لا غنى للإنسان عن العناية بما يحفظ حياة قلبه أو يجددها، وينير له قلبه؛ «فإن أصل كل خير وسعادة للعبد كمال حياته ونوره، فالحياة والنور مادة الخير كله، قال الله تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام: 122]؛ فجمع بين الأصلين: الحياة والنور، فبالحياة تكون قوته وسمعه وبصره، وبالنور يحصل الإضاءة والإشراق، وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم  متضمن للأمرين، فهو روح تحيا به القلوب، ونور تستضيء وتشرق به»[1].

ومن تكامل الشريعة الإسلامية أنها راعت الجوانب المادية والروحية فلم تغفل عن أيهما، بل أخذت بميزان القسط فيهما فلم تغلب المادة، والتي تؤدي غلبتها إلى تفكك الروابط الاجتماعية ونضوب معاني التعاطف والتراحم من القلوب، ولم تغلب الروحانية المهملة للحس والجسد المؤدية لوقوف النمو الحضاري.

ونتيجة لهذا القسط في مراعاة الواقعية والمثالية، واحتياجات الروح، والجسد نجده يربط بين التجارة والعبادة مدخِلاً الاحتياطات الروحية النفسية ضمن الاحتياجات الجسدية المادية في تناسق مبدع: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ 36 رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإقَامِ الصَلاةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور: 36، 37].

وفي هذا العصر الذي طغت فيه الماديات على الروحانيات، صار عند الناس توق ونهم شديدان للحصول على التغذية الروحية كردة فعل للخواء الروحي والاهتمام المادي الطاغي، ولا شك أن هذه ردة فعل متوقعة؛ إذ كل فراغ لا بد أن يملأ بشيء، ولو أن هذا الفراغ الروحاني جرى إمداده بالتغذية الإيمانية الحقيقية، والتي مع إمدادها للروح بطاقتها التي تحتاجها لا تغفل الجانب المادي، وذلك من خلال أنواع التعبدات والابتهالات وقراءة القرآن والأذكار المشروعة في الخلوات لوجدت مبتغاها وحققت التوازن الذي فاتها. لكن الواقع أن تغذية هذا النقص تنكبت الطريق الشرعي، فقد عالجه كثيرون بالروحانيات الفاسدة الغريبة على الفطرة، والتي تستند لأنواع من الخرافات المدعومة بالقبول في العالم الحديث، وهذا تسبب في عدم توازن الإنسان بين حاجات الروح والبدن، إيغالاً في فلسفيات مسرفة في تأمل عوالم الغيب، والبحث عن طاقته الخفية، أو بالالتحاق بتنظيمات خارجة عن العرف الاجتماعي المقبول. وكل هذا كان يمكن تلافيه لو توازن الإنسان في عنايته بالروح والبدن، قبل أن يدفعه الظمأ الروحي لذلك.

وإن من المناهج الروحانية المعاصرة اعتقاد قدرة الإنسان على الترقي الروحاني للوصول إلى أن يتمكن من رؤية الأشياء والحوادث غير المنظورة، وقد يؤثر في الأشياء المادية، كشفاء المرضى، وتحريك الأشياء، ويتمكن من معرفة أنواع القوى والطاقات في الناس حوله، والهالة المحيطة بكل شخص لمعرفة ماذا يريد، ومعرفة كيفية التأثير عليه، وقد يصل ذلك إلى معرفة المستقبل أو الماضي ورؤيته لتحليل الواقع بناء عليه، والذي قد يحتاج لحصول إغفاءة أو غيبوبة للوصول له. وهذا يحتاج لمران وتدريب، واجتماعات أو جلسات اتصال روحية مع بعض الملامسات البدنية، وجلسات التأمل والتنفس والاسترخاء، والحديث مع النفس، إلى غير ذلك. وهذه الوسائل وجدت لها قبولاً في المجتمع المسلم إضافة لما فيها من تحقيق حاجة الروح، لكون ممارساتها الظاهرية لا تشعر بالريبة، ولكون من يقدمها ويدعو إليها ممن يظهر عليهم الصلاح والرشد[2].

وبغض النظر عن هذه المناهج مهما تعددت أنماطها، وتغيرت أساليبها، وبغض النظر عن أصولها الفلسفية، فإني سأحاول في هذه الورقات أن أعرض موجهات أساسية في هذا الموضوع تنبه لما يعنينا وهو المحافظة على سلامة المعتقد.

أولاً: قدرات الإنسان وطاقاته لها حدها الذي لا يمكن تجاوزه:

فقد خلق الله تعالى الإنسان محدود القدرات بما أمكنه الله تعالى منها ووهبه له، وهي مهما تفاوتت بين البشر لها حد لا يمكنه تجاوزه، فالله تعالى بحكمته جعل له من القدرات والقوى ما يمكنه من ممارسة حياته في الكون، فليس في وسع الإنسان أن يحصل من القدرات ما يخرج عن هذا، قال تعالى: {إنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْـجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37]، قال القرطبي: «يعني لن تتولج باطنها فتعلم ما فيها، {وَلَن تَبْلُغَ الْـجِبَالَ طُولًا} أي لن تساوي الجبال بطولك ولا تطاولك، أي لن تخرق الأرض بكبرك ومشيك عليها، {وَلَن تَبْلُغَ الْـجِبَالَ طُولًا} بعظمتك، أي مقدرتك لا تبلغ هذا المبلغ، بل أنت عبد ذليل، محاط بك من تحتك ومن فوقك، والمحاط محصور ضعيف»[3]. وقال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْـجِنِّ وَالإنسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: ٣٣]، قال ابن عباس في معنى الآية: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله تعالى. وعنه أيضاً أن معنى {لا تَنفُذُونَ إلَّا بِسُلْطَانٍ} لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم[4].

وكل ما يحصله الإنسان هو خاضع فيه لقدرة الله تعالى، يسلبه منه إن شاء أو يبقيه له، فملك الله له لا ينفك عنه، قال تعالى: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [العنكبوت: ٢٢]، وقال تعالى: {أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ} [يونس: 31]؛ ولذلك يعلم الإنسان في سعيه لزيادة قدرات بدنه وعقله أن سعيه محدود بما مكنه الله منه، وليست هذه القدرات لديه غير محدودة بشيء، وهو مع ذلك تحت تدبير الله تعالى، لا يصل لشيء إلا بإذنه سبحانه.

وعليه، فما أخبر الله تعالى أنه لا يصل إليه طوق البشر فلا معنى لسعي الإنسان إليه؛ فهو ليس إليه، وما نهى الله تعالى عنه فليس للإنسان أن يسعى إليه ولو كان يظن أنه يتمكن منه، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، قال ابن كثير: «قوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أي: من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم؛ ولهذا قال: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا} أي: وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى، والمعنى: أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى»[5].

ثانياً: قوة الروح البشرية مرتبطة بقوة العلاقة بالله:

على قدر صلة العبد بالله تعالى تكون قوة روحه، وغذاؤها، وصحتها، ولا سبيل للعبد لتقوية روحه بغير ذلك، وما يشعر به الإنسان بسلوكه لأي طريق روحاني آخر هو شعور مطموس، كالوهم لا حقيقة له، ولكن قد تعمى القلوب وتنطمس الفطر ببعدها عن الاهتداء بنور كتاب الله تعالى.

 «جميع ما يبدو للقلوب من صفات الرب جل جلاله يستغني العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها. فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهية وقام بحقه من التعبد الذي هو كمال الحب بكمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية، فقد تم له غناه بالإله الحق، وصار من أغنى العباد، ولسان حال مثل هذا يقول:

غنيت بلا مال عن الناس كلهم

وإن الغنى العالي عن الشيء لا به

فيا له من غنى ما أعظم خطره وأجل قدره، تضاءلت دونه الممالك فما دونها، وصارت بالنسبة إليه كالظل من الحامل له، والطيف الموافي في المنام الذي يأتي به حديث النفس ويطرده الانتباه من النوم»[6].

ثالثاً: التأثيرات الخفية التي لم يثبتها شرع صحيح أو علم قطعي لا يجوز تصديقها:

كل من اعتقد وجود تأثير فلا بد أن يثبت أنه مؤثر بدليل من الشرع أو من القدر، ولا بد أن يكون التأثير ظاهراً مباشراً، وإلا وقع في خلل في اعتقاده، وفي منهجيته في التفكير. وما كان تصديق المخرفين والمشعوذين إلا بمثل هذا؛ فلا بد أن تكون العلاقة بين السبب والأثر علاقة ظاهرة ومباشرة. أما الأمور الخفية التي لم تثبت علمياً بشكل قاطع فإن الإنسان يصدقها إن أخبره بذلك من يعلم الغيب سبحانه، فإن لم يكن كذلك لم يجز له تصديق هذا الخبر، وصار قبوله من جنس تصديق الأوهام والخرافات.

وطريقة الشرع منع الإنسان من تصديق أي تأثير لشيء خفي إلا إذا دل عليه دليل الكون القطعي، أو دليل الشرع الصحيح، ولذا شدد من منع إتيان الكهان والعرافين، مع إمكان أن يحصل علمهم عن طريق إخبار الجن ببعض المعلومات، ولكن لما كان طريق ذلك خفياً فقد منع منه الشرع مطلقاً وكل ما هو «محال أن يكون معلوماً من طريق الحس، وليس نصاً من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله، بل قد جاء عنه أنه قال من أتى عرافاً أو كاهناً أو منجماً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، وهذه هي الطرق التي تثبت بها الموجودات وتعلم بها حقائق الأشياء لا طريق ها هنا غيرها»[7].

رابعاً: العناية بالكون المشاهد إصلاحاً وتعميراً مقدمة على غيرها:

الواقع من سالكي هذه الطرق تكريس اهتمامهم بالمغيبات والقوى غير المعتادة وتأثيراتها، وتقديم الاهتمام بها على الاهتمام بما هم فيه من شغل واجب متأكد، ومصالح الإنسان إنما ترتبط وتتحقق في واقعه لا في هواجسه وعالمه الغائب عن الإدراك. ولا يسوغ في مقتضى العقل والمصلحة أن يتشاغل الإنسان عما هو واقع فيه فعلاً لمراعاة أمور خفية مغيبة لا يدري عنها.

وقد بحث القرافي في الفروق قاعدة تتعلق بالترجيحات بين الأمور والأعمال المختلفة لينضبط للإنسان ما قدمه الله تعالى على غيره، وقرر أنه إذا تعارضت الحقوق قدم الفوري منها على المتراخي، ولذا يقدم ما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته وإن كان أعلى رتبةً منه[8]. وليس من العقل أن يترك الإنسان ما هو حاصل مما يستدعي التدخل للإصلاح والمعالجة، ليهتم بما لا وجود له سوى في ذهنه، مع ما في ذلك من تقصير شرعي.

خامساً: الواجبات الشرعية لا تترك ولا تعطل ما دام الإنسان مكلفاً:

فالمسلم مطالب بما أوجب الله عليه، مأمور بما جاء في الشرع إيجاباً أو ندباً، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يعتقد المكلف اعتقاداً أو يفعل مخالفاً لما أمره الله تعالى به، وكل منهج أو أسلوب للحياة يعطل شيئاً من أحكام الشريعة الإسلامية أو يفسرها بغير حقيقتها فهو منهج جاهلي لا يجوز سلوكه.

 وكل ما يوهم أن الحاضر أو المستقبل يحتاج لخرم قاعدة شرعية أو حكم شرعي فهو وهم من إلقاء الشياطين لا يصح اعتباره ولا التعويل عليه، بل التشريع الإسلامي عام لكل زمان ومكان[9]. وقد أمرنا الله تعالى بالعمل ولم يجعل لذلك أمدًا إلا بانقضاء الأجل قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: ٩٩] وإن من الواجب على المسلم أن يدافع قدر الله تعالى بقدره، فإن عمل الأسباب لا يعارض القدر بل هو منه.

سادساً: كل ما جرى أو سيحصل مستقبلاً هو بقدر الله لا راد لحكمه:

وهذا هو الإيمان بالقضاء والقدر، وهو ركن من أركان الإيمان مطلوب من كل مكلف، ومن لم يؤمن به لم يؤمن بالله.

 إن كل ما في هذا الكون إنما يجري بأمر الله تعالى فلا يقدر العبد أن يرد شيئاً قد قدره الله وقضاه، وما كان في الكون من أمور تجري على خلاف مراد العبد ومصلحته، فإنه بإيمانه بالقضاء والقدر يدرك أن في هذا الابتلاء حكماً عظيمة من تمحيص للمؤمنين، ورجوع لله تعالى، ورجوع للنفس بالبحث عن أسباب التقصير لتلافيها، فالله تعالى حكيم عليم.

كما أن إيمان العبد بقدر الله يجعله ينعتق من القلق الذي يسببه الخوف من المستقبل والذي أصبح ظاهرةً عالمية، ولعلها من أسباب التعلق بالمناهج الروحانية، حتى قرر بعض المختصين أن السمة النفسية الأبرز في هذا العصر هي الشعور بعدم الوثوق في المستقبل، وصار لدى عدد كبير من المفكرين وغيرهم إحساس بعدم القدرة على فهم ما يجري حولهم، وربما نظر بعضهم للحاضر على أنه عصر انحطاط بلا أمل، وأن مصيره مؤسف، وأن التحديات التي تواجه العالم أصبحت غاية في التعقيد، ولا أمل في حلها[10]، بينما المؤمن، لإيمانه بقدر الله يثق بالله تعالى، وتتسع آماله، ويتيقن أن هذه المصائب فيها من الحِكم والنعم ما لا يظهر بادي الرأي.

فليتلمس الباحث النعم التي هي في طي المحن والمصائب في ضوء قوله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]. وكذلك فإن الإيمان بالقدر يجعل من المسلمات عند المؤمن أن تعامله إنما هو مع الأسباب التي تفضى في الغالب إلى نتائجها، لكنها مع ذلك أسباب محضة قد تتخلف آثارها ولا تتحقق نتائجها إذا أراد الله تعالى فهو مسبب الأسباب سبحانه.

سابعاً: الكون يجري على وفق نواميس وسنن كونية لا تتغير في هذه الحياة:

من حكمة الله تعالى أن أجرى الكون والحياة الإنسانية على سنن ونواميس تتمثل في قوانين مطردة تجعل الأحداث مرتبطة ببعضها ارتباط مسبب بسبب أو نتيجةٍ بمقدمة، وواقع كثير من المتعلقين بالمناهج الروحانية الحديثة أنهم يسعون من خلال تدريباتهم إلى الوصول إلى ما يخالف ما هو ثابت في الكون مطرد فيه، وهذا مع مخالفته للعقل، فهو مخالف لما أمر الله تعالى به من الاعتبار بهذا الكون المشاهد، واستلهام العبرة منه، والإنسان في مسيرة تطوره العلمي إنما حقق هذه النتائج من خلال معرفته بالسنن التي فطر الله الكون عليها - كقوانين الحركة والضوء ونحوها - مما ارتقى بحياته المادية إلى آفاق لم تخطر على بال السابقين - وكذلك فإن الإنسان لن يرتقي بحياته الإنسانية والحضارية إلا بتعرفه على السنن التي أجرى الله عليها حركة الحياة البشرية من أجل أن يستثمرها ويحسن التعامل معها لتستقيم حياته[11]، وليس عن طريق محاولة اختراقها أو تجاوزها، قال ابن القيم رحمه الله: «وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، ومن تفقه في هذه المسألة وتأملها حق التأمل انتفع بها غاية النفع»[12].

وبعد، فإن الجناية على الروح بحرف فطرتها تعادل الجناية على البدن، وما أعظم إثم من قتل مؤمناً {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: ٣٩] فكيف والفتنة أشد من القتل! قال ابن القيم: «والله تعالى فطر عباده على الفطرة المستقيمة؛ وهى ملة الإسلام؛ كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ 30 مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتَّقُوهُ} [الروم: 30، 31]». ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، فهل تحسون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها»، ثم قرأ أبو هريرة: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}. فجمع النبي عليه الصلاة والسلام بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لا بد أن يغيرهما، فغير فطرة الله بالكفر، وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها، وغير الصورة بالجدع والبتك، فغيروا الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة[13].

أسأل الله تعالى أن يوفقنا لمرضاته، ويغفر لنا ما أسرفنا.

:: مجلة البيان العدد  346 جمادى الآخـرة  1437هـ، مـارس 2016م.


[1] إغاثة اللهفان (1/ 20).

[2] انظر: الثيوصوفيا، مريم ماجد عنتابي، المؤثرات الغيبية في النفس الإنسانية، فوز عبد اللطيف كردي، المذاهب الفلسفية الإلحادية الروحية، فوز كردي.

[3] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/ 261).

[4] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (17/ 170).

[5] تفسير ابن كثير (5/ 116).

[6] طريق الهجرتين وباب السعادتين ص43.

[7] مفتاح دار السعادة (2 / 149).

[8] الفروق (2/203).

[9] انظر: الموافقات (2/266 ).

[10] المستقبلية ص15؛ رؤية مستقبلية للتربية والتعليم ص26.

[11] حقيقة فقه الواقع، مطبوع ضمن ندوة: نحو فقه سديد لواقع أمتنا المعاصر (1/338)، الدكتور عبد الرحمن الزنيدي.

[12] الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص14.

[13] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 106).