دخلت اليمن شهرها الرابع منذ أن بدأت عاصفة الحزم العسكرية التي نفذتها قوات التحالف العربي في 26 من مارس الماضي، والتي تهدف إلى ضرب معاقل الحوثيين وحلفائهم من قوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وإعادة الشرعية للحكومة الشرعية والرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي.

أربعة أشهر من المعاناة التي يعيشها سكان المدن اليمنية التي تزداد معاناتهم يوماً وراء آخر، جراء الحصار الذي تفرضه عليهم مليشيات الحوثي وقوات المخلوع صالح؛ في الماء والغذاء والدواء والمشتقات النفطية، تحت ذرائع مختلفة، رغم أن المساعدات الإنسانية وسفن الإغاثة تصل تباعاً إلى الموانئ البحرية بشكل مستمر.

ويحاول الحوثيون من خلال استحواذهم على المساعدات الإنسانية والمعونات الغذائية والدوائية، وتخزينها واستخدامها فيما أصبح يطلق عليه «المجهود الحربي»؛ يحاولون إشعار السكان أن هناك حصاراً مفروضاً عليهم من قبل قوات التحالف، في حين أن الواقع يثبت عكس ذلك، فالسفن الإغاثية والمساعدات تصل بشكل مستمر إلى الموانئ التي تسيطر عليها المليشيات بالتنسيق مع الأمم المتحدة.

وعلى الرغم من تأكيدات الأمم المتحدة وقوات التحالف للسماح لأي قوافل غذائية أو سفن مساعدات أو ناقلات للمشتقات النفطية بالدخول إلى الموانئ اليمنية، إلا أن المسلحين الحوثيين يحاولون التعتيم على المواطنين ويوهمونهم بأن المساعدات لا تصل وأن قوات التحالف تفرض الحصار الجوي والبري والبحري على اليمن، وهم في حقيقة الأمر يخفون تلك المساعدات ويستخدمونها في دعم جبهات القتال، وتوزيعها على أنصارهم وقياداتهم العسكرية، وحرمان المواطنين منها.

بل إن الأغرب من ذلك أن قيادات الحوثيين، تقوم ببيع المواد الغذائية والمشتقات النفطية والمعونات الدوائية للمواطنين وبأسعار مضاعفة، بل إنها تشجع وبشكل واضح على بيع المشتقات النفطية والمواد الغذائية والدوائية في السوق السوداء وبأسعار مضاعفة عن أسعارها الرسمية.

وفي الإحصائيات الأولية التي أوردتها مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جنيف، أكدت مقتل حوالي 1528 من المدنيين، وإصابة حوالي 3605 آخرين، في حين وصل عدد من نزحوا داخلياً أو فروا إلى الدول المجاورة مليون شخص منذ بدء المواجهات.

الموت يحاصر عدن والضالع

رغم أن الحصار والقتل الحوثي شمل أغلب المحافظات اليمنية في الشمال والجنوب، إلا أن محافظتي عدن والضالع الجنوبيتين أكثر تضرراً من الحرب الجارية، بسبب مقاومتها الشرسة لمليشيات الحوثي وقوات المخلوع صالح.

وحسب الإحصائيات الأولية، فقد بلغ عدد النازحين في مدينة عدن 800 ألف نازح، بعضهم نزح إلى المديريات الخارجة عن سيطرة الحوثيين، وبعضهم الآخر نزح إلى المحافظات المجاورة، في حين نزح أكثر من 50 ألف مواطن إلى خارج اليمن، والأكثر منهم إلى جيبوتي.

وحسب التقارير الحقوقية، فقد سقط حتى الآن ما لا يقل عن 1275 قتيل، وأكثر من 5600 مصاب بين صفوف المدنيين بينهم نساء وأطفال ضحايا لقصف المليشيات على الأحياء السكنية.

وأصبح في مدينة عدن ما يقارب 180 ألف طفل مصابون بسوء تغذية، ومحرومون من الرعاية الصحية وانعدام اللقاحات الطبية الخاصة بالمواليد، كما تفتقر 50 ألف أم في عدن إلى الرعاية الصحية أثناء الحمل وبعد الوضع، في حين يعاني أكثر من 200 ألف مواطن من صعوبة الحصول على أدوية لمرضى السكر والضغط والسرطان والقلب، لنقص شديد في هذه الأدوية وإن وجدت فلا يستطيع المرضى شراءها أو الحصول عليها، بسبب شحها وكثرة الطلب، وارتفاع أسعارها.

وعن جانب الغذاء والإيواء تشير الإحصائيات الأولية إلى تهدم وتضرر 768 منزل بأضرار مختلفة نتيجة القصف العشوائي للحوثيين، والذي حولها إلى منازل غير صالحة للسكن.

حمى الضنك يفتك بعدن

مع شدة المواجهات العسكرية التي كانت في مدينة عدن، وإغلاق بعض المستشفيات والمؤسسات الصحية، وانقطاع التيار الكهربائي جراء القصف على الأحياء السكنية والمحولات الكهربائية، زاد عدد حالات الإصابة بحمى الضنك في مدينة عدن، حيث تقول الإحصائيات الأولية: إن عدد الإصابات بلغ أكثر من 8036 حالة إصابة، بينما بلغ عدد حالات الوفاة جراء هذا المرض الخطير 586 حالة، وزاد من مضاعفة المأساة انعدام لقاحات العلاج لهذا المرض جراء الحصار المطبق على المدينة.

أما منظمة الصحة العالمية فقالت إنها أُبلغت عن أكثر من 3000 إصابة بحمى الضنك منذ مارس الماضي، موضحة أن عدد الإصابات الفعلية قد يكون أكثر من ذلك بكثير، في حين تقول إحصائيات أخرى أن عدد الوفيات للفترة نفسها 128 حالة وفاة على الأقل في أعراض حمى الضنك.

أما مدينة الضالع التي تمثل البوابة الرئيسة للمحافظات الجنوبية، فقد زادت معاناة الناس خلال العدوان الحوثي والقصف لقوات المخلوع صالح على القرى والأحياء السكنية، حيث خلف العدوان ما يقارب 86 شهيداً، وأكثر من 100 جريح، واستهداف 296 منزل، تعرضت منها 54 منزلاً للتدمير والحريق، وتعرض للقصف المدفعي 13 مسجداً وتسع مدارس وعدد 18 منشأة ونادياً، وستة مرافق صحية ومستشفى، والاعتداء على ثلاث سيارات إسعاف.

تعز المدينة المنكوبة لم تكن أقل مأساة من غيرها من المحافظات، فهي المحافظة الشمالية التي تعرضت لوحشية مفرطة من قبل مليشيات صالح والحوثي، لكن تلك المليشيات واجهت مقاومة صلبة وشرسة استطاعت أن توقف المليشيات على أبواب المدينة وتطردهم منها، حيث تسيطر المقاومة على أكثر من 80% من المدينة، ولذلك يدفع السكان ضريبة رفضهم للمليشيات الحوثية عشرات من خيرة شبابهم في ميدان المقاومة، وعشرات من المدنيين من النساء والأطفال جراء القصف المتعمد على الأحياء السكنية المكتظة بالسكان.

الأمم المتحدة القلقة دوماً

وحدها المنظمة الدولية، الأمم المتحدة، تشعر بالقلق على الدوام في كل حدث كبير في العالم، حيث لا تملك إلا القلق أمام ما تمارسه المليشيات المسلحة في أكثر من دولة عربية، تجربتها في سورية والعراق وليبيا وتونس واليمن وغيرها من الدول تقول إنها لا تملك إلا القلق، فضلاً عن كونها ساهمت في أكثر من موقف بدعم المليشيات الشيعية والأقليات المسلحة في أكثر من مكان.

ويدور الغموض حول موقف الأمم المتحدة في اليمن، عن سر صمتها وإصرارها على تقديم المليشيات الانقلابية الحوثية بوصفها مكوناً شرعياً في اتجاه المكونات السياسية والشرعية المعترف بها كالرئاسة والحكومة والأحزاب السياسية المختلفة والتي ترفض الانقلاب الحوثي، فضلاً عن عدم التزام الحوثيين بالهدن الإنسانية التي تعلن عنها الأمم المتحدة وتضغط على الحكومة وقوات التحالف من أجل تطبيقها، ولكنها تذهب أدراج الرياح جراء غدر الحوثي وخيانته التي أصبحت علامات توصف في جبين هذه الجماعة.

دور المنظمات الإغاثية

مع دخول اليمن شهرها الرابع في ظل الحرب الداخلية بين المقاومة الشعبية ومليشيات الحوثي وصالح الانقلابية، وزيادة حدة الضربات الجوية لقوات التحالف؛ زادت الصعوبات أمام المنظمات الإغاثية، حيث تجد صعوبات بالغة في توصيل المواد الإغاثية إلى الأماكن التي تدور فيها المواجهات، وزاد من الإشكالية منع الانقلابيين من دخول أي مواد إغاثية إلى المدن المحاصرة مثل عدن والضالع وتعز تحت ذرائع مختلفة.

ومع كل الصعوبات التي تواجهها المنظمات الإغاثية الدولية والمحلية، إلا أنها استطاعت أن تصل - بفضل تعاون أهل اليمن - إلى كثير من المدن سواء كانت في تعز أو الضالع أو عدن أو غيرها من المحافظات، حيث تم تشكيل فرق ميدانية ومراكز إيواء ومدارس للنازحين ومخيمات للفارين من الحرب في أكثر من مدينة، خصوصاً المدن الآمنة والتي لا توجد فيها مواجهات مسلحة مثل: مدينة إب وسط اليمن.

وكان من أبرز الجهود الواضحة في دعم الإغاثة الإنسانية، هو المساعدات الإنسانية التي قدمها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، حيث أطلق المركز أربع مراحل هدفت إلى تخفيف آثار أزمة التكدس بمنفذ الوديعة، التي تطال الآلاف من النساء والأطفال والعجزة من الفارين من آثار الأزمة التي تعصف باليمن.

وقد تضمنت المرحلة الأولى، توزيع 50 ألف وجبة غذائية جاهزة، بجانب 400 ألف رغيف خبر، وأكثر من 100 ألف من عبوات المياه الصحية، وفي مرحلة تالية جرى توزيع 30 ألفاً من الوجبات، بجانب 60 ألفاً من عبوات المياه الصحية، أما المرحلة الثالثة فتضمنت توزيع 8 آلاف وجبة ساخنة يومياً مقسمة على الإفطار والسحور، وكميات مماثلة في الجانب اليمني من المنفذ.

كما لا يمكن هنا إغفال دور منظمات إغاثية أخرى سواء كانت خليجية أو عالمية أو محلية، فقطر والإمارات والكويت كان لها دور مشهود في تقديم مساعدات إنسانية عاجلة للشعب اليمني.

إشكالية المساعدات

تكمن أكبر إشكالية يواجهها اليمنيون في مسألة المساعدات الدولية التي تقدم للشعب اليمني، أن أغلبها يصل إلى أيادي الحوثيين وأنصار المخلوع صالح، لكونهم يسيطرون على الرقعة الأكبر من الجغرافيا اليمنية، ويفرضون السيطرة على المنافذ البحرية التي تصل إليها المساعدات في ميناء الحديدة وميناء المخا.

ولذلك يتم حرمان كثير من النازحين والمحتاجين لتلك المساعدات، لأنها لا تصل إلى جهة محايدة تستطيع إيصالها لجميع الأطراف من المتضررين، حيث تقول المصادر إن الحوثيين يقومون بتخزين كثير من تلك المعونات والمساعدات واستخدامها فيما يسمونه «المجهود الحربي» ودعم الجبهات القتالية في أكثر من مدينة.

ولكن مع تطور الأحداث الأخيرة، وسيطرة المقاومة الشعبية على مدينة عدن، وفرار مليشيات الحوثي وصالح بفضل الدعم والإسناد الجوي من قبل قوات التحالف، سيكون أمام قوات التحالف والمنظمات الإنسانية الوصول إلى كثير من المدنيين عبر دخول المساعدات من ميناء عدن الدولي، وتوصيلها إلى أغلب المحافظات التي بدأت تتحرر من مليشيات الحوثي وصالح.

:: مجلة البيان العدد  339 ذو القعدة  1436هـ، أغسطس  - سبتمبر  2015م.