يمكن القول إن قطار صفقة تبادل الأسرى بين حماس والكيان الصهيوني قد انطلق عملياً، مع الاعتراف الصهيوني بوجود أسرى صهاينة بحوزة حماس في غزة، من القتلى والأحياء، وإعلان حماس عن بدء مساعي الوسطاء الدوليين لديها، للبحث في مطالبها لإطلاق سراحهم، وهو ما يفسح المجال لفتح صفحة جديدة من المواجهة بين حماس والكيان الصهيوني عنوانها العمل الاستخباري والأمني بعيداً عن استخدام القذائف والصواريخ.

فللمرة الأولى تعلن حماس يوم 7 يوليو على لسان خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي، أن الكيان الصهيوني طلب منها، عبر وسيط أوروبي، لم تكشف هويته، الإفراج عن جنديين وجثتين لديها، لكن حماس امتنعت عن تقديم أي رد على هذا الطلب، وفقاً لحديث مشعل أمام عدد من الصحفيين العرب في الدوحة.

بينما أعلن أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، في يوم 8 يوليو، أن أوراق حرب غزة 2014، لا تزال مفتوحة، وعلى رأسها ملف الأسرى، قاصداً بذلك الأسرى الصهاينة في غزة.

منذ انتهاء الحرب الأخيرة على غزة أواخر أغسطس 2014، وحماس تبدو مطمئنة أن لديها أوراقاً قد تجبر الكيان الصهيوني على تحقيق مطالبها المتعلقة برفع حصار غزة، وفتح المعابر، ومن بين هذه الأوراق الأسرى الصهاينة الذين سقطوا بأيدي مقاتليها خلال الحرب.

ودأبت حماس على تسمية ما لديها من أوراق حرب غزة بـ «الصندوق الأسود» منذ نوفمبر 2014، وحصل الفلسطينيون على انطباع بأن المقصود بالصندوق أولئك الصهاينة الأسرى لدى حماس، سواء كانوا أحياء أة قتلى، لكن حماس طوال عام كامل منذ انتهاء حرب غزة لم تخرج تصريحاً واحداً يتعلق بهم.

حماس أكدت أنها لن تخوض في مسألة أعداد وظروف الجنود الصهاينة المأسورين لديها، ولذلك فإن شروط حماس لدخول أي مفاوضات حول الجنود الصهاينة المفقودين، تتركز بصورة أساسية بتقديم إشارة صهيونية واضحة بالالتزام بصفقة التبادل السابقة 2011، وإطلاق سراح جميع الأسرى الذين تم اعتقالهم.

الأسرى الصهاينة المحتجزون لدى حماس هم: جثتا الجنديين «أورون شاؤول وهدار غولدن»، وتم أسرهما في حرب غزة في يوليو وأغسطس 2014، ويقول الكيان الصهيوني أنهما قتيلان، بينما حماس تلتزم الصمت إزاء مصيرهما الحقيقي، ويهودي أثيوبي «أبراهام منغستو» وصل شاطئ غزة في سبتمبر 2014، وعربي إسرائيلي من النقب هاشم السيد، واجتاز الحدود الإسرائيلية إلى غزة في مايو الماضي.

حماس واصلت الصمت بعدم الكشف عن أي معلومة تتعلق بما لديها من أسرى صهاينة محتجزين بحوزتها، جنوداً كانوا أو مستوطنين، أحياء أو قتلى، رغبة منها - كما يبدو في عدم تقديم أي معلومة مجانية للكيان الصهيوني إلا مقابل دفع ثمن لها، وهو درس تعلمته الحركة من صفقة التبادل السابقة مع الصهاينة مقابل الإفراج عن الجندي الصهيوني «غلعاد شاليط».

حماس أجرت نقاشات مستفيضة، وعقدت ورش عمل، عقب نجاح صفقة «شاليط» في 2011، لمعرفة نقاط الضعف والقوة لدى الحركة في تفاوضها مع الصهاينة، ووصلت لجملة من الدروس، أهمها أن تدير ملف الصهاينة الأسرى بعيداً عن الإعلام، والتشديد على أن كل معلومة بهذا الملف لها ثمن واجب الدفع صهيونياً.

ووصلت كتائب القسام إلى استنتاج دقيق وخطير، بأن تتعامل مع ملف الأسرى الصهاينة بحوزتها بهدوء عال ونفس طويل، ولذلك لوحظ أن الكتائب لم تتحدث مطلقاً عن أي تفاصيل بخصوص الصهاينة لديها منذ عام كامل، رغبة منها في إدخال الحرب النفسية لتحريك المجتمع الصهيوني، وإحراج قيادتَيه السياسية والعسكرية داخل الكيان الصهيوني، وهو ما اضطر تل أبيب للاعتراف أخيراً بوجود صهاينة لدى حماس بعد عام من احتجازهم.

تعلم حماس أن بعض ما يقوله الصهاينة في الإعلام حول أسراهم المفقودين بغزة جزء من إدارة المعركة التفاوضية والاستخبارية مع حماس، بإحداث إرباك في حماس، يجعل الصهاينة يحصلون على معلومات مجانية.

مع العلم بأن الصهاينة اعتقلوا 70 أسيراً فلسطينياً تحرروا في صفقة «شاليط»، خلال حملة اعتقالات واسعة شنتها بالضفة الغربية في يونيو 2014، بعد اختطاف 3 مستوطنين، ولذلك أكدت حماس أن على الاحتلال الصهيوني أن يدفع ثمن كل معلومة خاصة بمعرفة مصير أسراه الصهاينة في غزة، قاصداً بذلك أثماناً تتعلق بالإفراج عن الأسرى المعتقلين في الضفة الغربية، ورفع الحصار عن غزة.

أوساط كبيرة في حماس أشارت إلى أن الحركة تستعد لبدء اتصالات دولية معها بشأن إتمام صفقة تبادل مع الصهاينة؛ لأن مفاوضات التبادل قد تمتد فترة طويلة من الزمن، وهناك توجه في الحركة لتشكيل فريق التفاوض غير المباشر مع الصهاينة، يتضمن قيادات عسكرية وسياسية كبيرة من حماس.

تدرك حماس جيداً أنها قد تكسب كثيراً من أي صفقة تبادل مع الصهاينة، بتحرير المزيد من الأسرى الفلسطينيين الكبار في السجون الصهيونية، وتقديم دليل على مصداقية طريقها العسكري رغم تضحيات الفلسطينيين في حرب غزة الأخيرة؛ لأن الحرب تركت خلفها آلاف الشهداء والجرحى والمنازل المهدمة، وأي صفقة تبادل قادمة مع الصهاينة، قد تعوض الفلسطينيين عن هذه المعاناة، وتثبت صحة منهج حماس العسكري، نظراً لما يحظى به الأسرى الفلسطينيون الكبار من مكانة كبيرة بين أوساط الشعب الفلسطيني.

كما أن نجاح حماس في إبرام صفقة تبادل جديدة مع الصهاينة، قد يؤكد ما تردده حماس دائماً بأن الكيان الصهيوني رغم ترسانته العسكرية، قد يخضع لمطالب الفلسطينيين بتحرير أسراهم عبر القوة وخطف جنوده، وليس بالمفاوضات التي لم تطلق سراح أسرى الأحكام العالية في السجون الصهيونية، لكن حماس تخشى أن يتبع الصهاينة معها سياسة النفس الطويل، وهو ما قد يعيق إبرام أي صفقة تبادل، ويعمل على تأخير أي مطالب تسعى لتحقيقها الحركة في غزة تتمثل برفع الحصار وفتح المعابر.

كما تدرك حماس حجم المعارضة الصهيونية المتوقعة لأي إبرام صفقة تبادل محتملة مع حماس؛ لأن بعض أحزاب اليمين الصهيوني وقطاع عريض من الجنرالات والضباط الصهاينة، يرون أن الصفقة المحتملة مع حماس قد تعمل على تآكل قوة الردع الصهيونية، وتمنح حماس إنجازات سياسية وعسكرية كبيرة.

أخيراً... حماس تعلم جيداً بأن الأيام والأسابيع القادمة ستشهد انطلاق مرحلة طويلة وشاقة من التفاوض غير المباشر مع الصهاينة حول صفقة تبادل جديدة، والحركة تسعى لدفع الصهاينة لتقديم تنازلات إضافية، تتعلق بنوعية الأسرى الفلسطينيين الذين سيفرج عنهم من ذوي الأحكام العالية، ورفع الحصار عن غزة.

ويبدو أن قرار حماس غير المعلن هو فرض ستار حديدي لمنع تسريب أي معلومة تتعلق بتقدم مفاوضات صفقة التبادل أو تعثرها؛ لأنها تعلم مدى أهمية قضية الأسرى وحساسيتها، وهو ما يتطلب إدارة أمنية وتفاوضية هادئة لا تتعامل مع المواقف والتصريحات الإعلامية التي يعلنها الصهاينة.

:: مجلة البيان العدد  339 ذو القعدة  1436هـ، أغسطس  - سبتمبر  2015م.