بدون مقدمات استهل الكيان الصهيوني العام الجديد 2016 بالحديث عن المخاطر الناجمة عن الأنفاق التي تقوم حركة المقاومة الإسلامية حماس بحفرها داخل غزة وعلى حدود الكيان الصهيوني، وخرجت تصريحات جنرالاته وارتفعت نبرة ساسته؛ على اعتبار أن هذه الأنفاق باتت تهديداً حقيقياً جاداً ينبغي التعامل معه بالسرعة المطلوبة قبل استفحال خطره.

كاتب السطور لم يكد ينتهي من قراءة وترجمة عشرات المقالات والدراسات الأمنية والعسكرية التي حاولت أن تضع خريطة طريق لصناع القرار الصهيوني في كيفية التعامل مع هذه الأنفاق من النواحي العملياتية الميدانية، ويمكن رصد أهمها على النحو التالي:

١ - الضربة الاستباقية:

يرى فريق واسع من الجنرالات في الكيان الصهيوني (النظاميون والاحتياط) أن أحد عوامل قوة الردع في الكيان الصهيوني يكمن في سياسته العسكرية المعلنة في أكثر من مناسبة بتوجيه ضربات استباقية للعدو، ويمكن تكرار ذلك في التعامل مع أنفاق غزة، لأنه في الحالات التي ذهب فيها الكيان الصهيوني إلى ضربات استباقية نجحت في كبح جماح العدو، وإرجاء ساعة المواجهة العسكرية الضارية، من خلال حرب 1956 ضد مصر بسبب صفقة الأسلحة التشيكية، وحرب 1967 مع تنامي قوة الجيش المصري، وحرب 1982 ضد منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وفي المرات التي لم يسارع فيها الكيان الصهيوني إلى الضربات الاستباقية كانت الكارثة تحيط به من كل جانب، وأكبر مثال على ذلك حرب العام 1973.

يستلهم أصحاب نظرية الضربة الاستباقية ضد أنفاق غزة هذه النماذج لتعزيز الذهاب إلى هذا الخيار، حتى يحرم حماس من الاستخدام الفعال لهذه الأنفاق في أي مواجهة عسكرية قادمة، والعمل على إحباط أي مخططات عسكرية لتنفيذ عمليات مسلحة من خلال هذا السلاح الإستراتيجي الذي باتت تملكه الحركة خلال وبعد حرب غزة الأخيرة 2014.

يرى مروجو فرضية الضربة الاستباقية ضد أنفاق غزة أن حماس تسابق الزمن لترميم منظومتها من الأنفاق ليل نهار، وتسعى لأن تكون جاهزة للاستخدام في الوقت الذي تندلع فيه الحرب الرابعة على غزة، ولئن تمكن الكيان الصهيوني من الحد من مخاطر القذائف الصاروخية الفلسطينية عبر منظومة القبة الحديدية، فإنه قد يقف عاجزاً أمام تهديد الأنفاق الجديد، وهو ما يمنح حماس ورقة عسكرية ميدانية، الأمر الذي يؤهلها لانتزاع ما يعرف بـ«صورة الانتصار» المتمثلة بخروج عشرات المسلحين من تحت أرض غزة باتجاه التجمعات الاستيطانية الصهيونية الجنوبية على حدود غزة وتنفيذ عمليات مسلحة بقتل واختطاف عدد من الصهاينة.

٢ - الحلول التكنولوجية:

المقصود هنا محاولة العثور على هذه الأنفاق نفقاً بعد آخر في عملية تكنولوجية باستخدام معدات وتقنيات متطورة، وبالاستناد إلى تجارب عالمية في هذا المضمار، مثل أنفاق المكسيك على الحدود الأمريكية، وأنفاق الكوريتين، وأنفاق فيتنام، وهي تجارب تمثل على المدى البعيد حلاً لتهديد أنفاق غزة، قد لا يكون سريعاً وعاجلاً، لكنه على المديين المتوسط والبعيد يمنح الكيان الصهيوني فرصة الاستراحة منها سنوات عديدة قادمة.

سكان غزة باتوا يرون في الأسابيع الأخيرة العديد من الحفارات والمعدات الهندسية التي يقترب عددها من المائة تصطف يومياً على حدود غزة الشرقية، تقوم بفحص وتعقب ومتابعة عيون الأنفاق التي تخرج من غزة باتجاه الكيان الصهيوني، وهو ما ألمحت إليه الأخيرة في أكثر من تصريح وإعلان، على اعتبار أن هذا الإجراء يحقق لها ما تريد، عبر كشف الأنفاق وتعطيلها وإحباطها، دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.

في الوقت نفسه، تبدي دوائر صنع القرار في الكيان الصهيوني قلقها من طبيعة رد الفعل المتوقع من حماس في حال اكتشفت معدات الجيش الصهيوني نفقاً ثقيل العيار، يوشك أن تستخدمه الحركة في عملية مسلحة لها، حيث يتساءل الصهاينة: هل تنتظر حماس تعطيل هذا النفق مثلاً، وعدم المبادرة إلى أي رد فعل تجاه الكيان الصهيوني، أم أنها لن تفرط بتعب الأيام والأسابيع والشهور وحبات العرق والدم التي سالت من حفاريها في باطن الأرض، وتذهب للرد على الكيان الصهيوني حتى لو كان الثمن اندلاع حرب ضارية؟

في مثل هذا الواقع، يعتقد الكيان الصهيوني أنه يدير مع حماس لعبة «القط والفأر» وفق صيغة: من يسبق من؟ فهل ينجح الكيان الصهيوني في إحباط مخططات حماس العسكرية عبر أنفاقها الحدودية قبل استخدامها بصورة فعالة، أم تتمكن الحركة من تفعيل هذا السلاح في مواجهة الكيان الصهيوني قبل أن تطاله يد التكنولوجيا الصهيونية الطويلة؟

٣ - الجهد الأمني:

وهو سيناريو يتمثل بألا يبادر الكيان الصهيوني لعملية استباقية أو حلول تكنولوجية ضد أنفاق غزة، ويفضل الانتظار ريثما تصل معلومات أمنية دقيقة بقرب تنفيذ عملية مسلحة من خلال أي منها باتجاه التجمعات الاستيطانية الصهيونية في الجنوب، وهنا يلجأ الكيان الصهيوني لتفعيل أدواته التجسسية، البشرية منها والتقنية، الأرضية والجوية، في محاولة منه للعثور على أي معلومة قد تصله عن نفق هنا ونفق هناك وثالث هنالك، بحيث تضعه تحت المجهر، وعند الدقيقة التسعين تقوم باستهدافه.

هذا الخيار يبدو أن الصهاينة يستبعدونه في هذه المرحلة، لأنه ينتظر قرب حلول نقطة الصفر، وحينها لا يمتلك الجيش الصهيوني بوليصة تأمين بألا تكون حماس قد نجحت في إخراج عمليتها إلى حيز التنفيذ، لاسيما أن الجانبين يديران حرب أدمغة وصراع عقول حامي الوطيس، وربما يمرران لبعضهما معلومات أمنية تضليلية، وهنا قد يقع المحظور من جهة الكيان الصهيوني، ولكن بعد فوات الأوان.

إن مراجعة دقيقة لهذه الخيارات الصهيونية، وقد يكون هناك خيارات أخرى لا يتسع المجال لذكرها، تشير إلى أن الكيان الصهيوني في مواجهة أنفاق غزة يفاضل بين خيار سيء وأقل سوءاً، وبديل مكلف وأقل كلفة، ما يعني أنه غادر منذ زمن المفاضلة بين خيار سيء وآخر حسن، لأن الأنفاق بحد ذاتها أوجدت أمامه واقعاً إشكالياً معقداً، دفع مقابله ثمناً باهظاً في حرب غزة الأخيرة، وهو ما يفتح شهية حماس على جباية أثمان أخرى أكثر كلفة من الكيان الصهيوني عبر هذه الأنفاق في المواجهة القادمة.

أخيراً، ربما تبقى مواجهة الأنفاق مدار حديث سائد في الأوساط العسكرية والأمنية في الكيان الصهيوني ترتفع وتنخفض حسب الوتيرة القائمة، لكنها تشكل مصدر إرهاق واستنزاف في التفكير الميداني والإجراءات العملياتية لدى الجيش الصهيوني، الذي يخشى أن يخوض الحرب القادمة مع المقاتلين الفلسطينيين في الظلام تحت الأرض وسط أنفاق غزة، ولذلك فهو يتحضر ويجري المناورات على هذا النوع الجديد من المعارك.

:: مجلة البيان العدد  346 جمادى الآخـرة  1437هـ، مـارس 2016م.