الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

فقد امتن الله سبحانه وتعالى على كثير من الأمم بالرزق، والإمداد بصنوف الخيرات ومختلف الثمرات، كي يأمنوا من الجوع والمسغبة؛ فمن أمن منهما صح بدنه، واستقام تفكيره، واجتمعت نفسه على عمل يومه وغده؛ ومضى سعيداً كأنما حيزت له الدنيا؛ ما دام آمناً في سربه، معافى في بدنه، مالكاً قوته وقوت عياله.

وورد الإطعام من جوعٍ في القرآن الكريم على سبيل النعمة والامتنان من ربنا بقوله تعالى متفضلاً على قريش في جاهليتهم: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ 3 الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: ٣، ٤]، كما ذكر الجوع في سياق الابتلاء في قول الله جل شأنه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْـخَوْفِ وَالْـجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ 155 الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ 156 أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157]، وجاء الحديث عنه كعذاب وعقاب في قوله سبحانه: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْـجُوعِ وَالْـخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].

وما أشد الجوع على الإنسان، وتزداد شدته مع الخوف وانعدام الأمن، والأجواء الباردة؛ فلا يستطيع المرء أن يتحرك بحرية ليدفع الجوع عن نفسه ومن يعول، وحين يحصل على شيء من طعام ينغص لذاذته الخوف والهلع، وقد لا يكفي أجساداً أنهكها التضور، وأضناها الزمهرير!

ونطالع في السيرة الشريفة معاناة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم من الجوع قبل الهجرة وبعدها، فقد حصر مع قومه في شعب مكة ثلاث سنوات حتى ثارت حمية بعض العرب واستنكفوا من فعل الحصار المشين فخرقوه ومزقوا صحيفته الجائرة. وربط صلى الله عليه وسلم الحجر على بطنه في المدينة، وخرج من بيته لا يخرجه إلا الجوع، وتوالت الأهلَّة ولم توقد في دوره نار وليس له ولأهله من طعام سوى التمر والماء، وخاض الغزوات الشاقة في حال من الجوع ونقص الطعام والمؤن.

وفي تاريخ المسلمين عدد من المجاعات التي حفظها الرواة والمؤرخون، ومنها مجاعة عام الرمادة في عهد الفاروق رضي الله عنه، وما زالت المجاعات تتوالى بسبب نقص الأمطار، والجوائح، والحروب، والحصار، وجور بعض الوحوش البشرية الذين نزعت من نفوسهم المعاني النبيلة وإن تغنوا بها وجعجعوا، والواقع يفضحهم ويكذبهم.

ومع ذلك فالجوع ليس مقصوداً لذاته في ديننا، ولا متعبداً به لله البتة، فإذا وقع فالعبادة نحوه هي الصبر ممن تضرر به وناله شيء من لأوائه، والسعي في رفعه وإغاثة من ابتلي به واجب على القادرين ولو بشق تمرة، أو بكلمة حض وحث، أو بعون فكري، أو إداري، أو إعلامي، والصادق لن يعدم للنفع سبيلاً كي يزيل الجوع الذي استعاذ منه نبينا بقوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ» (رواه أبو داود وغيره وحسنه الألباني).

وجعل الإسلام إغاثة الجياع فضيلة يؤجر عليها صاحبها؛ ومن ذلك ما ورد بقول الله عز وجل: {أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14]، قال ابن عباس: ذي مجاعة، وتواترت الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام بفضل إطعام الطعام، كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ». وعدَّ الشارع الحكيم إطعام الطعام من الكفارات، وحث عليه في المناسبات كعيدي الفطر والأضحى، وعقيقة المولود، وغيرها من الصدقات العامة.

وامتدحت النصوص فضيلة الكرم، ألا وإن أفضل الكرم ما وافق ضرورات الإنسان الملحة في المطعم والملبس والمسكن والمركب، وهو جبلة بشرية، جاء الدين الخاتم بتمامها وكمالها، ورتب عليها الأجر العظيم؛ حين يفعلها المرء دون أن يبتغي جزاء من أحد أو شكوراً بل مراده رضا الله، وخوف يوم عبوس قمطرير، والقيام بواجب الإخوة الدينية، وحق الجوار، وإجابة الصريخ.

واليوم تعاني بعض بلاد المسلمين من حروب إفناء وإبادة، ويترافق معها حصار وتجويع، وأينما قلب الناظر بصره سيجد أقواماً من أهل الملة الإسلامية في لأواء يندى لها جبين الأحرار، ففي بورما مأساة الروهينجيا، وفي الهند والصين معاناة من تسلط الهندوس والبوذيين، وفي إفريقيا ذل يتولى كبره الوثنيون والنصارى، وما خبر بلاد العرب ببعيد؛ خصوصاً في الهلال الخصيب، واليمن السعيد.

ومع أننا نتصدر أمم العالم في الظلم الواقع علينا بلا نصير ولا منصف، إلا أننا نوصم بكل نقيصة، ويضخم فعل غلاتنا، بينما يصمت القوم عن تصرفات حكومات الآخر وغلاته! وهذه الازدواجية فاضحة كاشفة، فالقتل حرام إلا إن كان القتيل مسلماً، والإجرام إرهاب إن كان المتهم به مسلماً؛ ولو من غير بينة قاطعة! ولعل هذه الفواجع أن ترفع وعي أمتنا؛ فتعرف عدوها، وتستبين السبل، وتوقن ألا شرعية لغير أمر الله وشرعته ومنهاجه.

ويعيش هذه الأيام أهلنا في الشام والعراق واليمن فظائع تكاد تكون متشابهة، ففيها القتل، والقطع، والتمثيل، والتجويع، والترويع، والحصار، والدمار، والحقد الأسود مع الغضب المستعر. ويتولى كبر هذه الرزايا قوم من الباطنية، يظهرون التشيع، ويبطنون الكفر أو النفاق، ويستعلنون بالثأر والثارات، ويستمدون العون من ملالي قم وطهران، وتأتيهم الأخماس من كل فج قريب وبعيد، وتعبر البراري والسواحل دونما رقيب أو حسيب، وتصل إليهم الأسلحة بأنواعها عبر البر والبحر والجو.

ولم يكن يخطر لأحد ببال أن تبتلى هذه الديار بهذه المجاعة التي أفنت الضعفاء من الأطفال والمسنين والنساء، فهي ديار خصيبة، وبلاد مطيرة، وغيثها غزير، وأمواهها متوافرة، وزروعها كثيرة، وثمارها مذكورة معروفة، فأي شيء حل بالشام حتى جاع أهله وبلادهم أم الفقير؟! وما الذي دهى العراق ونخيله يطعم الكائنات الحية باختلافها؟! وكيف يحرم اليمن من الخيرات وأرضه معروفة بأطيب العسل وأنضج الفواكه؟!

وفي مقابل جوع هؤلاء الكرام يتخم أبناء عمومتهم، وشركاؤهم في العرق، وجيرانهم في الأرض، وإخوانهم في الدين؛ فيالله والمسلمين كيف يبيت غني وجاره جائع طاوٍ خائف؟! ولو أن زوائد الموائد سيرت إليهم لأغنتهم عن الحاجة، ورفعت عنهم الضراء، وأبدلت حالهم من الشدة إلى الرخاء، فنعوذ بالله من العجز، ومن الإسراف، ومن موت القلوب وجفاف المشاعر.

وحتى تتضح صورة الحدث، نأخذ الشام العزيز مثالاً لظاهرة الجوع المفروض عليه فرضاً بشرياً ظالماً، حيث تبدأ فصول القصة المأساوية بحكم بعثي نصيري جائر، سام الناس صنوف العذاب، وأذاقهم المر والهوان عقوداً عدداً، وسكت الناس على ظلمه وتعديه خوفاً، أو طمعاً، أو على مضض، أو بتسويغات واجتهادات؛ وأياً كان، فالخطأ المتراكم يتعاظم ويتضاعف، ومغبته وجريرته تعم؛ خاصة حين تصبح المآثم والمنكرات واقعاً مرضياً أو متعايشاً معه، دون أي محاولة جادة للتغيير؛ أو التخفيف أو حتى الإنكار بالقلب؛ وهو أضعف الإيمان.

وحين لاحت الفرصة للناس كي يتحرروا من أغلال هذه السلطة الباغية ويعتقوا أنفسهم من الانصياع لها خرجوا يطالبون بشيء من حقهم الشرعي والفطري، فقوبلوا بالقتل والهدم والحرق، ودخلت البلاد في حال من الهرج نجم معه ظهور جماعات تقول من قول خير البرية وتحدث أعمالاً إجرامية! وصاحب ظهورهم أو سبقه توافد جيوش الطائفية من عرب وعجم لمعاونة النصيرية في قتل أهل السنة، واليهود يتربصون عن قرب وقلما يكفون أيديهم علناً، أو في الخفاء، وطائرات النصارى وحلفهم تلقي الموت والدمار على العزل من الناس والمدن والقرى.

وصاحب هذه الويلات تعاون النظام النصيري الباطني مع حزب الله الشيعي على جناية التجويع المقصود، بمؤازرة من القياصرة الروس الأرثوذكس، مع سكوت الرضا من القوى الأمريكية والأوربية النصرانية، وانعدام أي جهد يمكن أن يذكر لمنظمات الدجل، ومجالس الحرب، ومحاكم الظلم، وغيرها من المؤسسات الحقوقية التي تهب لأجل رجل واحد، ولا تنبس بكلمة مفيدة تحمي شعباً يباد ويفنى، ويموت صبراً، بالتجويع في مضايا والمعضمية وغيرهما من مدن الشام وقراها ونواحيها.

ولم تكلف منظمات الغذاء ومجالسه الدولية نفسها للدفاع عن الجوعى جوعاً واقعاً، وهي التي ما فتئت تصرخ خوفاً من جوع محتمل بسبب تزايد السكان! ولم يثبت دعاة حقوق الإنسان صدق توجههم؛ وهم يرون دولهم تتخلص من فوائض الغذاء، وتلهو شعوبهم بالمنتجات الزراعية في مسابقات عابثة بينما يموت أطفال سوريا وقد التصقت جلودهم بعظامهم! وثالثة الأثافي ما يصرف على الحيوانات المستقذرة من مليارات للرعاية والتدليل بينما ينقذ أهل بيت واحد عُشر ما يصرف على كلب واحد!

ومع هذه المأساة التي حلت بإخواننا يحق لنا أن ننبه لعظم الجريمة بحق العمل الخيري حين خنق في مكانه، وحصر في بقعة محدودة، وحيل بينه وبين نصرة المستضعفين من المسلمين بحجج باطلة أو مضخمة جداً. ولئن أصابنا العجز سنوات عدداً عن نصرة إخواننا إبان حصارهم فلا يجوز استمراء هذا الحال المهين ولا الرضا باستمراره، ولا مناص لخيرة المسلمين من كسر الحصار بطرق مباشرة أو غير مباشرة، وحمل لواء النصرة والغوث الذي عجزت عنه الحكومات أو تخاذلت، فهذا واجب الديانة، وحق شرعي لغيرنا علينا، فضلاً عما يعود به من خير في دفع المصائب عن المجتمعات والبلدان، وهو أمر جدير بأن يتنادى له سادات العمل الخيري، ولا يعذر القادرون بتركه؛ فمن لأمتنا إن تأخر ساداتها؟!

ويترافق مع العمل الخيري والإغاثي حملات إعلامية تستنهض همم المسلمين، وتستنجد بشرفاء العالم لإنقاذ الضعفة والمحصورين، وحملات أخرى لتعرية المعتدين والمتآمرين والساكتين، وحملة ثالثة لربط الناس المتضررين وغيرهم بربهم ودينهم؛ فما وقع بلاء عام إلا بذنب ولن يرفع إلا بتوبة.

ومع العملين الإغاثي والإعلامي لا مناص من عمل ثالث بالتوازي، يقوم به الغيورون من الحقوقيين والمحامين، سواء العاملون محلياً، أو الناشطون دولياً، خاصة خبراء القانون الدولي والعارفين بالمنظمات الحقوقية، فإما أن نأخذ حق أمتنا وإخواننا، ونجرم الظلمة والقتلة، ونلاحقهم في كل مكان، أو نعذر لربنا، ونعتذر لأهلنا، ونتبرأ أمام التاريخ الشاهد، وفوق ذلك لا نكلف أنفسنا عناء الاعتذار عن أفعال غلاتنا التي لا تقاس بالجرائم اليومية المنظمة ضدنا دونما نكير!

وكل هذه الإجراءات الناعمة لا تثنينا عن مسلك لا يلغيه عاقل، ولا يتركه من يقوى عليه، وهو مستخدم من كل الأمم، وعبر جميع الحقب، ولا يأنف منه إلا عاجز، وفوق ذلك أمرنا الله به، وحثنا النبي الكريم عليه بقوله وفعله، ألا وهو الإعداد والاستعداد بالقوة، فلن يرتدع الأعداء بمنطقنا الصائب، ولن يردهم قولنا الجميل، ولا توسلاتنا التي تبكي الجمادات، وإنما الذي يخيف المتربص، ويكف الصائل، هو القوة، وعدتها، وعتادها، ووسائلها، ورجالاتها.

:: مجلة البيان العدد  345 جمادى الأولى  1437هـ، فـبـرايـر  2016م.