منذ 67 عاماً يحاول الاحتلال الصهيوني أن يطمس الحقيقة وينفي وجود الشعب الفلسطيني وحقه في البقاء على أرضه، لكن القدر يشاء أن يكون هذا الشعب هو رائحة الأمل التي تفوح وقت الأزمات في عالمنا الإسلامي، ففي قطاع غزة يعيش الناس ظروفاً قاسية لو مرت بها دول لانهارت خلال قرابة 10 سنوات من الحصار المفروض من مصر والجيش الصهيوني، يُمنع بسببه الناس من أبسط حقوقهم كإدخال الأدوية والأطعمة أو حتى صيد الأسماك من البحر، كذلك شنت ثلاث حروب على غزة ارتقى فيها آلاف الشهداء وأصيب فيها عشرات الآلاف، كما هدمت أحياء بكاملها بصواريخ الطائرات، ومنع الطلبة من السفر لإكمال دراستهم، ومنع المرضى من العلاج في الخارج، ومنع عن الناس كل شيء.. برغم ذلك لو مررت في الشوارع وجالست السكان هناك ستجد الصمود بأجمل صوره، حيث التمسك بالهوية الوطنية والدينية ورفض التنازل عن المقاومة لصالح مشروع السلام الكاذب.. أصبح هذا الأمر ليس وجهة نظر سياسية لعوام الناس بقدر ما هو هوية دينية واجتماعية ترسخت بسبب ضغوط الحياة، وفي عوالم أخرى تجد الناس يفرون من التزاماتهم وقت الأزمات ويتخلون عن الكثير من القيم لصالح البحث عن فرصة للنجاة، لكن في فلسطين تجد ضغوط الاحتلال تزيد الناس صلابة وثقة.

الاحتساب والحاضنة الشرعية

في محاولة لبحث الأسباب والمقومات التي صنعت جيل التحرير والنصر في فلسطين استطلعنا آراء عدد من القامات العلمية والإعلامية الفلسطينية، فذكر لنا الشيخ وائل الزرد أن من أعظم مقومات الصمود والصبر لأهل فلسطين عامة وأهل غزة خاصة برغم النكبات المتوالية هو استشعار الناس أنهم على حق وأن عدوهم على باطل، وأنهم إن صبروا فسوف يؤتون أجراً عظيماً، ذلك لأن الله تعالي يقول: {إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

على غرار ما سبق أكد الزرد أهمية العمل الدعوي والشرعي في تعزيز صمود الشارع الفلسطيني حيث يواصل دوماً أصحاب الرسالة الدعوية التأكيد لعموم الناس على أهمية تمسكهم بأرضهم وقدسيتها عند الله عز وجل، مضيفاً أن أهل فلسطين أصبح لديهم عقيدة في نفوسهم أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وما أخطئهم لم يكن ليصيبهم، وكانوا يحتسبون كل ما يقع معهم في سبيل الله تعالي فيصبرون على فقد الولد والبنت والزوج والأهل والمال والبيت ويتبعون ذلك كله بقول الله تعالي: {إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156].

الأستاذ نعيم النجار المحاضر في علوم القرآن بكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية يقول: صبر أهل غزة كله قائم على أساس الوازع الديني المستمد من عقيدة أهل السنة والجماعة والتي من أهم ركائزها الإيمان بالقدر خيره وشره وحديث النبي #: «واعلم أن ما أصابك ما كان ليخطئك، وما أخطأك ما كان ليصيبك» إلى آخر الحديث، هذا الحديث هو عمدة في تقبل القضاء والقدر وتحمل المشاق والصعاب، وأيضاً يجعلون ما يصبهم سنة كونية أصابت كل القابضين على دينهم من قبل ولهم في حصار رسول الله أسوة، يشير النجار إلى قضية مهمة زادت من صمود أهل غزة ألا وهي ما يشاهدونه في الضفة الغربية من انتهاكات وتعديات واستباحة للأرض برغم التطبيع وبرغم الاتفاقات؛ كل هذه الأمور جعلتهم يزدادون قناعة بأنه: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].

في قطاع غزة أيضاً يقول المدير العام لدار القرآن الكريم والسنة، محمود محمد، وهي أكبر دار لتعليم القرآن الكريم والسنة النبوية في القطاع، إن عدد منتسبي دار القرآن الكريم 35 ألف طالب وطالبة سنوياً، ولا تسعى الدار فقط إلى التركيز على تحفيظ القرآن الكريم والسنة بل إنها تمتلك برنامجاً تربوياً يهتم بإنشاء جيل فريد ومتميز وواعٍ ومتفهم لتدينه ولعقيدته ولقضيته، على حد وصفه.

تعمل دار القرآن الكريم والسنة على مدار خمسة أيام في الأسبوع لتحفيظ القرآن الكريم واليوم السادس يستغل في جوانب تربوية ضمن منهج يناسب أعمار الطلبة، كما اهتمت دار الكتاب والسنة، بحسب أقوال مديرها العام، بمختلف شرائح المجتمع الفلسطيني (المكفوفون، الصم، كبار السن، ربات البيوت، الأطباء في المستشفيات، طلبة المدارس) لتحقيق برنامج توعوي.

في عام 2015م كان عدد الحفظة المتقنين (اختبر في عشرة أجزاء مجتمعة) 250 طالباً، و140 طالبة، وعدد الحُفاظ في قطاع غزة من مختلف المؤسسات المختصة بما فيها دار الكتاب والسنة 20 ألف حافظ وحافظة. أبرز المشاريع التي نفذتها الدار خلال سنوات الحصار مشروع «تاج الوقار» ويستمر لعامه السابع على التوالي ويهدف إلى استثمار العطلة الصيفية لطلاب المدارس. ولدى الدار أنشطة تربوية مثل توعية الطلاب والمنتسبين بقضيتهم وخصوصاً قضية القدس وتاريخ فلسطين عبر العصور.

ومن برامجها أيضاً مشروع «النخبة لنشر السنة»، ويركز على اختيار أفضل طلبة متميزين ويتم تدريسهم الصحيحين (البخاري، ومسلم) بالإضافة إلى برنامج تعليمي نوعي غايته الاهتمام بطلبة العلوم الشرعية، بالإضافة إلى مشروع «تعليم القاعدة الذهبية» للأطفال ويركز على تعليمهم النطق الصحيح للحروف وتجميع الحروف مع بعضها لتصبح كلمة صحيحة، فالطالب بعد التخرج يستطيع أن يقرأ القرآن من أي مكان دون تلعثم، فقد تخرج في عام 2015م ما يقارب 14 ألف طالب وطالبة، كذلك تشرف الدار على مشاريع أخرى لفئة المكفوفين وغيرهم من طبقات المجتمع جميعها تصب في صالح توفير حاضنة تربوية صحيحة للمجتمع الفلسطيني.

الصمود السياسي والاقتصادي

في الشق السياسي يقول المحلل والكاتب في صحيفة فلسطين حسام الدجني: إن الصمود الفلسطيني قائم على عدة مرتكزات أهمها أن الإنسان الفلسطيني صاحب حق ولديه الاستعداد لتقديم الغالي والنفيس من أجل الحفاظ على هذا الحق، كذلك طبيعة المجتمع الفلسطيني المحافظ جعلت منه حاضنة قوية للمقاومة المسلحة، بالإضافة إلى تأثير البعد الديني والأيدلوجي في مسار الصراع.

على الصعيد الاقتصادي أيضاً، تجلت صور رائعة لصمود الإنسان الفلسطيني يشرحها مدير الإدارة العامة للإرشاد في وزارة الزراعة، م. نزار الوحيدي، قائلاً: إن وزارة الزراعة استطاعت توفير 60 ألف فرصة عمل مباشرة أو غير مباشرة برغم الحصار الصهيوني في قطاع غزة، مضيفاً أنها أنتجت 1.5 مليون كيلوجرام من الطعام لتوفيره للمواطنين بأسعار رخيصة مقارنة بالدول العربية المجاورة. ويعتقد الوحيدي أن الصراع الاقتصادي مع الاحتلال كان له تبعات كبيرة على الحالة السياسية لذلك يشير إلى أن دور وزارة الزراعة وغيرها من المؤسسات الاقتصادية الفلسطينية كان مهماً لتقليل تأثير الابتزاز السياسي الذي يقوم به الاحتلال الصهيوني ومحاولاته المتكررة لتجويع وتركيع الإنسان الفلسطيني.

مدير تحرير صحيفة الاقتصادية المحلية محمد أبو جياب يقول: إنه خلال السنوات العشر الماضية من الحصار على غزة كان من الواضح أن المواطن الفلسطيني يتمتع بلياقة التأقلم والتعامل مع الواقع المعاش، فالمواطن الفلسطيني في غزة تأقلم مع سياسات الصمود طويلة الأمد، فغير كثيراً من نمط الحياة اليومية المرتبط بسلوك الاستهلاك على المستوي الاقتصادي، والسلوك الاجتماعي على مستوى المناسبات، والسلوك المرتبط بالمشتريات والصادرات والواردات المرتبطة بالمستويين الاجتماعي والمنزلي.

ويشرح أبو جياب عدداً من الأمثلة حول كيفية تغير العادات الغذائية والحياتية اليومية للإنسان الفلسطيني بفعل الحصار، قائلاً: «عندما منعت الحكومة الصهيونية بشكل كامل الوقود من الوصول إلى غزة التجأ المواطن إلى إنتاج مواد بديلة، كاستخدام زيت الطعام واستخدام وسائل نقل مختلفة، عندما منعت سلطات الاحتلال مواد كثيرة أساسية في جانب الإنشاءات شاهدنا إبداعات كثيرة على المستوى الهندسي والإنشائي وعلى مستوى المهندسين والمتعلمين والطبقات المثقفة».

يقول الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني المحتل، إن السعي المتواصل من الحكومات الصهيونية المتعاقبة لتهويد المسجد الأقصى وطرد الفلسطينيين من الأرض المحتلة والقدس جعلنا ندرك أهمية تربية جيل مؤمن ومحتسب يعيش من أجل قضيته ودينه، مضيفاً أن هذا الأمر دفعنا لإنشاء مشروع حلقات العلم الشرعي داخل ساحات المسجد الأقصى، فبذلك سعينا لتوفير جيش من المرابطين يحمي المسجد الأقصى على مدار الساعة من اقتحامات المستوطنين اليهود ووفرنا بيئة قرآنية تساعد في إنشاء جيل مؤمن بقضيته وعدالتها وينتصر لدينه.

دور الحاضنة التعليمية

الدكتور أنور البرعاوي الوكيل المساعد لوزارة التربية والتعليم العالي في غزة أيضاً أكد أهمية التربية والتعليم في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وأشار إلى أن وزارته تهتم بهذا الجانب من بداية المرحلة الأساسية في التعليم من خلال توفير أدوات وصيغ لقياس التحصيل الكيفي في كل المباحث التعليمية بهدف إنجاح المسيرة التعليمية الفلسطينية.

الجانب المهم الآخر الذي تحدث عنه البرعاوي هو التناول الوطني والديني للقضية الفلسطينية في مناهج التعليم الفلسطيني سواء المدرسي أو الجامعي، فهي قضية أمة قبل أن تكون قضية شعب، ومن قضايا الصمود أيضاً أن مؤسسات التعليم تسعى بكل طاقاتها لتوفير بدائل في حال قصف الاحتلال مدارس أو معاهد التعليم العام، سواء من خلال الاستعانة بمتبرعين أو منظمات مانحة أجنبية. ففي الحرب الأخيرة تعرض ما يقارب 8 مدارس لهدم كلي وما يقارب 100 مدرسة تعرضت لأضرار مختلفة. كما سعت الوزارة بحسب البرعاوي إلى إيجاد علاقة مشتركة بين المجتمع والمؤسسات التعليمية من خلال تفعيل دور أولياء الأمور وتشكيل مجلس أمناء لكل مؤسسة تعليمية. وأنشأت الوزارة وحدة القدس التي تسعى لتثقيف الطلبة حول قضية القدس وتعميق وعيهم بأهمية المدينة المقدسة والمسجد الأقصى، أما فيما يتعلق بالتعليم العالي قامت وحدة القدس بنشر كتاب خاص بالقدس وتم تعميمه على بعض الجامعات العربية لتعزيز صورة القدس في نفوس أبناء الأمة العربية والإسلامية.

الجبهة الإعلامية للمقاومة

الإعلام الفلسطيني كان له نصيب الأسد في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني والترويج لقضيته في الخارج، حول هذه القضية تحدث الصحفي إسماعيل الثوابتة، مدير شبكة الرأي الفلسطينية للإعلام، وعلى حد وصفه فقد تجنّد الصحفيون والإعلاميون في خندق المواجهة وفي كتيبة دفاعية لتشكل صمام الأمان للمواطن الفلسطيني والحفاظ على الجبهة الداخلية من الاختراق. ومن أهم إنجازات الإعلام الفلسطيني على هذا الصعيد تصدير الرواية الفلسطينية الصادقة في مواجهة رواية الاحتلال الصهيوني الكاذبة وكشف زيفه ورفع النقاب عن وجهه البشع أمام العالم، مما عزز الدعم المادي والمعنوي والتضامني والسياسي والدبلوماسي والإنساني مع شعبنا الفلسطيني وفي الكثير من الاتجاهات، وهذا شاهدناه واقعاً ملموساً من خلال الدعم والمواقف الواضحة.

ويشير الصحفي الفلسطيني إلى دور الإعلام في إبراز مشاهد البطولة والتضحية التي تحلى بها أبناء الشعب الفلسطيني وخاصة العمليات الفدائية والاستشهادية.

في الجانب نفسه، يقول الدكتور حسن أبو حشيش أستاذ الإعلام بالجامعة الإسلامية: «من أهم النقاط التي أبرزها الإعلام الفلسطيني الثوابت الفلسطينية وخصوصاً قضية الأسرى والقدس وحق العودة ودعم صمود المقدسيين في أرضهم».

ولا يجب أن ننسى أن الإعلاميين الفلسطينيين قدموا تضحيات جسام لكي تصل رسائلهم فقد قتل الاحتلال 28 صحفياً فلسطينياً خلال الأعوام السبعة الأخيرة، بالإضافة إلى إصابة العشرات واعتقال آخرين. ولم يتورع الاحتلال عن قصف وتدمير مقرات العديد من الفضائيات والإذاعات ووسائل الإعلام الفلسطينية بهدف إسكات صوت القضية وصوت الحقيقة.

 المجتمع المدني

 المؤسسات الأهلية الفلسطينية لعبت دوراً مهماً لصالح توفير الكثير من البرامج الهادفة لتعزيز  الصمود وخاصة لجان العمل التطوعي التي عملت من أجل تخفيف وطأة اعتداءات الاحتلال الصهيوني وآثارها على المجتمع الفلسطيني وخاصة الفئات الهشة والمهمشة، والتي كان أساسها الشباب من مهنيين وأطباء ومهندسين والتي تطورت فيما بعد وتحولت لمؤسسات، وطورت من برامجها ليس فقط على مستوى الخدمات، ومنها على سبيل المثال برامج التأهيل كبرامج تأهيل المعاقين وتمكين النساء والشباب وحماية الزراعة ومساندة المزارعين والصيادين.

أمجد الشوا مدير شبكة المنظمات الأهلية يقول: إن المنظمات الأهلية سعت إلى تبني قضايا المجتمع الفلسطيني في المحافل الدولية من خلال توثيق جرائم الاحتلال وفضحه في المنظمات الحقوقية الدولية، وملاحقته قانونياً، وتمكين قانوني للأسري داخل سجون الاحتلال وأسرهم، وتعزيز البعد الديمقراطي الداخلي وحماية النسيج الاجتماعي وحماية الهوية الفلسطينية من خلال فعاليات التراث الفلسطيني برغم إمكانياتها البسيطة، والعمل على تفعيل التضامن الدولي، حيث عملت مؤسسات المجتمع المدني منذ الانتفاضة على استحضار الكثير من الوفود الدولية لمراقبة انتهاكات الاحتلال وحشد الدعم الدولي على مختلف المستويات.

ويشير إلى دور شبكة المنظمات الأهلية في تشكيل اللجنة الدولية لفك الحصار عن قطاع غزة والبرامج الإغاثية التي أنشأتها للتخفيف من وطأة الحصار لتعزيز صمودهم لمواجهة الحصار. بالإضافة إلى دعم المزارعين في أراضيهم والصيادين وتوفير برامج للدعم النفسي والاجتماعي ومعالجة آثار الحروب، واستصلاح الأراضي المدمرة بفعل الحرب. وبحسب إحصائيات رسمية فإن وزارة الداخلية في غزة أصدرت تصاريح عمل لـ900 جمعية ومنظمة أهلية فلسطينية تقدم خدمات بشكل متنوع حيث ضخت في عام 2014م حوالي 200 مليون دولار تنوعت بين خدمات عينية وبرامج دعم لتخفيف آثار الحرب.

 

:: مجلة البيان العدد  346 جمادى الآخـرة  1437هـ، مـارس 2016م.