شهد العراق بعد تفجيرات سامراء التي حدثت في صباح الأربعاء 22/2/ 2006 ضروباً شتى من الصراعات السياسية والطائفية والتصدعات الاجتماعية التي مزقت جسد العراق وانعكست سلباً على مستوى الاستقرار المحلي ووحدة النسيج العام .

 ولعل أخطر ما مر به العراق في تاريخه على الإطلاق ظاهرة الانقسام الطائفي والعرقي التي بدأت تستشري في المجتمع العراقي بعد الاحتلال وبلغت أوجها بعد تفجيرات سامراء.

بدا عندها الشارع العراقي وكأنه ينزلق إلى أتون حرب أهلية طاحنة فجرت الوضع السياسي والمذهبي والاجتماعي بل انفرط عقده أو هكذا كان يبدو، إذ بلغ التوتر السياسي والطائفي ذروته ولم يشفع التدخل الحكومي ولا اجتماعات رجال السياسة ونداءات عقلاء القوم بتجنب السقوط في فخ السياسة الأمريكية والدولية المتصارعة على أرض العراق فلم يغير ذلك من مسار الفتنة شيئاً.

الأحداث التي جرت بعد تفجيرات سامراء من إحراق أكثر من 200 مسجد سني وقتل الآلاف من أهل السنة بواسطة عناصر شيعية متشددة (أهمها ميليشيا جيش المهدي وفيلق بدر)، تلك الأفعال طرحت تساؤلات عدة أبرزها: ما مدى إمكانية التعايش المذهبي في العراق بعد تلك الأحداث؟ ولاسيما بعد أن نعلم أن أزمة القضية العراقية الراهنة إنما جاءت نتيجة طبيعية لتحالف السياسة الأمريكية والصفوية في العراق وما جر ذلك من تداعيات خطيرة على مقومات التعايش المذهبي والطائفي في البلد.

ولم يتوقف أمر الاعتداءات عند هذا الحد من العدوانية وإزهاق الأرواح وهدم المساجد وتخريب الواقع الاجتماعي لأهل السنة بل تبعتها ممارسات جعلت من المعاناة سرطاناً يسري في الجسد العربي السني يوماً بعد آخر.

وقد بدأت الحملة مجدداً مع تولي نوري المالكي الدورة الأولى لرئاسة الوزراء منتصف العام 2006م وبدأت دوامة جديدة من الممارسات التعسفية تمثلت في الاعتقالات اليومية لشرائح العلماء ورواد المساجد ومختلف الطبقات الاجتماعية.

فقد أخذ الاستهداف الطائفي في أول أشكاله تصفية الرموز إما بالاغتيال أو بتلفيق ملفات الاتهام تمهيداً لاعتقاله أو خروجه من العراق نتيجة لذلك التهديد، وقد استخدمت الحكومة هذا الأمر مع قيادات تتبوء مناصب قيادية في الدولة العراقية كل ذلك بدعوى تجفيف منابع الإرهاب.

وقد أفضت هذه الاعتداءات المتكررة إلى خروج الحراك السلمي لأهل السُنة والذي تقدم بمطالب واضحة للظلم الذي مورس بحق هذا المكون من التهميش والإقصاء ومصادرة القرار وتكميم الأفواه وصولاً إلى التصفية الجسدية.

وحين امتنعت الحكومة الطائفية في العراق عن معالجة مطالب المتظاهرين لجأت إلى الخيار المسلح، وذلك باستهداف المعتصمين في مدينة الفلوجة من القوات الحكومية وسقوط العديد من الضحايا والمصابين عقب تهديد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بإنهاء ما أسماه آنذاك «فقاعة».

وجاء الاعتداء مرة أخرى لكنه أخذ طابع الهجوم المباشر وحرق الخيم للمعتصمين في مدينة الحويجة حيث سجلت المنظمات الحقوقية داخل العراق وخارجه العديد من الانتهاكات.

وتتمثل معاناة أهل السُنة في العراق من أدوار متعددة فأولها الدور الدولي: حيث تعمل مخابرات دول العالم وبلغت الإحصاءات عن وجود نشاط لأكثر من 65 جهاز مخابرات دولي وإقليمي وعربي يتصدرها كل من إيران وروسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفقاً للتأثير والانتشار.

وتأتي إستراتيجية السلطة في استخدام العنف المفرط بما يتسق مع ثقافة الميليشيات ناهيك عن سياقات الأمن والاقتحام العنيف التي اعتنقت كعقيدة وافدة من شركات الأمن القومي الخاصة، والتي تجعل من المواطن عدواً افتراضياً في كل مكان، إضافة إلى التنكيل والقتل خارج القانون والتعذيب والاغتصاب في السجون.

كما لعبت الأحزاب المتنفذة بالعراق ولا سيما الطائفية منها بالعديد من ممارسات الترهيب والاغتيالات في العراق بشكل منظم.

ومما يجدر الانتباه إليه الدور الخطير للميليشيات، ففي العراق الآن ما يقارب 55 ميليشيا طائفية تعتنق الطائفية السياسية، وتمارس نشاطها بشكل علني أمام أنظار السلطة وبالتنسيق مع قواتها، وهذه الميليشيات لم تكن موجودة قبل غزو العراق.

ويشكل الفساد منظومة متكاملة تمارس الدعاية والترويع والتضليل والإرهاب لبسط نفوذه بالعراق، فضلاً عن وجود التنظيمات المسلحة كالقاعدة وداعش التي تشكلت أواخر أبريل/ أوائل مايو 2013 في سوريا، وهي صناعة مخابراتية إقليمية وقد جرى استقدامها للعراق من أفغانستان عبر إيران التي تؤمن ملاذاً وتدريباً لها وتسهل مرورها لغرض فرض الاضطراب والإرهاب وتوظيفه سياسياً وأمنياً وتبرر تدخلها في الشؤون العربية كما هو معلوم للجميع.

وفي خضم هذا المناخ المقلق تنشط الجريمة المنظمة كالمخدرات وتبييض الأموال والاتجار بالبشر والسلاح والقتل والاغتيالات، وكذلك الجريمة المحلية والتي تطورت أساليبها وأشكالها، ولعل أبرزها عمليات الخطف والابتزاز وسرقة المصارف والاغتيالات وأصبحت هذه العصابات رديفاً للإرهاب والقائمة تطول.

في حين تتركز أنظار العالم على الفظائع التي يرتكبها «داعش» حيثما حل، من العراق وسوريا إلى ليبيا، فإن الخطر الكبير الذي تشكله الميليشيات الشيعية في العراق والدول المجاورة وبالذات تلك المرتبطة مباشرة بإيران لا يحظى بأي اهتمام ملحوظ، وبينما تبدي إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تحمساً واضحاً لضرب داعش فإن حرص البيت الأبيض على التقارب مع سلطات طهران أتاح المجال للأخيرة لاستغلال الوضع لتعزيز قبضتها الميدانية على العراق وسوريا وغيرهما من دول المنطقة. ولكن أي خطوات فعالة لضرب داعش، وفي مقدمتها الإعداد لتحرير مدينة الموصل - كبرى مدن شمال العراق - من قبضتها، لا بد أن يسهم فيها المقاتلون السنة. ولن يكون متيسرًا الرهان على هؤلاء، طالما واصل المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، غض النظر عن تجاوزات الميليشيات الشيعية العراقية والتزامها التام بأوامر قيادة الحرس الثوري الإيراني.

مع ظهور «داعش» في العراق وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف متناقض ومزدوج في آن واحد، إذ اضطرت إلى الدخول في حرب إلى جانب أحد ألد أعدائها، أي الدولة الإيرانية والميليشيات الشيعية التابعة لإيران التي اتهمت أخيرًا بارتكاب عدد من الجرائم الطائفية، ومع ضربات التحالف الجوية باتت الولايات المتحدة تؤمِّن، ولو بشكل غير مباشر، الغطاء الجوي ليس لحكومة بغداد فحسب، بل أيضا للميليشيات العراقية التي ترتكب شتى انتهاكات حقوق الإنسان في مناطق عدة من العراق.

كما برزت قضية التغيير الديمغرافي في المناطق السنية الخاضعة للسلطة المركزية وبالتعاون مع فصائل الحشد الشيعي الذي يشكل المساحة الأمنية الأكثر تأثيراً في المشهد العراقي اليوم، حيث تضطلع هذه المجموعات بدور الموجه للمؤسسة الأمنية بكل تشكيلاتها في تلك المناطق.

وقد برزت على السطح قضية المقدادية المدينة الأقرب حدودياً إلى إيران والتي شهدت مؤخراً العديد من أعمال القتل وحرق المساجد والتهجير المباشر للسكان الأصليين.

إذ تأتي هذه الممارسات في سياق استخدام القوة المفرطة بغطاء حكومي من أجل فرض واقع اجتماعي جديد يكون بديلاً عن السنة العرب في الأماكن الحدودية مع دولة ولاية الفقيه.

كما أن الإعلام الموجه ساهم بشكلٍ كبير في تغييب الحقائق وإغفال الحقوق وتلميع القتلة والحض على القتل عبر الشاشات خصوصاً أن في العراق ما يقارب 250 وسيلة اتصال تحرض بشكل طائفي بدعوى مكافحة الإرهاب.

ويبقى الملف الأمني العراقي مرتهن بالملف السياسي، وفي ظل غياب السيادة والرؤية الوطنية والمهنية، وسيادة فلسفة حكومة المذهب وجيش الطائفة، وفتح أبواب العراق وحدوده للميليشيات والتنظيمات الإرهابية، وتعاظم روح الكراهية والضغينة الداخلية، فإن الأمن يبقى مفقوداً ويبقى العراق مرجلاً للعنف ومصنعاً للإرهاب بدعم دولي وإقليمي وحكومي وغير حكومي وحزبي ليتفق الكل على إدامة سوق الإرهاب بالعراق.

:: مجلة البيان العدد  345 جمادى الأولى  1437هـ، فـبـرايـر  2016م.

ملف العراق