تشن النخب الصهيونية حملة دعائية كبيرة لنزع الشرعية عن حق تركيا في التدخل في سوريا للدفاع عن مصالحها القومية والأمنية من خلال التشكيك في الدوافع التي تقف وراء هذا التدخل. وتنظر تل أبيب للتدخل التركي على أنه بالغ الخطورة لأنه يحمل في طياته إمكانية القضاء على هدف الصهاينة المتمثل في تقسيم سوريا إلى دويلات على رأسها الدويلة الكردية، التي تجاهر تل أبيب بحرصها على تدشينها، فقد اتخذت الحكومة الصهيونية قراراً إستراتيجياً بدعم تدشين دولة كردية، تضم كل مناطق تواجد الأكراد، على اعتبار أن مثل هذه الخطوة تخدم مصالح تل أبيب الإستراتيجية. وبحسب النخب الصهيونية، فإن الدويلة الكردية في سوريا تحسن من فرص إعلان إقليم كردستان شمال العراق الاستقلال عن القطر العراقي، بشكل يفضي إلى توحد الدولتين الكرديتين في دولة واحدة، تكون حتماً في علاقة تحالف مع الكيان الصهيوني. وقد زخرت الأدبيات الصهيونية بالحديث عن العلاقة الوطيدة التي كانت تربط تل أبيب بأكراد العراق، وقد صدر في تل أبيب مؤخراً كتابان تحدثا بشكل خاص عن طابع العلاقة الخاصة التي كانت تربط الكيان الصهيوني بأكراد العراق، لاسيما دور هؤلاء الأكراد في تهجير يهود العراق لفلسطين المحتلة بعيد الإعلان عن الكيان الصهيوني. وكما يقول عوزي ديان، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية إن تدشين دولة كردية يعني منح الكيان الصهيوني قاعدة متقدمة في العراق وسوريا، مشيراً إلى أن مثل هذه الدولة ستحرص على تنسيق خطواتها مع تل أبيب. ولا يكتفي ديان بالدعوة إلى مساعدة الأكراد دبلوماسياً وسياسياً وإعلامياً بل يحث على توجيه دعم عسكري ومادي سخي لأكراد سوريا، على اعتبار أن مساعدتهم على تدشين الدولة ستفضي إلى تحسين البيئة الإستراتيجية للكيان الصهيوني بشكل جذري.

وقد دعا رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته السابق أفيغدور ليبرمان المجتمع الدولي صراحة لمساعدة الأكراد في إقامة دولتهم المستقلة. ويرى كوبي ميخال، الباحث في مركز أبحاث الأمن القومي الصهيوني أن تأسيس دولة كردية سيسهم في إرساء دعائم نظام أمني إقليمي يعزز الاستقرار، ويحسن المكانة الإستراتيجية للكيان الصهيوني، على اعتبار أن هذه الدولة ستكون في تحالف مع تل أبيب والغرب. وهناك في تل أبيب من يطالب بأن يحرص الكيان الصهيوني على الدفع نحو حلول للأزمة في سوريا بشكل يفضي إلى ضرب المصالح التركية. ويرى وزير الداخلية الصهيوني السابق جدعون ساعر والجنرال جابي سيبوني الباحث في «مركز أبحاث الأمن القومي» أن تقسيم سوريا يجب أن يفضي إلى تشكيل 4 دويلات من بينها دويلة كردية يمكن أن تتحد مع نظيرتها في شمال العراق، على اعتبار أن هذا الحل يضمن، مع أمور أخرى، تقليص هامش المناورة أمام تركيا. وبحسب الجنرال رؤفين إيرليخ، مدير «مركز تراث الاستخبارات ودراسة الإرهاب» الصهيوني فإن الإنجازات التي حققها الأكراد في مواجهة «تنظيم الدولة» سواء في العراق وسوريا تؤهلهم للحصول على دولة.

من هنا، لم يكن من المستهجن أن ينطلق الكيان الصهيوني من افتراض مفاده أن التدخل التركي في سوريا يمثل تهديداً مباشراً لمصالح تل أبيب في المنطقة، على اعتبار أن هذا التدخل يقلص من فرص تمكن الأكراد من تأسيس دولة لهم، وهو ما يمثل مصلحة إستراتيجية لتل أبيب. وقد بات من المتعذر حصر تصريحات وإفادات المسؤولين الصهاينة التي تؤكد أن مصلحة تل أبيب أن ينتهي الصراع الدائر في سوريا إلى التقسيم. ومن هذا المنطلق فقد شنت النخب الصهيونية حملة للتشكيك في دوافع التدخل التركي في شمال سوريا. فقد قالت نخب صهيونية على علاقة بدوائر الحكم في تل أبيب إن إعلان رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو أن منفذي عملية التفجير في قلب العاصمة أنقرة هم إرهابيون من أكراد سوريا غير صحيح وجاء فقط لتبرير التدخل التركي السعودي في المنطقة. وهناك ما يدلل على أن تل أبيب تلعب دوراً من وراء الكواليس في توفير الظروف التي تقلص من قدرة تركيا على التدخل في سوريا من خلال الاستعانة بأبواقها في واشنطن، لاسيما اللوبيات اليهودية القوية، التي تعمل بالتنسيق مع قادة الأغلبية الجمهورية في الكونجرس وذات تأثير كبير على عدد من كتاب الرأي المؤثرين في الصحافة الأمريكية، الذين يشككون في الدوافع التركية. من هنا، لم يكن من المستهجن أن يعود وزير الحرب الصهيوني موشيه يعلون لاتهام تركيا باستيراد النفط من «تنظيم الدولة» من أجل تعزيز مكانته.

لكن محاولة إيذاء تركيا تتوقف فقط على التشكيك في دوافع أنقرة للتدخل في سوريا بل تتعداه إلى أمور أخرى، فقد تعاظمت الدعوات في تل أبيب للاعتراف بما يسمى «كارثة الشعب الأرمني»، مع العلم أن النخب الصهيونية ظلت تتجاهل هذه القضية عندما كانت العلاقات مع تركيا تسير بشكل جيد. وقد دعا يوسي بيلين الرئيس الأسبق لحركة «ميريتس»، التي تمثل أقصى اليسار الصهيوني، وكان وزيراً للقضاء، إلى استغلال الأزمة مع تركيا والمبادرة بالاعتراف بـ«الكارثة التي حلت بالشعب الأرمني على أيدي الأتراك». وأعاد بيلين للأذهان أن نواب حركته قد قدموا في الماضي مشاريع قوانين تدعو البرلمان للاعتراف بهذه «الكارثة». وقد دعا النائب عوفر شليح، النائب عن حزب «ييش عتيد»، الذي يمثل الوسط، إلى الاعتراف بـ«كارثة الشعب الأرمني».

وقد تزامن التحرك الصهيوني ضد تركيا مع الحديث عن جهود تبذل لإصلاح العلاقة بين تل أبيب وأنقرة. فمن الواضح أنه برغم أن هناك إمكانية أن يتم التوصل لاتفاق ينهي الخلاف بين الجانبين، بحيث يتم استعادة العلاقات الدبلوماسية، إلا أن تل أبيب تتعامل مع تركيا كعدو وتنطلق من قناعة أن العلاقات ستنفجر مجدداً عند أول اختبار جدي.

وفي إطار مشاورات عقدت في ذلك الوقت داخل الحكومة والمؤسسة الأمنية، فقد تقرر شن حملة لمهاجمة تركيا وشيطنتها عبر اتهامها بدعم التنظيمات «الإرهابية، من خلال التركيز على شخص أردوغان». وقد تجسد هذا القرار في الحملة التي شنها وزير الجيش الصهيوني موشيه يعلون على أردوغان، حيث أخذ يصف أردوغان بأنه «متطرف إسلامي، يساعد التنظيمات الإرهابية التي تعمل ضد إسرائيل». وفي مناسبة أخرى قال يعلون: «العالم يبدي تسامحاً مع دول تدعم الإرهاب، وضمنها تركيا، هذه الدولة تدعم الإرهاب، وهي عضو في الناتو».

اللافت أن الكيان الصهيوني لا يرى إلا ذاته فقط ويتجاهل الأطراف الأخرى، فمن أجل مصالحه يتوجب على تركيا أن تواصل تحمل أعباء العمليات الإرهابية التي تشنها التنظيمات الكردية.. ومن أجل مصالحه يتوجب أن تقسم سوريا ويبقى بشار الأسد على رأس دويلة وينتهي الشعب السوري في مواطن اللجوء.

:: مجلة البيان العدد  346 جمادى الآخـرة  1437هـ، مـارس 2016م.