لا يختلف الوضع في غزة عن مضايا أو مخيم اليرموك في سوريا، أو حتى عن ديالى والمقدادية في العراق؛ فجراحها واحدة والمتآمرون وإن اختلفت أقنعة وجوههم قلوبهم واحدة يريدون تدمير الإنسان المسلم وسلب كرامته وانتزاع حقه.

منذ عام 2006م وحتى يومنا هذا يدفع المواطن الفلسطيني في قطاع غزة ثمن صوته الذي وضعه في صندوق الانتخابات وطالب من خلاله بالتوقف عن التملق للحكومات الصهيونية المتعاقبة من أجل الحصول على السلام المزعوم.. وأعلن باقتدار رفض السلطة الفلسطينية فيما يتعلق بنهج أوسلو واختار المقاومة سبيلاً لتحرير فلسطين، لكن ذلك الخيار لم يتفق مع الرغبة الأمريكية في الهيمنة على المنطقة، فأغلقت قطاع غزة ومنعت حتى شركات البريد السريع من العمل فيه.

مع بداية العام العاشر للحصار أعلنت وزارة الداخلية في قطاع غزة أن عدد السكان بلغ 1.95 مليون نسمة، 40% منهم يقعون تحت خط الفقر، ويتلقى 80% منهم مساعدات إنسانية. وتشير إحصائيات نشرها «المرصد الأورومتوسطي» إلى أن الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة 50% عنه في عام 1994، فيما انخفض دخل الفرد بنسبة من 32%. ووصلت نسبة البطالة بين فئة الشباب إلى 62%.

الإعمار والخدمات الأساسية

وزير الأشغال الفلسطيني مفيد الحساينة يقول إن العمل وفق الآليات الجارية من أجل إعادة إعمار ما دمره الاحتلال الصهيوني خلال الحروب السابقة سيستغرق 7 أعوام. ويعزو ذلك إلى ضعف الدعم المالي المقدم من الممولين، حيث يؤكد أن ما وصل من التعهدات الدولية لإعادة إعمار القطاع لا يزيد عن 40%، كذلك يشير إلى صعوبة إدخال مواد البناء وفقاً للآليات المتبعة بحسب الاتفاق الذي وقع بين الأمم المتحدة والكيان الصهيوني، والذي تشرف عليه الأمم المتحدة، ويشترط موافقة الأمم المتحدة على كل اسم مستفيد من مواد البناء التي تدخل قطاع غزة.

في منتصف يناير الماضي، قامت الحكومة الفلسطينية بتسليم 1060 وحدة سكنية لأصحابها، تعد الدفعة الأولى من مشروع مدينة حمد السكنية التي تكفلت قطر بدعمها، كما تعهدت الكويت ببناء 2110 وحدات سكنية، بالإضافة إلى تعهد المملكة العربية السعودية بتوفير دعم لبناء 1000 وحدة سكنية جميعها تنتظر الموافقة الصهيونية للبدء بتنفيذها. يقول مفيد الحساينة إن العجز الذي أنتجه الحصار والدمار في قطاع غزة بلغ 130 ألف وحدة سكنية.

الأزمة الأخرى التي يتضرر منها السكان في قطاع غزة هي أزمة الكهرباء والمياه؛ فساعات قطع الكهرباء تمتد من 12 إلى 16 ساعة يومياً، ويحتاج القطاع إلى 360 - 370 ميجاواط من الكهرباء، حتى تعمل مدة 24 ساعة، بينما لا يتوفر حالياً إلا 210 ميجاواط، توفر منها الحكومة الصهيونية 120 ميجاواط، ومصر 32 ميجاواط، وشركة توليد الكهرباء 60 ميجاواط. وتسببت الوسائل التي يستخدمها الفلسطينيون في إنارة منازلهم خلال فترة انقطاع الكهرباء بالعديد من الحرائق والمآسي الإنسانية.

بالإضافة إلى ذلك فإن 40% من السكان يتلقون فقط من أربع إلى ثماني ساعات من إمدادات المياه كل ثلاثة أيام، و90 إلى 95% من هذه المياه غير صالحة للشرب.

أزمة المعابر

يحيط بقطاع غزة أربعة معابر منها إيرز وكرم أبو سالم ومعبر رفح ومعبر المنطار. منذ بداية الحصار أغلقت الحكومة الصهيونية معبرين وأبقت على معبر إيرز لدخول الحالات الإنسانية والوفود الأجنبية إلى قطاع غزة. بينما أغلقت مصر معبر رفح من جانبها، ليفتح خلال تولي الرئيس محمد مرسي رئاسة الحكومة عام 2012م ثم يعاد إغلاقه عقب الإطاحة بمرسي وتولي عبد الفتاح السيسي تحت ذريعة محاربة «الإرهاب» في سيناء. تم فتحه عشرين يوماً فقط في عام 2015م بأكمله، بينما يحتاج أكثر من ٦٠ ألفاً من الحالات الإنسانية والطلبة وأصحاب الإقامات للسفر والتنقل، فيما فقد المئات منهم الإقامات والمنح الدراسية بسبب الإغلاق. في أكتوبر 2014م بدأ الجيش المصري بحفر ممرات مائية على الشريط الحدودي وتغذيتها عن طريق أنابيب من البحر المتوسط بهدف إغراق الأنفاق التي يستخدمها الفلسطينيون للحصول على الأغذية والاحتياجات الأساسية من الجانب المصري وتحاصر قوات الاحتلال قطاع غزة بحراً، ولا يسمح سوى لمراكب الصيادين لدخول الشواطئ وضمن مسافة إن تم تجاوزها فمصير الصيادين نيران البحرية الصهيونية أو الاعتقال.

يقول المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إنه عبر معبر كرم أبو سالم سمح خلال العام المنصرم بتوريد 18,594 شاحنة معظمها مواد غذائية وسلع استهلاكية وبمعدل 600 شاحنة يومياً، واستمرت القيود الشديدة على توريد عدد كبير من السلع والبضائع الأساسية للسكان خاصة المواد اللازمة لإعادة الإعمار ومشاريع البنية التحتية والمواد اللازمة للتصنيع والإنتاج، وشاب دخول الواردات إلى القطاع عوائق عديدة من بينها إغلاق المعبر التجاري الوحيد لقطاع غزة «كرم أبو سالم» لمدة 10 أيام.

منعت سلطات الاحتلال الصادرات من قطاع غزة إلى العالم الخارجي، وفي استثناء محدود سمحت السلطات المحتلة بتصدير حمولة 274 شاحنة فقط لأسواق الضفة الغربية 246 شاحنة منها محملة بمنتجات زراعية، وشاحنة واحدة محملة بالبهارات، و4 شاحنات محملة بالسمك، وشاحنة أثاث، وشاحنتا ملابس، و20 شاحنة خردة، ويشكل حجم صادرات القطاع خلال فترة التقرير 6٪ فقط من حجم الصادرات قبل فرض الحصار على القطاع في يونيو 2007م.

تعمل المشافي في قطاع غزة بأقل من 40% من إمكانياتها وحتى بعض العمليات الجراحية في مستشفى الشفاء الذي يعد أكبر مشافي القطاع يتم تأجيلها لفترات تصل إلى 18 شهراً.

تصف منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» الكارثة الإنسانية في تقريرها السنوي الصادر في أكتوبر 2015م قائلة إن «غزة قد تصبح منطقة غير صالحة للسكن بحلول عام 2020م، خاصة مع تواصل الأوضاع والتطورات الاقتصادية الحالية في التراجع». وتضيف أن «72% من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي».

الجمود السياسي

إن الحصار الاقتصادي المفروض على قطاع غزة ليس له مبرر إلا المؤامرة الإقليمية والدولية الداعمة للكيان الصهيوني بهدف إسقاط الحق الفلسطيني وتقويض حالة المقاومة في قطاع غزة، فقد عقد الكثير من مؤتمرات المصالحة بين حركتي فتح وحماس بهدف تشكيل حكومة فلسطينية تمثل كافة أطياف الشعب الفلسطيني لكن أي حكومة لم تنجح لأن الفيتو الصهيوني يوضع أمامها، فأمريكا والكيان الصهيوني لا يريدان سلطة فلسطينية تعترف بشرعية المقاومة وحمل السلاح ضد الصهاينة وتوقف التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية الصهيونية، لذلك ترفض حركة حماس أي توافق قد يؤدي لإنتاج حكومة يراد منها منح شرعية للاحتلال وانتزاع حق الشعب الفلسطيني في المقاومة المسلحة ضد المحتل. فقد عقد في فبراير الماضي لقاء الدوحة بين قيادات من فتح وحماس لتقريب وجهات النظر برعاية قطرية لكن بعد يوم واحد فقط أُعلن فشل اللقاء لأن الفيتو الإقليمي والدولي لا يزال موجوداً؛ فمصر التي تنظر بعين العداء لحركة حماس وكذلك واشنطن لا تريدان منح الشعب الفلسطيني المزيد من الأمل في المقاومة من خلال استمرار الحصار.

 :: مجلة البيان العدد  346 جمادى الآخـرة  1437هـ، مـارس 2016م.