بعد قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257] استعرض القرآنُ ثلاثة من الأدلة على ذلك؛ أي على ولاية الله للمؤمنين بإخراجهم من ظلمات الشبهات والشك إلى نور اليقين والبرهان والحق.

قال ابن عاشور رحمه الله: «وبهذا يتضح وجه تعقيب هذه الآيات بآية: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة: 258] ثم بآية: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} [البقرة: 259] ثم بآية: {وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْـمَوْتَى} [البقرة: 260] فإنَّ جميعها جاء لبيان وجوه انجلاء الشك والشبهات عن أولياء الله تعالى الذين صدق إيمانهم»[1].

وهذه الآيات الثلاث هي عبارة عن حوارات مختلفة المضامين والأشكال، ففي الآية الأولى حوار بين رجلين، بين إبراهيم عليه السلام والنمروذ، يُقصد منه محاجة الخصم بالبرهان والبينة، وفي الآية الثانية حوار بين الله جلَّ في علاه وأحد أنبياء بني إسرائيل وهو عزير على المشهور من الأقوال[2]، في قصة طويلة لم يكن الحوار فيها مكتفياً بالاستدلال العقلي، بل جرت فيها معجزة ربانية رآها عزير بعينه، تثبت ما خطر في قلبه من استبعاد أن يرجع الميت حياً، وفي الآية الثالثة حوار بين إبراهيم عليه السلام وربه جلَّ في علاه، لم يكن الحوار فيها يتطرق إلى الدليل العقلي لثبوته عند إبراهيم عليه السلام، وإنما أذن الله لإبراهيم عليه السلام أن يكون طرفاً في دليلٍ حسي ومعجزة ربانية.

مسألة إبراهيم عليه السلام:

قال الله تعالى: {وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْـمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260].

معنى الآية ظاهرٌ في أنَّ إبراهيم عليه السلام خاطب ربه سائلاً إياه أن يريه كيفية إحياء الموتى عياناً، فسأله ربه وهو أعلم به عن إيمانه، حيث يدل ظاهر السؤال على وجود خواطر في القلب حول هذه المسألة، فأجابه إبراهيم ببقاء إيمانه، وأنه بسؤاله يريد أن يطمئن قلبه حتى لا تغلبه تلك الخواطر العارضة، فأمره الله تعالى أن يأخذ أربعة أجناس من الطير، ثم يذبحها ويقطعها أشلاء ثم يجعل هذه الأشلاء فوق عددٍ من الجبال موزعة عليها، وأمره بعد ذلك أنْ يدعو الأجناس من الطير الممزقة فتلتئم ثم تأتيه مسرعة كهيئتها قبل أن يذبحها؛ ليرى بأم عينيه إمكانية إحياء الموتى.

الخواطر الطافية:

لم تكن هذه المسألة من إبراهيم عليه السلام بالأمر الهيِّن، لأنها أولاً غيبٌ لا يعلمه إلا الله، ولا يدرك كنهه إلا هو سبحانه، والإيمان بالغيب من أعز صفات المتقين كما قال تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: ٢، ٣] ولسنا مأمورين بالبحث عن هذه الكيفية، ولأنها ثانياً بدرت من رجلٍ كريم على الله قد اتخذه الله خليلاً لما حلَّ بقلبه من الإيمان والتجرد والصدق مع الله سبحانه، ولأنها ثالثاً تنبئ عن وجود خاطرٍ في القلب لا يصدر عادة ممن كمل إيمانهم، ولذلك جاء الاستفهام عقب مسألة إبراهيم عليه السلام مباشرة: «أوَ لم تؤمن؟»، وقد ذكر شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله في تفسيره اختلاف السلف في سبب سؤال إبراهيم عليه السلام، ويمكن تلخيص ما ذكره في أربعة أقوال[3]:

القول الأول: أنه سأل هذا السؤال بغرض الحصول على عين اليقين، بعد أن توافر في قلبه علم اليقين.

القول الثاني: أن هذا السؤال بسبب المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين النمروذ في ذلك، حيث تاق قلبه لمعاينة الإحياء، من غير شك.

القول الثالث: أن هذا السؤال ليطمئن قلب إبراهيم باصطفاء الله له خليلاً، فسأل ربه أن يريه علامة عاجلة تدلُّ على ذلك.

القول الرابع: أنَّه عليه السلام شكَّ في قدرة الله على إحياء الموتى، علماً أن «الشك» هنا ليس هو الشك الذي يذكره الأصوليون، والذي يعني التوقف بين أمرين ولا مزية لأحدهما على الآخر؛ كما نبَّه إلى ذلك ابن عطية رحمه الله[4]، وإنما هو الخواطر الشيطانية العارضة.

ثم قال الطبري رحمه الله: «وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما صحَّ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال، وهو قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، قال رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أو لم تؤمن)، وأنْ تكون مسألته ربه ما سأله أنْ يريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرض في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفاً من أنَّ إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر، قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء؛ ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيم حينئذٍ ربه أنْ يريه كيف يحيي الموتى ليعاين ذلك عياناً، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أنْ يلقي في قلبه مثل الذي ألقى فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك، فقال له ربه: أو لم تؤمن؟ يقول: أو لم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر؟ قال: بلى يا ربِّ، لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رؤيتي هذا الحوت»[5].

لسنا هنا بصدد تفصيل الأقوال وترجيح المسألة، ومما ينبغي تسجيله هنا أن كثيراً من المتأخرين يردُّون هذا القول ولا يقبلونه، لكنه يبقى وجيهاً قوياً قد رجحه ابن جرير الطبري رحمه الله وهو من علمتَ رأسٌ في التفسير، إمام في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارف بالقراءات وباللغة[6] قال عنه الخطيب البغدادي في تاريخه: «كان أحد أئمة العلماء يُحكَم بقوله، ويرجع إليه لمعرفته وفضله، حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين، له كتاب التفسير لم يصنف أحد مثله»[7]. وقد حكى رحمه الله هذا القول بسنده عن عطاء بن أبي رباح، وأنَّ ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ما في القرآن أرجى عندي منها»، وقال رضي الله عنه: «هذا لِما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم عليه السلام بأنْ قال: بلى»[8]. واستدل على ذلك بالحديث: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، قال ابن حجر رحمه الله فيه: «وحمله أيضاً الطبري على ظاهره، وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان، لكنها لم تستقر ولا زلزلت الإيمان الثابت»[9].

نعود إلى القول بأن مسألة إبراهيم عليه السلام رؤية الكيفية التي بها يحيي الله الموتى ليست بالهينة.. وهنا تعجبُ من أمرين:

الأمر الأول: أنَّ إبراهيم عليه السلام مع رسوخ قدمه وعلوِّ شأنه وصِدق إيمانه يعرِض مسألة على ربه يريد بها أنْ يدفع الخاطر الذي يلقيه عليه الشيطان مما ينافي الإيمان.

والأمر الآخر وهو أعجب: أن الله تعالى - وهو الرحمن الرحيم - لا يُعرِض عن هذه المسألة لكونها في ظاهرها تدلُّ على هذا الخاطر، وإنما برحمته سبحانه يجيب إبراهيم عن مسألته ويدلُّه على ما تقرُّ عينه به من معاينة الإحياء.

والدرس التربوي الكبير في هذا الموقف الذي خلَّده القرآن الكريم أنَّ الخواطر والشبهات والوساوس والأفكار مما يتسلط به الشيطان على عباده الصالحين، مهما علت منازلهم، فهم بحاجة دائمة إلى التخلص منها ببرد اليقين ومعاينة الحقيقة، لا الكبت ولا الإعراض ولا الاستدلال بوجودها على سوء حال حاملها. فهذا إبراهيم عليه السلام كما يقول عطاء بن أبي رباح: «دخل قلبه بعض ما يدخل قلوب الناس»[10]، أي من الخواطر والوساوس الشيطانية.

والدرس التربوي الآخر هو التعاطي الإيجابي مع أولئك الذين طفت على قلوبهم خواطر ووساوس وأفكار لا ينبغي أنْ تصدر من أمثالهم، برحمة وعطف وحجة بينة ومصداقية في الطرح، لتزول هذه الوساوس والأفكار عن قلوبهم بالكلية، وليندحر الشيطان اللعين.

الحوار لغة التربية:

الحوار هو التعاطي الحقيقي لمسألة ما، حيث يتحدث طرفان أو أكثر في هذه المسألة، ويجيبون عن إيرادات بعضهم البعض بسلاسة وسعة بال مستصحبين ذوقاً عالياً وأدباً جماً، مريدين تحقيق نتيجة نزيهة. إنه التجاوب الدافئ المملوء بالرحمة والحب، إنه التحدث بكل ما يحمله صدرك من معطيات حول مسألة النقاش، والإنصات إلى كل ما يقوله الطرف الآخر حول هذه المسألة.

وهو من أكبر المظاهر الدالة على أن المسار التربوي يتجه نحو تحقيق الهدف، بل إنك لتستدلُّ على جودة تربية الأبناء بمجرد رؤيتك لأبيهم وهو يحاورهم. بل إن الاستدلال بوجود الحوار على صحة المسار التربوي عند المعلِّم الذي يحاور تلاميذه أقوى، لأن الرحمة والحب مغروسان بالفطرة عند الوالدين، بينما هما فضلٌ في المعلِّم، فإنَّ المعلِّم المربي يتقمص دور الوالدين في الرحمة والحب، فيجد نفسه بين تلاميذه أباً رحيماً وأماً حنوناً وأخاً كبيراً، يستمع إلى كلامهم ويعالج أفكارهم ويناقش شبهاتهم ويوضح ما التبس عليهم ويدمغ وساوسهم بالحجة الواضحة، دون عناء ولا ملل، ودون كبت ولا عزل، ودون تصنيفٍ ولا تأطير، لذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» حتى لا يجنح أحدٌ إلى التصنيف بمجرد عرض الشكوك والشبهات.

لقد كان الرد الرباني على مسألة إبراهيم عذباً تلمس منه رحمة الله وحبه اللذين من خلالهما وجد إبراهيم عليه السلام منفذاً إلى سؤال الله سبحانه هذه المسألة العظيمة، وما كان لإبراهيم أنْ يفعل ذلك لولا سعة إدراكه برحمة الله له وحبه إياه.

الرحمة والحب هما الصفتان اللتان تحفِّزان تلاميذنا على أن يَعرِضوا علينا كل تلك الخواطر الطافية على قلوبهم، مما ألقته عليهم الشياطين، فجعلتهم يدوكون لياليهم بحثاً عن إجابة، فيعمد المعلم المربي إلى إيضاحها باقتدار، في جوٍّ من الأمان.

حين جاء ذلك الفتى الشاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «يا رسول الله! ائذن لي بالزنا!». فأقبل الصحابة عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال النبي الرحيم صلى الله عليه وسلم: «ادنه». فدنا منه قريباً. فجلس. قال صلى الله عليه وسلم «أتحبه لأمك؟» قال: «لا والله! جعلني الله فداءك». قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. أفتحبه لابنتك؟» قال: «لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداءك». قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم. أفتحبه لأختك؟» قال: «لا والله! جعلني الله فداءك». قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم. أفتحبه لعمتك؟» قال: «لا والله! جعلني الله فداءك». قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم. أفتحبه لخالتك؟» قال: «لا والله! جعلني الله فداءك». قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». فوضع يده عليه، وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فرجه». فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء[11].

في وقفة يسيرة أمام هذا الخبر نستطيع القول إن الإشكال الذي عرضه هذا الفتى الشاب مركَّبٌ من أمرين: شهوة جامحة بالزنا، وطلبٌ باستحلاله حتى يسقط عنه إثم هذه الكبيرة.

ولا شكَّ أنَّ غيرة الصحابة رضي الله عنهم تحركت في هذا الموقف، وإنْ لم تكن الغيرة على الدين، فإن الغيرة المجردة على الأعراض كافية في وجود المسوِّغ للتعامل مع هذا الفتى بما تمليه دوافع الغيرة، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنَّ مجرد القوة في التعامل مع الإشكالات الوجدانية والفكرية ليست حلاً، كما أن استخدام السلطة لوحدها لوقف هذه الإشكاليات لا يؤدي إلى نتيجة جيدة، وأنَّ الحوار الإيجابي كفيلٌ بأنْ ينتزع بذور الشبهة والخاطرة من قلبه انتزاعاً، كما أنَّ الرحمة والعطف والحنان والدعاء ستُغرق لهيب الشهوة فتنطفئ نارها في قلبه.. فعمد صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأسلوب الحميمي الرائع.

ومما ينبغي الوقوف عنده السؤال الذي يقول: كيف لفتى شاب أن يقف بين جموع المسلمين الغيارى على حرمات الله، ثم يجهر أمام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الطلب غير المتوقع؟ ألم يعلم بأنَّ دولة الإسلام تجرِّم الزنا؟ ألم يعلم بأنه حين قال تلك الكلمة أنه بين أشداء العرب؟

من المؤكد أن هذه الاستفهامات لن تدوم طويلاً إذا تصورنا المناخ التربوي الذي صنعه محمد صلى الله عليه وسلم في أصحابه، وفي البيئة التربوية الحاضنة لهم.. المناخ الذي لا يجعل من المستفيدين تلاميذ فحسب، بل يجعلهم أصحاباً، وفي هذه اللفظة «الأصحاب» ما يوحي بالقرب التربوي بين المعلم والتلاميذ.. المناخ الذي يدفع كل واحد من المتربين إلى أنْ يقول ما لديه وأن يفصح عن ما يدور في خلده وأن يعبِّر عن الأفكار التي تطفو على قلبه وعقله.. حيث لا عقاب ولا تأنيب، ولا عتاب ولا تصنيف. ألم يعيِّر المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أُذُن؟ أي أنه يستمع إلى كل أحد.. فذبَّ الله عز وجل عنه فقال: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيـْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 61]. ألا توحي لك الآية بما كان يتحلى به صلى الله عليه وسلم من الإنصات للناس وسماع أقوالهم والتعاطي معها بجدية؟

الحوار العطوف يشكِّل الشخصية السوية، وذلك أن المتربي يطرح جميع تساؤلاته فيجاب عنها، وتعمل هذه التساؤلات والأجوبة عنها على صناعة شخصيته. والحوار العطوف يبني الثقة في نفس المتربي، حيث يجد أُذناً مصغية إلى هتافات وجدانه، وقبولاً اجتماعياً له حين يتحدث ولو كان مخطئاً، فيشعر بهذه القيمة الكبيرة «تقدير الذات» التي حُرم منها الكثيرون. والحوار العطوف يؤسس العقل الناقد، فليس كل ما يراه أو ما يسمعه يعتبر عنده من المسلمات، بل لا بد من الفحص والاستفهام والاستشكال. إن الشخصية التي تطرح إشكالاتها الكثيرة وتساؤلاتها العديدة ليست شخصية ساذجة أو غبية ولا هي بالثائرة، بل هي شخصية نقدية تعتمد على الاقتناع، ويمثل لها هذا الاقتناع حاجة يجب على المربي إشباعها. والحوار العطوف يزيل الاضطرابات الفكرية، حيث تطفو التشوهات الفكرية على السطح، فيقوم المربي بمعالجتها وتقويمها، فيحصل الرسوخ المطلوب ويتحقق التوازن الذاتي. والحوار العطوف يؤهل لإدارة الأزمات والتعامل السليم مع المواقف حيث تتولَّد ملكة الرأي والاجتهاد، وتجرَّب وتمتحن، وتُصقَل وتهذب، فيصبح صاحبها ذا رأي وحكمة نحتاجه حين تدلهم الأزمات. والحوار العطوف يغرس الرحمة في القلب، لما يتربى عليه المقابل من حسن المعالجة والرأفة والترفق وحب الخير للغير. والحوار العطوف يدرِّب على مهارات الإنصات، حيث يجد المتربي الإصغاء وحسن الاستماع والإقبال عليه وعدم المقاطعة وتفهم القول وتعابير الجسد الناجحة وغيرها من المهارات واقعاً عملياً وسلوكاً ممارَساً فيكون قادراً بعد ذلك على المحاكاة الإيجابية وإتقان هذه المهارات. إن الحوار المملوء بالحب والرحمة فضيلة في حدِّ ذاتها.

ولا تزال تشرق في قلبي صورة الحوار الذي خلده الله تعالى في كتابه، بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وخولة بنت ثعلبة رضي الله عنها، إذ تراجع النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه بتحريمها على زوجها بعد أن ظاهر منها، وهي تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة، غنيَّة ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمتِ عليه». فقالت: يا رسول الله! والذي أنزل عليك الكتاب، ما ذكر طلاقاً، وإنه أبو ولدي، وأحب الناس إليَّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمتِ عليه». فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، قد طالت صحبتي، ونفضتُ له بطني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أراكِ إلا قد حرمتِ عليه، ولم أومر في شأنك بشيء». فجعلتْ تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمتِ عليه» هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، وإنَّ لي صبية إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإنْ ضممتهم إليَّ جاعوا. وجعلتْ ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك... فنزل قول الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [المجادلة: ١][12] ففرَّق القرآن بين الظهار والطلاق، وبقيت في ذمة زوجها أوس رضي الله عنهما.

كان القرآن الكريم وهو يتنزل بين وقت وآخر يربي الناس على أنْ ينصتوا إلى بعضهم ويجيبوا عن تساؤلاتهم في جو من الرحمة والحب. حتى فيما هو محال أرشد القرآن الكريم إلى التعامل مع هذا الظرف برحمة وحب، تأمل الحوار الذي دار بين موسى عليه السلام وربه تبارك وتعالى الذي خلَّده القرآن لنتعلم منه كيف نجيب عن الإيرادات الصعبة أو الإيرادات المستحيلة أو الإيرادات التي لا تنبغي: {وَلَـمَّا جَاءَ مُوسَى لِـمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إلَى الْـجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْـمُؤْمِنِينَ } [الأعراف: 143].

«ما أريكم إلا ما أرى» ..

في الجانب الآخر، خلَّد القرآنُ الكريم اللغة الفرعونية في الحوار، اللغة التي لا ترى شيئاً غير ما دلَّها تفكيرها عليه: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29]، لغة القيادة الكارهة للروح الجماعية؛ وإن تغنَّتْ بها في المجامع، والمهزومة في نفسها أن تواجه الجموع بشعور الحاجة إليهم، والفاقدة للثقة في إمكانات الأفراد المحيطين بها.

قال ابن عاشور رحمه الله: «تفطن فرعون إلى أنه المعرَّض به في خطاب الرجل المؤمن قومَه، فقاطعه كلامَه، وبيَّن سبب عزمه على قتل موسى عليه السلام بأنه ما عرض عليهم ذلك إلا لأنه لا يرى نفعاً إلا في قتل موسى، ولا يستصوب غير ذلك، ويرى ذلك هو سبيل الرشاد، وكأنه أراد ألا يترك لنصيحة مؤمنهم مدخلاً إلى نفوسِ مَلئِه خيفة أنْ يتأثروا بنصحه، فلا يساعدوا فرعون على قتل موسى. ولكون كلام فرعون صدر مصدر المقاطعة لكلام المؤمن جاء فعلُ قولِ فرعون مفصولاً غير معطوف، وهي طريقة حكاية المقاولات والمحاورة»[13].

لم يكتف فرعون برفض الإنصات للقول المخالف وتحكيمه، بل زاد على ذلك خوفه من أن يتأثر الآخرون بسماع هذا القول فيتحولوا إلى وسيلة ضغط عليه!

بينما يتساءل سيد قطب رحمه الله، متهكماً: «وهل يرى الطغاة إلا الرشد والخير والصواب؟! وهل يسمحون بأنْ يظنَّ أحد أنهم يخطئون؟! وهل يجوز لأحدٍ أن يرى إلى جوار رأيهم رأياً؟! وإلا فلم كانوا طغاة؟!»[14].

الاستبداد الفكري ومصادرة الرأي واختزال الصواب في وجهٍ واحد... كل ذلك لا يصنع إلا طاغية ومجموعة من العبيد يلتفُّون حوله مسبحين بحمده مقدسين لرأيه. إنه يكنس ما تبقى من ركام شخصية المتربين أو الأفراد داخل منظماتهم، فلا يبقى لهم كيانٌ يواجهون به المواقف والأحداث، ولا يثبت لديهم جَنان في الأزمات، سيماهم الأيدي المكتوفة والأفواه الفاغرة، تراقب بدهشة وتنظر بحسرة وتتعلق بالرمز. الخواطر الطافية إنْ بقيت دون معالجات فإنها ستتحول مع مرور الزمن وما يحويه من عوامل تعزيزية إلى رواسب فكرية تخلَّ بالبناء التربوي أو التنظيمي - على حدٍّ سواء - وستنحت منهجاً التوائياً لدى الأفراد. قال الغزالي: «أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهلة أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلال، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء؛ فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها، مع ظهور فسادها»[15].

لقد كانت التربية القرآنية تمقت هذه الصورة وتسوقها في مساق الذم، بينما تمجِّد الصورة الأولى: الحوار الإيجابي، لما فيه من صياغة رائعة للشخصية.

ليس فيما أدبنا القرآن الكريم أنْ نتعالى على حديث الآخرين، وليس فيه أنْ نقطع الطريق على صاحب فكرة أو خاطرٍ فلا يستطيع البوح بها والاستفهام عنها. كلُّ حديثٍ مقبولٌ ما دام الإيمان ثابت في القلب، وما دامت الأقدام راسخة في المنهج.

مؤسساتنا والحوار:

في واقع الأمر إنَّ أهازيج «الدعوة إلى الحوار» قد ملأت الأرجاء، ويتردد صداها في كل ناحية، لكن أثرها الملوس لا يكاد يُرى. وإنَّ على المؤسسات المعنية بتغيير المجتمع، سواء كانت تعليمية أو دعوية أو خدمية، أن تتلمَّس موقعها من حقيقة الحوار الذي ربانا القرآن عليه، وتأدب به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.

لا يزال صوت الشباب اليوم صوتاً شاحباً لا تكاد تسمعه القيادات، في الوقت الذي انفتحت عليهم فيه أبواب المعارف والأفكار من كل حدبٍ وصوب، من أفكار وشبهات وأطروحات. على المؤسسات اليوم أن تصنع مناخاً صالحاً للحوار، تعبقه أجواء الحب والرحمة والشفافية، وعلى قيادات الأعمال المتنوعة أن ترخي آذانها للأفراد، وأن تحسن الاستماع والإنصات، فتستمع إلى كل فكرة وتتناول كل أطروحة وتعالج كل شبهة، وأن تتحمَّل في سبيل الحفاظ على هذا المناخ كل ما يترتب على ذلك من أخطاء ومصاعب، بل وكوارث أحياناً، ذلك أن بقاء هذا المناخ مؤشر كبير على «الجماعية» في العمل، و«الأبوية» في التربية. وإن أولئك الشباب الذين بحَّت أصواتهم دون مجيب سينصرفون مدبرين عن هذه القيادات، وستختلف اتجاهاتهم مع مرور الوقت، فمنهم من سيتحول إلى ثائر ناقم يتربص الدوائر، ومنهم من سينكفئ على ذاته رافضاً الجماعية مقبلاً على السلبية، ومنهم من سيبحث عن مناخ صحي يعمل فيه؛ على أحسن الأحوال.

يسود أحياناً في المنظمات والكيانات، بل وفي محاضن التربية وفصول التعليم مفهومٌ خاطئ، يرسم من السكوت والقبول الأعمى صورةً فضائلية، ويجعل من الإيراد وطرح الأسئلة والاعتراضات ذنباً. ولقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم في غاية الطاعة والمحبة له لا يكفُّون عن الطرح والاستشكال، ولم يكن ذلك يقدح في إيمان أحدهم. عددٌ من القصص والأخبار تتوارد على ذهني الآن، لا يمكن حصر كل ما جاء فيها، مثل ما جاء عن عائشة رضي الله عنها، حين استشكلت على قول الله عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ 7 فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا 8 وَيَنقَلِبُ إلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} [الانشقاق: ٧ - ٩]، ومثل ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلح الحديبية.

وقد تعدى الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك.. قوم لديهم شبهات اعتزالية، ولديهم مع النصوص نوع خصومة، هم بحاجة إلى بيان وإقناع.. وآخرون لديهم شبهات خارجية، وعندهم ما يرونه حجة وبرهاناً، هم بحاجة إلى حوار كحوار ابن عباس، قبل أن تترسب الخواطر الطافية وتصبح مشكلات فكرية عميقة. والله الهادي.

:: مجلة البيان العدد  345 جمادى الأولى  1437هـ، فـبـرايـر  2016م.


[1] التحرير والتنوير 3/30.

[2] تفسير ابن كثير 1/691.

[3] انظر تفصيل ذلك في تفسير الطبري 3/47-49.

[4] نقله القرطبي في الجامع 3/194.

[5] تفسير الطبري 3/50.

[6] سير أعلام النبلاء 14/270.

[7] تاريخ مدينة السلام 2/549.

[8] فتح الباري 6/474.

[9] فتح الباري 6/474.

[10] تفسير الطبري 3/49.

[11] أخرجه أحمد والطبراني بسند صحيح، السلسلة الصحيحة 1/712 حديث رقم 370.

[12] تفسير البغوي 4/337.

[13] التحرير والتنوير 24/132.

[14] في ظلال القرآن 5/3080.

[15] نقله الشاطبي في الاعتصام 2/230 وعقب عليه بقوله: «هذا ما قال، وهو الحق، الذي تشهد له العوائد الجارية؛ فالواجب تسكين الثائرة ما قدر على ذلك، والله أعلم».

googleplayappstore