الواضح من الممارسات التي حدثت في العراق بعد احتلاله عام 2003 أن الهدف الأساسي من الانتهاكات هو التغيير الديمغرافي لمناطق السنة العرب في العراق، ولهذا الهدف عملت كل الحكومات التي أتت مع الاحتلال على هذا الأساس، ولا نعفي «بريمر» أو «إياد علاوي» من هذه التهمة، فما حصل في الفلوجة من دمار للإنسان والحجر باستخدام الأسلحة المحرمة هو بداية لما يحصل اليوم من قصف فيها، وإذا كان قانون دمج الميليشيات ومن ثم قانون تحويل أموال وأملاك الأوقاف من الوقف السني إلى الوقف الشيعي، وتغيير المناهج الدراسية هي الخطوات القانونية في هذا الاتجاه فإن ما يسمى بقانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 جاء لإتمام هذه الخطة بشقها القانوني، والذي استند بعمله وتطبيقه إلى قانون المخبر السري، وبه أصبحت أي جريمة ترتكب من العرب السنة «إرهاباً»، بينما الشيعي الذي يرتكب جميع الجرائم المحددة بهذا القانون يتم تكييف قضيته وفق القانون الجنائي، وهذا فقط إن كان خصمه من الشيعة، أما إذا كان المجني عليه من أهل السنة فلا قضاء ولا ساسة ينصفونه، وإذا ما أردنا أن نسرد بعض الأمثلة التي تحفظها ذاكرتنا ممن نعرف شخصياً فالقائمة تطول ولن يسعها كتاب لا مقال.

ولنذكر أمثلة يعرفها الجميع ومرتكبوها معروفون للجميع فضلاً عما تعج به المواقع الإلكترونية من تفجير واستهداف لأكثر من ألف جامع ومسجد لأهل السنة، وآخرها ثلاثة في بابل بعد إعدام «النمر»، وعشرة في المقدادية ما زال دخانها لم ينطفئ، وجرائم استهداف المتظاهرين في شباط 2011، وكذلك في 2013 حيث تم استهداف المتظاهرين في الفلوجة وفي جامع سارية، والموصل، والحويجة التي شاهدها العالم بما صدر عن الأجهزة الأمنية من تصوير لتلك الجريمة، وما يصدر يومياً من أفلام عن جرائم للقوات الحكومية وميليشيا الحشد الشيعي من جرائم اعتقال وحرق وتقطيع وتعذيب وتدمير بحق أهل السنة، وهذا غيض من فيض من الجرائم التي ترتقي لجريمة إبادة، هدفها ألا يبقى في العراق إلا شيعي أو متشيع، ولكن السؤال ماذا عملت الحكومة وعلى رأسها من يدعون تمثيل أهل السنة؟ وماذا فعلت الأمم المتحدة والولايات المتحدة وجميع منظمات حقوق الإنسان في العالم بحق مرتكبي هذه الجرائم؟ والجواب وبشكل قاطع: لا شيء!

ولا تختلف فترات حكم حزب الدعوة (الجعفري، المالكي، العبادي) إلا من خلال المستوى المتدرج للانتهاكات، فعندما عشنا فترة حكم الجعفري، وهي لم تتجاوز السنة إلا بقليل، ارتكبت خلالها كل الجرائم بواسطة وزير داخليته «صولاغ أبو الدريل»، اليد الطولى للمد الصفوي الحاقد على أهل السنة المدعوم من الاحتلال الأمريكي البريطاني، فاستبيحت بعهدهما كل حرمات أهل السنة، فكان الاعتقال والقتل على الهوية السمة البارزة لتلك المرحلة، فكانت جميع الاعتقالات تتم دون سند قانوني ولا أمر قضائي، وهو ما استمر إلى يومنا هذا، فكان كل من يجدونه بعملية الدهم هو متهم يجب اعتقاله، وانتشرت معها الجثث مجهولة الهوية معلومة الطائفة، وهي تحمل أبشع آثار التعذيب مرمية في مكبات الأوساخ وفي جميع شوارع بغداد والمناطق التي تدخلها القوات الأمنية ليلاً، حتى وصلت تلك الجثث إلى حدود إيران فوجد العشرات منها، وازداد الأمر بعد تفجيرات سامراء فكان القتل يتم جهاراً نهاراً بعلم المجتمع الدولي الذي لاذ بالصمت، فكشف زيف الادعاء بحمايته لحقوق الإنسان حيث كانت تلك الجرائم ترتكب بعلم القوات الأمريكية وتحت حمايتهم، حتى تمنينا بعد تمرير الدستور بحسب رؤية طائفية لمن كتبه أن يأتي من يأتي ليحل محل هذه التشكيلة، لعله يخفف عنا وطأة تلك الجرائم، ولم نكن نأمل إزالتها في ظل الدعم الدولي لتلك العصابات التي احتلت السلطة في العراق.

وتعالت الأصوات المهللة بقدوم المالكي وعندها أصبح العمل وفق قانوني الإرهاب والمخبر السري اللذين كما بينا صمما لاستهداف أهل السنة فقط زاد البلاء والابتلاء، فمن لم يهجر ويترك منزله في مرحلة حكم الجعفري - وهو الهدف من جرائمه - كان الاعتقال نصيبه ودون مذكرة قانونية أيضاً ليجد نفسه مغيباً عن العالم، فبدأت ظاهرة الجثث التي لم تختفِ إلا بشكل متوازن كي لا تثير زيادة في الضجة الإعلامية فقط، فكان يتم دفن من يقتل وبصمت في مقابر النجف الشيعية والتي أصبحت بالآلاف لعدم استطاعة ذويهم مراجعة الطب العدلي لاستخراج تصريح دفن إن علموا بهم، ومن لم يعلم حينها علم لاحقاً بفاجعته، وقد تحولت اليوم تلك الجثث التي طالت العلماء والمفكرين وكبار الضباط والطيارين من الجيش السابق ورموز أهل السنة فضلاً عن العامة إلى دليل ضد أهل السنة، وأصبح من قتل في تلك المرحلة بقدرة قادر من الشيعة، وكان القضاء ولا يزال الركن الحصين والحامي للجرائم الطائفية، ليس فقط بتجاهل حقوق الضحايا من أهل السنة بل من خلال تكرار إصدار الأحكام على حادث واحد، كما في تفجير وزارتي المالية والخارجية حيث نفذ حكم الإعدام بحق ثلاثة مجاميع لا ربط بينهم، والحكم على أكثر من ألف شخص أغلبهم من أهل المدائن بتهمة تفجير معمل للبيبسي! وما زالت هذه الأمثلة تتكرر يومياً، وآخرها نهاية 2015م حكمت محكمة في ديالى على المجموعة الثالثة بتهمة قتل ضابط من أهل السنة قتل في المقدادية، وآخر هذه المهازل هو تصفية المعتقلين قبل المحاكمة من قبل الحكومة بمسرحية لا تنطلي على أحد، كما حصل مع من تم اعتقالهم بحجة اقتحام كنيسة الحياة في الكرادة، فتم قتل جميع المتهمين بهذه القضية بعملية اقتحام لمقر مكافحة الإرهاب في بغداد، فقد كانت كل الدلائل وشهادات من كان في الكنيسة تدل على أن الهدف كان سرقة المصرف المقابل للكنيسة وبعد فشلهم بعملية الاقتحام دخلوا الكنيسة، ولم تظهر الحكومة أي جثة بعد عملية تحرير الرهائن في الكنيسة، والأمثلة كثيرة في دليل على أن عمليات انتزاع الاعترافات كانت وما زالت تتم تحت أبشع أنواع التعذيب التي يتم القبول بحكم الإعدام على الاستمرار بتحمله، فكان عدد المعتقلين بازدياد حتى وصل عشرات الآلاف سنوياً، وفي حملة واحدة تم فيها اعتقال أكثر من خمسة آلاف شخص بحجة تأمين عقد مؤتمر القمة العربية، ومع مضي أكثر من ثلاث سنوات على المؤتمر ما زال من اعتقل رهن الاعتقال، كيف لا وأن من قام بعملية الاعتقال العميد عبد الأمير قد اصطحب معه جميع القضايا التي لم تحسم من مراكز الشرطة من مناطق الاعتقال وجلها في حزام بغداد ليتلافى الاعترافات التي كانت تتم حول أشخاص أحياء أو جرائم غير حقيقية؟! فحقق للمالكي ما عجز عنه الآخرون، وهو إفقار أهل السنة واضطرارهم لبيع بيوتهم بأبخس الأثمان، فكان يتم ابتزاز المعتقلين والمخطوفين مالياً لإطلاق سراحهم، وفي أغلب الحالات يتم دفع المبلغ دون إطلاق سراحه، وخاصة في عمليات الاختطاف التي تتم من الميليشيات الحكومية، حيث غالباً ما تنتهي بقتل المختطف.

ولم تتوقف عمليات القتل الطائفي بل إنها زادت مع انتشار الأسلحة الكاتمة للصوت، فهي لا تحدث ضجة في المكان، فيحسب الناس أن حمل السلاح قد خف انتشاره في الشارع، فالكشف الأخير عن وجود طائرات في مطار بغداد تحمل شحنات كاملة من الأسلحة الكاتمة للصوت بيان ودليل على وقوف الحكومة وميليشياتها الطائفية خلف هذه العمليات.

عمليات الاعتقال والقتل والتهديد غيرت الطبيعة السكانية في بغداد وحزامها الذي كان يمثل في مجمله تجمعات لأهل السنة سكانياً وتملكاً للأراضي، وشملت هذه العمليات الجميع، بل كل من يرفع صوته ضد المالكي من الصحفيين والسياسيين والمتظاهرين في العام 2011، فتم تصفية العشرات في تلك المرحلة، وبعد أن خرج أهل السنة في المحافظات الستة في مظاهرات منددة بما نالهم من جرائم وانتهاكات مارستها الحكومة، للمطالبة بإخراج المعتقلين وأولهم النساء اللاتي شكلن نسبة كبيرة ولم يعد الأمر يخفى على أحد، فتعامل المالكي مع تلك المظاهرات بشكل طائفي لم يخفيه من خلال تصريحاته المتكررة، رافضاً منح الحقوق لأهلها، فمارس ما يعرف عنه بإجرامه من تنفيذه لتفجيرات في العراق من أيام ما يسمونها بالمعارضة وهم يدعمون إيران في حربها ضد العراق، فاستخدم النار وبشكل ينم عن ذلك الحقد ضد أهل السنة فاستهدف المتظاهرين في ساحاتهم بالاعتقال والقتل فتم اعتقال أغلب رموز المتظاهرين للنيل من عزيمتهم، مع أن المظاهرات كانت سلمية ولم يتم فيها إطلاق رصاصة واحدة، فتم استهداف المتظاهرين في الموصل والفلوجة وجامع سارية في بعقوبة والحويجة، ومنها عميلة فض ساحة الاعتصام في الرمادي نهاية عام 2013، فكانت الشرارة التي أيقن بها أهل السنة حتى من كان يدافع عن هذه الحكومة أنها لا تعرف إلا القوة، عندها استعان المالكي بإيران وجميع الميليشيات الشيعية حتى التي كان يقف ضدها فمارست أبشع أنواع الإجرام من استهداف المصلين كونهم الحلقة الأضعف فتم استهداف العشرات من جوامع بغداد، وأبشعها كان استهداف جامع «لا الله إلا الله» في منطقة العثمانية جنوب بعقوبة، وجامع مصعب بن عمير شمال شرق بعقوبة، وفي كليهما وقع العشرات من الضحايا من قبل أشخاص معلومين دون أن يتم وإلى يومنا هذا اعتقالهم أو حتى صدور مذكرة باعتقالهم.

وفي هذه المرحلة تم تصفية أغلب المعتقلين في سجونهم، أو أثناء نقلهم كما حصل في التاجي والطارمية وبعقوبة وبابل، وهي عملية مبيتة تستهدف القضاء على أهل السنة، واستمر هذا المسلسل بتنفيذ أحكام الإعدام فإذا كان ما يسمى بالرئيس (الطلباني الكردي) قد عين نائباً لشؤون الإعدامات وهو خضير الخزاعي الشيعي فإن الرئيس الحالي (فؤاد معصوم الكردي) قد صادق في يوم واحد على إعدام 1200 معتقل.

وناضل من يسمون أنفسهم بنواب أهل السنة لاستبدال المالكي كما ناضلوا بالإتيان به فكان العبادي! ذلك الحمل الوديع الذي جاء بفتوى من المرجعية الشيعية، ومعها فتوى ما سمي بالجهاد الكفائي، فأطلق العنان لأفعالها وبعد أن كانت تحمل صفة خارجة عن القانون بدل صفتها الحقيقة الإرهابية أصبحت تمتلك الشرعية القانونية! فهي اليوم قوة فوق الدولة، وحتى وزير الدفاع السني يأخذ الأمر منها وهي من يحرك القطاعات العسكرية لا هو، فمارست أبشع أنواع الانتهاكات وبمباركة ممثلي أهل السنة، فعملوا على انتزاع بغداد بالكامل فهم يصولون ويجولون بسياراتهم التي لا تحمل أرقاماً، ولا يستدل عليها إلا من الأعلام الطائفية التي يرفعونها، وبعد أن كانت تلك الميليشيات بقانون «بريمر» لا تتجاوز 13 ميليشيا أصبحت اليوم تزيد عن 65، كيف لا وهي لا يحكمها قانون ولا يقيدها أمر! وكل من ينتقد أفعالها ولا نقول يقف بوجهها وإن كان يحمل حصانة برلمانية فهو متهم بالإرهاب، خاصة وأن هادي العامري وأبو مهدي المهندس هما من ينسق لها مع إيران وبغطاء جوي أمريكي وتحالف دولي يضم 60 دولة، ولذلك فقد مارست أبشع أنواع الجرائم التي تعج بها مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى سبيل الاختصار سنذكر بعضها ومنها جريمة «بروانة» في المقدادية حيث قتل في يوم واحد أكثر من 73 مدنياً أثناء دخولهم لمناطق السعدية وجلولاء، وكذلك الأمر مع جرف الصخر شمال بابل، ويثرب وبلد جنوب تكريت، وتكريت وبيجي، وجميع هذه المناطق التي دخلها الحشد تم فيها تدمير جميع الجوامع، فلم يسلم منها أي جامع، فضلاً عن عمليات الاعتقال التي كانت تطال المدنيين ممن لم ينخرطوا مع المسلحين، وهذا يشمل أيضاً قوات البيشمركة وجميع الميليشيات الكردية واليزيدية، وبدعم ومشاركة من عناصر خارجية من إيران، وأمريكا، والكيان الصهيوني، وفرنسا، وكندا. ونذكر ما تناولته مواقع الميليشيات الشيعية من أفلام مثل اختطاف لأكثر من 150 شخصاً في بلد، والعشرات في تكريت، وأكثر من 400 شخص ممن سلموا أنفسهم للقوات الحكومية في معارك الرمادي التي تجري هذه الأيام، فضلاً عما أعلنته مصادر برلمانية وعشائرية عن اختطاف أكثر من 1300 شخص من قبل ميليشيات الحشد في سيطرة الرزازة، وما سبقه من اختطاف 150 شخصاً من داخل مدينة سامراء التي تسيطر عليها الميليشيات، وما زال مصيرهم مجهولاً إلى يومنا هذا، وهذه الشواهد هي للأشهر القليلة الماضية فقط، وهي دليل على استمرار مسلسل الاعتقال والاختطاف والاختفاء النهائي دون محاسبة. فمن أمن العقاب أساء الأدب!

وتهدف العمليات العسكرية السابقة والحالية بصورة خاصة إلى تدمير كل البنى التحتية وعلى رأسها الجوامع والمنازل، إذ تشير جميع المصادر أن المسلحين لم يسرقوا أو يدمروا المدن التي يخسرونها في المعارك، فيما كانت القوات الحكومية وميليشيا الحشد الشيعية تستبيح كل شيء فتسرق وتحرق وتدمر ما لا يمكن حمله من بيوت ومزارع، والهدف الأساسي هو منع عودة الأهالي بالقوة، أو لعدم إمكانية العيش في ظل التدمير الحاصل، فإلي يومنا هذا وبعد مرور سنة على دخول تلك المناطق لم يسمح برجوع العوائل إليها.

وفي إشارة مختصرة لما يجري في المقدادية، يعيدنا الحديث إلى تاريخ ممنهج من عمليات الإجرام، فبعد كل تفجير أياً كان فاعله ومن المستهدف منه كان يتم استهداف الجوامع والمدنيين من أهل السنة العرب، بقتلهم في مكان الانفجار أو في مجلس العزاء وشوي الأطفال فيها، لا ذنب لهم إلا لأنهم من أهل السنة، وينتهي الأمر دائماً كما انتهى بتكريم القادة الآمنين على تسهيلهم ارتكاب تلك الجرائم، وما تكريم مدير شرطة ديالى العميد جاسم السعيدي بحصوله على رتبة لواء إلا جزء من عقيدة طائفية تحكم العراق تهدف للقضاء على أهل السنة فيه.

وهذه الإشارات إلى ما ارتكب بحق أهل السنة من جرائم تمثل جريمة بحق الإنسانية لأنها كانت تستهدف مكوناً بكامله وفق منهجية عامة وبمباركة الحكومة وغطاء عالمي غربي وإسلامي، الغرض منها القضاء على العرب السنة في العراق، وإذا كانت الحكومة تعمل وفق عقيدتها باعتبار أهل السنة كفاراً ويجب قتلهم، فإن من يدعي أنه ممثل لأهل السنة فإنه يتحمل الجزء الأكبر لهذه الجريمة كونه منح الشرعية للحكومات المتعاقبة، ما منح العالم الذي يدعي دفاعه عن الحرية الحجة البالغة لتغافله وصمته، وليستمر معها قتل أهل السنة وبصمت أيضاً.

 :: مجلة البيان العدد  345 جمادى الأولى  1437هـ، فـبـرايـر  2016م.

ملف العراق