تعد اللوبيات أو جماعات الضغط أهم وسائل ممارسة العمل السياسي في الولايات المتحدة، حيث تميل بعض الدول إلى تمويل مؤسسات وجماعات لرعاية مصالحها في الولايات المتحدة والتأثير على القرار السياسي واستمالة بعض السياسيين. وهو الأمر الذي ينطبق على إيران أيضًا التي تمتلك جالية يزيد عددها عن 1.5 مليون إيراني مقيم في الولايات المتحدة.

تعاظم دور هذا «اللوبي الإيراني» حتى نجح في تحقيق مكاسب بإزاء اللوبي الأوسع شهرة ونفوذًا في الولايات المتحدة (لوبي الكيان الصهيوني)، وتوجت جهوده بتوقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية، ثم ضمان تمريره في الكونجرس. ويعد بعض الخبراء نائب وزير الخارجية الإيراني الأسبق، صادق خرازي الذي أقام في الولايات المتحدة بين عامي 1989 و1996م، مصمم اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أخذ يشبك بين مؤسسات غير حكومية ومنظمات سياسية ومدنية وشركات تجارية لها مصالح اقتصادية مشتركة مع النظام الإيراني.

نشاط هذا اللوبي تعاظم ووصل إلى أوجه في عهد الرئيس الإيراني محمد خاتمي، ثم تراجع نشاطه في عهد أحمدي نجاد، لكن مع وصول روحاني للسلطة في يونيو 2013م زاد نشاطه، وتكثفت تحركاته في أوساط الجالية الإيرانية في الولايات المتحدة؛ وذلك بهدف استغلال الحماس القومي لديهم وتجنيدهم للعمل لصالح سياسات النظام الإيراني وأهدافه.

يعيش عدد كبير من الإيرانيين حول لوس أنجلوس، لذلك أطلق عليها البعض «طهران أنجلوس» أو «إيران أنجلوس»، كما تضم كلًّا من «بيفرلي هيلز» و«إرفاين» أكبر الجاليات الإيرانية الأمريكية، وهو ما يفسر كيف وصل الإيراني الأمريكي «جيمي جامشيد دلشاد» إلى منصب عمدة بيفرلي هيلز عام 2007م، ثم إعادة انتخابه في 2010م.

يرى كثير من الباحثين والمحللين للشأن الإيراني أن الهدف الأساسي للوبي الإيراني هو إقناع الإدارة الأمريكية وأصحاب القرار في الكونجرس بضرورة بقاء نظام الجمهورية الإسلامية، والتسوية معه حول تقسيم النفوذ في الشرق الأوسط وصيانة المصالح الأمريكية، إضافة إلى أهداف أخرى منها تشويه صورة دول الخليج العربية وعلى رأسها السعودية، وذلك بتصويرها على أنها مصدر الإرهاب وعدم الاستقرار في المنطقة وليس إيران.

من أبرز مهام هذا اللوبي قيامه بتنظيم حملات للترويج للمفاوضات الأمريكية الإيرانية، والدفاع عن الاتفاق النووي في مواجهة الانتقادات في أمريكا، حيث أخذ اللوبي الإيراني خاصة في واشنطن يدعو لإسقاط العقوبات بشكل غير مشروط عن إيران التحالف معها، وقام من أجل ذلك بالعديد من النشاطات كالندوات، وإصدار دراسات، وعقد مؤتمرات، ونشر مقالات في صحف أمريكية متنوعة، وإقامة صداقات مع باحثين وخبراء أمريكيين.

مليون ونصف المليون إيراني موجودون في الولايات المتحدة الأمريكية، يملكون ما يقارب 400 مليار دولار، أكثرها نفوذًا المجموعة التي ترتبط بصناعة النفط، حيث استطاعت أن تخلق مصالح مؤثرة، إلى درجة أنه أصبح لها منافع مالية لها أولوية على المصالح الوطنية الأمريكية. ويجمع اللوبي الإيراني أمواله من التبرعات والدعاية والضغط والعلاقات مع الكبار، بعض هذه الأموال تستخدم لمكافأة الأكاديميين الذين يكتبون ما يرضي إيران، والمؤسسات التربوية التي تصدر دراسات تخدم مصلحة طهران.

لعب اللوبي الإيراني دورًا مهمًا وقويًّا بشهادة الخبراء، إذ تمكن من شن حملة ضد الكيان الصهيوني والمجموعات المؤيدة له في البيت الأبيض للمضي قدمًا في الصفقة النووية مع إيران، استهدفت الحملة رئيس وزراء كيان الاحتلال الصهيوني أبرز المعارضين ظاهريًّا للاتفاق. يقول «تريتا بارسي» مؤسس ورئيس المجلس الوطني الإيراني الأمريكي NIAC: «إن لوبي إسرائيل ليس معصومًا عن الخسارة! ويمكن للوبي فتي [اللوبي الإيراني] أن يلحق هزيمة بالإسرائيليين، وذلك بالتحالف مع تيارات داخلية أخرى»، مؤكدًا أن الخاسر الأكبر في هذه المعركة هو السياسات واللوبي المؤيد للكيان الصهيوني بقيادة أيباك.

يعد المجلس القومي للإيرانيين في أمريكا (ناياك) أقوى مؤسسة للوبي الإيراني في الولايات المتحدة، ويرأسه الإيراني الأمريكي «تريتا بارسي»، وينشط المجلس في الدفاع عن سياسات إيران، والذي حل مكان منظمة أخرى كانت تعمل لوبيًا لصالح إيران تحت اسم المجلس الإيراني الأمريكي، الذي تأسس عام 1997م، وكان يتزعمه «هوشنك أمير أحمدي»، الذي لعب دورًا كبيرًا في تخفيف العقوبات على إيران والالتفاف عليها، وقد استمر نشاطه حتى عام 2008م. كما توجد مؤسسة «بيناد علوي» التي أسسها شاه إيران عام 1973م في نيويورك تحت اسم «بيناد بهلوي» ثم تغير اسمها بعد أن سيطر عليها الملالي في إيران بعد الثورة إلى «بيناد مستضعفان»، ثم إلى «بيناد علوي»، ويسيطر عليها الآن وزير الخارجية الإيراني الحالي والسفير الإيراني السابق في واشنطن محمد ظريف.

وتصر المؤسسة على أنه لا علاقة لها بالنظام الإيراني إلا أن «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي أي) كشف أن رئيس المؤسسة «فرشيد جاهدي» قام في عام 2008م بإتلاف وثائق تثبت أن المؤسسة سددت جزءًا من أموالها لبنك ملي في طهران مملوك للحكومة الإيرانية، وأن جزءًا من الأموال قد يكون جرى استخدامه في تمويل البرنامج النووي الإيراني. وتشير المصادر الإعلامية إلى أن المؤسسة تمتلك ناطحة سحاب في قلب مدينة نيويورك تعود عليها بإيجارات ضخمة تستخدمها في تمويل أكثر من 30 مؤسسة تعليمية في عموم الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى تلك المؤسسات هناك شخصيات إيرانية تلعب دورًا بارزًا في دعم إيران في الولايات المتحدة، ومن أبرز الشخصيات الإيرانية «تريتا بارسي»، إذ يعد هذا الإيراني ذو الجنسية السويدية أحد أبرز الإيرانيين في أمريكا، انتقل إليها في 2001م، وأسس وترأس المجلس الوطني الإيراني الأمريكي NIAC، وأصبح ممثل اللوبي الإيراني، ومع هذا يرفض بارسي الذي عمل في البيت الأبيض الاعتراف بوجود لوبي موالٍ لطهران. وهو صديق لوزير الخارجية الإيراني جواد ظريف منذ أكثر من عقد.

وهناك أيضًا «سحر نوروزيان» التي تعمل مستشارة للأمن القومي الأمريكي، وهي المسؤولة عن الملف الإيراني في مجلس الأمن القومي الأمريكي، كما عملت لدى «المجلس القومي للإيرانيين في أمريكا» (ناياك)، وهو المركز الذي عمل دائمًا من أجل الدفاع عن مصالح إيران في أمريكا، وشخصيًّا كان لنوروزيان دور مهم في إنجاح التوصل إلى  الاتفاق النووي. و«فريال جواشيري» التي تعمل كاتبة خاصة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، وهي مساعدة لأوباما منذ كان عضوًا في الكونجرس الأمريكي، والتحقت عام 2007م بالحملة الانتخابية لأوباما، في قطاع التخطيط، وكانت الأولى في مجلس الأمن القومي بمنصب مستشار مساعد مستشار الأمن القومي، كما لا يُنكر دور «فاليري جارت» أقرب المستشارات إلى أوباما، وأكثر الشخصيات تأثيرًا عليه، وتوصف بأنها كاتمة أسراره وصاحبة الكلمة الأخيرة، وقد تناول تقرير لصحيفة «يديعوت أحرنوت» مستوى تأثير جارت فذكر أنها لعبت دور الوساطة السري بين الولايات المتحدة وإيران قبل إجراء المباحثات النووية، وقال بعض المقربين من البيت الأبيض للصحيفة العبرية إن جارت تدخلت بشكل مباشر في القرارات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية في ملف إيران النووي.

والسؤال المهم ما هو الهدف القادم للوبي الإيراني في مرحلة التحالف الإستراتيجي بين أمريكا وإيران؟! ويل للعرب من شر قد اقترب!

:: مجلة البيان العدد  345 جمادى الأولى  1437هـ، فـبـرايـر  2016م.

googleplayappstore