أبي جهل بالعدوة القصوى، ولا يزال الشاعر يعايشنا معه في أجواء المدينة المنورة، فيصف لنا «الخندق» وكيف حمى المدينة من الغزاة، وماذا فعلت الريح بالمشركين

رأيتُ طيبةَ والتاريخ يحملها

في راحة العز حَمْلَ الغُصن للثمرِ

رأيتُ بدراً وزَهْوَ العَدْوتين وما

لاقاه وجهُ أبي جهلٍ من العَفَرِ

رأيتُ خندقها يحمي براءتها

والريح لم تُبْقِ ديّاراً ولم تذَرِ

  هذا الحب الغامر، والشوق الجارف لتلك الذكريات العطرة، والمواقف الآسرة، الرفيقة بالنفس والمحببة إليها؛ التي جعلت شاعرنا يستوقف التاريخ ويسائله بألم وحزن شديدين، قائلاً له:

قفْ ها هنا أيها التاريخُ خُذْ بيدي

فإنّ أمتنا باتتْ على خطرِ

قفْ ها هنا أيها التاريخُ خُذْ بيدي

واكتب لعلك تجلو الحقَّ للبصر

هذا هو الشاعر الدكتور «عبد الرحمن صالح العشماوي» الذي عشنا مع جانب من جوانب إبداعاته، من خلال تجاربه الشعرية المفعمة بالرؤى الإسلامية الصادقة، ذات اللغة العذبة، والخيال الخصب، والبيان الصافي، الذي رسم به أجمل لوحاته الفنية في مختلف الأغراض الشعرية.

 :: مجلة البيان العدد  346 جمادى الآخـرة  1437هـ، مـارس 2016م.