تُعد روسيا الاتحادية واحدة من أكبر الدول مساحة في العالم، وأكثرها تنوعاً عرقياً، حيث ينتمي سكانها إلى ١٦٠ قومية مختلفة، أكبرها هي القومية السلافية التي تتجاوز ثلثي عدد السكان، يليها ست قوميات رئيسة يتجاوز عدد أفرادها المليون نسمة، أربع منها إسلامية، هي القوميات التترية والبشكيرية والتشوفاشية والشيشانية، بالإضافة إلى ٣٠ قومية إسلامية أخرى ضمن بقية القوميات الأقل عدداً.

ورغم التنوع الديني في روسيا الاتحادية، إلا أن حكومتها تعترف رسمياً بأربعة أديان فقط هي المسيحية الأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية. وتتفق جميع الإحصائيات على أن الإسلام هو الديانة الثانية في روسيا الاتحادية من حيث عدد الاتباع بعد المسيحية الأرثوذكسية، وتعترف بأن نسبة الالتزام الديني لدى أتباعه آخذة بالتصاعد في السنوات الأخيرة [1]، وخاصةً بين فئة الشباب، وبأن عددهم في ازدياد مستمر، على عكس الأديان الأخرى في روسيا.

ولكن تلك الإحصائيات تتضارب بشدة في تحديد نسبة ذلك العدد من عموم سكان روسيا، فيحاول بعض المصادر تقزيمه إلى ٦.٥٪ فقط (تسعة ملايين نسمة)، بينما تضخمه مصادر أخرى حتى تصل به إلى ٣٠٪ (٤٣ مليون نسمة) دون توفر بيانات تفصيلية موثقة يُعتد بها. حيث إن روسيا تُعد دولة علمانية لا تفرق رسمياً بين مواطنيها حسب أديانهم، ومن ثم جميع الإحصائيات المتوافرة تقديرية، يخضع بعضها للأهواء والمصالح المختلفة.

مثلاً: بعض التقديرات ذهب إلى اعتماد إحصاءات قديمة لمسلمي الجمهوريات الإسلامية لم تعد ذات قيمة نسبياً مع ارتفاع معدل الولادة بين المسلمين الروس مقارنة بمواطنيهم من بقية الأديان. وعلى الجانب الآخر تحاول الإحصائيات الأخرى إصلاح كل صور ذلك الخلل، وغيرها، عن طريق تقديرات لا تتوفر للأسف بيانات موثقة تدعمها، رغم منطقيتها.

وقد تكون أقل نسبة تتمتع بمصداقية معقولة هي 15٪ (٢٢ مليون نسمة) يتوزع غالبيتهم (حوالي ١٦-١٧ مليون) في منطقتين رئيستين هما منطقة الفولغا في قلب روسيا[2]، والقوقاز الحدودية (جنوب روسيا)[3]،  بينما يتوزع الـ٥- ٦ ملايين الباقين في بقية أرجاء الاتحاد الروسي، منهم مليون في العاصمة موسكو[4]. وهذه النسبة، على تواضعها، مقارنة بالواقع الملموس، تتعدى العشرين مليون نسمة، وهو عدد لا يُستهان به بأي حال من الأحوال، وهو بالذات الذي استشهد به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سنة ٢٠٠٣م في معرض مطالبته بمقعد دائم لروسيا في منظمة المؤتمر الإسلامي، وقارنه بحجم دول إسلامية عدة مجتمعة، داعياً إلى النظر إلى مسلمي روسيا بالأعداد المطلقة، وليس كمجرد أقلية فيها.

والمسلمون الروس يشكلون أكبر أقلية إسلامية في أوربا، بل يمتازون عن الأقليات الإسلامية الأخرى في أوربا بأنهم ليسوا مهاجرين، بل هم مواطنون وأصحاب أرض أصليون، كانت لهم في الماضي ممالكهم وسيادتهم قبل أن تسقط حصونهم في النصف الأول من القرن السادس عشر. بالإضافة إلى أنهم حكموا روسيا نفسها في إحدى فترات قوتهم[5]، وساهموا بتشكيل التراث التاريخي الروسي على مدى قرون عدة. وأثروا وتأثروا فيه أكثر من أي من جيران روسيا الأوربيين الغربيين مثلاً، وهذا ما جعل الرئيس فلاديمير بوتين يقول غير مرة أن روسيا أقرب إلى الإسلام من المسيحية الكاثوليكية.

وسواء كان عدد المسلمين في روسيا الاتحادية تسعة ملايين حسب أكثر الإحصائيات غُبناً، أو اثنين وعشرين مليوناً، حسب أكثر الإحصائيات حياداً، أو ثلاثاً وأربعين مليوناً حسب أكثر الإحصائيات منطقيةً رغم افتقارها للدليل، فهي قوة سكانية ضخمة بكل المقاييس، ولكنها للأسف الشديد قوة مُعطلة، وينطبق على غالبيتهم (وعلى غالبيتنا والحق يُقال) حالياً قول سيد الخلق عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: غثاء كغثاء السيل، لا يضر ولا ينفع.

صحيح أن الأمل في الله سبحانه وتعالى ثم فيهم وفي المسلمين كافة لا ينقطع إلى يوم القيامة، ولعل الفرج يأتي على أيدي القلة الصالحة منهم، وينصلح بها حال البقية، ولكن لسان حال الغالبية الآن يردد وراء الأديب الروسي نيكولاي نيكراسوف: «للأسف ليس مكتوباً لي أو لك أن نعيش في تلك الحقبة الزمنية الرائعة». فلعل الفرج يأتي من ذريتهم، أو قد يغير الله ما في النفوس ويُعجل الأمر، وما ذلك عليه بعزيز، ولكننا نحكم على الواقع، ولا نتمنى على الله الأماني. وواقع الأمر يُظهر كثيراً من الموانع، أو على الأقل المعوقات، في الوقت الحالي، منها:

الفساد:

رغم وجود كثير من المؤمنين الصادقين الصالحين في روسيا ولله الحمد والمنة، إلا أن الغالبية على غير ذلك للأسف الشديد، حيث ينتشر الفساد في الجمهوريات الإسلامية أكثر من غيرها من جمهوريات روسيا. ليس على الصعيد الحكومي فحسب، بل حتى داخل الإدارات الدينية ومجالس الإفتاء، ويمتد ذلك للأسف الشديد إلى الصعيد الشعبي أيضاً. فلا يتورع بعض المسلمين الروس عن الانخراط بالعصابات ووكالات تأمين الحماية، حتى أصبحت لهم شهرة معتبرة في هذا المجال.

الغلظة:

يشتهر المسلمون في شمال القوقاز (جنوب روسيا)، بمن فيهم الملتزمون دينياً، بالجلافة وحدة الطبع شهرةً تتفاوت حسب قومياتهموهي صفة جبلية إيجابية إذا أحسن استغلالها وسلبية في أحيان أخرى، وعكسه الوداعة والمسالمة لدى سكان الفولغا وسط روسيا، التي تؤدي أحياناً إلى الحالة المعاكسة وهي (المبالغة في الاندماج).

المبالغة في الاندماج:

فمنهم من لا يصلي، ومنهم من يحتفل بالأعياد المسيحية أكثر من الأعياد الإسلامية، ولا يجدون في أنفسهم غضاضة في شرب الخمر، وينغمسون في عادات وتقاليد مواطنيهم الآخرين حتى النخاع، متجاهلين إرثهم الديني والثقافي، ويتزوجون من غير مسلمات، دون دعوتهن بالطبع إلى الإسلام، ويتركون تربية أبنائهم لهن. بل قد يصل الأمر ببعضهم إلى ترك الإسلام نهائياً واعتناق المسيحية كما حصل مع وزير الداخلية السابق مثلاً.

العصبية القومية:

أما المسلمين الملتزمين من أولئك الموادعين، فيؤخذ عليهم أنهم يُقدمون القومية على الدين، وتنتشر عصبيتها فيهم بشكل مقيت. ولا أعني هنا ضد الشعوب الأخرى فحسب، ولا حتى ضد الجنوبيين، بل حتى فيما بينهم، فهذا بشكيري أولاً ثم مسلم، وذاك تتري قبل كل شيء ثم مسلم وهكذا دواليك. وكم من مشروعات إسلامية روسية تعثرت بسبب علو الصوت القومي، فتعطلت قدرات وتعثرت جهود كان أمامها طريق طويل وشاق لجمع أطياف قومية وخصوصيات ثقافية متباينة لمسلمي روسيا.

الجهل بالدين:

رغم كثرة الإدارات الدينية ومجالس الإفتاء في روسيا، إلا أن عدد الدعاة والوعاظ قليل جداً، وهذا تقصير وخلل بالغ الخطورة، خاصة بعد ذلك العهد الطويل من الشيوعية والإلحاد ومحاربة الدين، حيث إن كثيراً من المسلمين نشؤوا وترعرعوا وهم لا يفهمون دينهم، أو يفهمونه بشكل مشوه تماماً. ولعل أبلغ دليل على هذا وجود مسلمات متزوجات من رجال غير مسلمين، وبمباركة آبائهن أحياناً. كما أن كثرة المرجعيات الدينية، دون هيئة موحدة تنظم جهودها يزيد من تشتيت المسلمين، فهناك ستون مفتياً في المناطق والجمهوريات الإسلامية، يشكلون محور خلاف في العديد من المسائل الفقهية المهمة، ويستطيع أي منهم تفسير القرآن أو الحديث، والتعليق عليه بالطريقة التي يراها مناسبةً، حتى وإن عارضت ما اتفق عليه عموم الفقهاء على مر الأزمان.

عدم الانتماء:

المسلمون في روسيا بشكل عام انعزاليون، لا يهتمون إلا بمشاكلهم الخاصة بوصفهم مجتمعات عرقية متفرقة، ولا يوجد بقواميسهم مفاهيم مثل: الوحدة الدينية أو التكافل الاجتماعي أو التضحية والإيثار، وهم لا يعدون أنفسهم أمة واحدة، ولا يحملون هماً مشتركاً كالأقلية اليهودية مثلاً [6]. فرغم الفقر الذي يعاني منه المسلمون في روسيا مقارنة بمواطنيهم الآخرين[7]، إلا أن العدد الأكبر من أصحاب المليارات الروس حسب القائمة الروسية بمجلة «فوربوس» ليسوا من اليهود فقط، بل من المسلمين أيضاً، وهم أكثر عدداً من أصحاب المليارات المسيحيين. وفي حين يؤدي رجال الأعمال والمصرفيون اليهود واجباتهم تجاه أبناء جلدتهم، بل يذهب الجزء الأعظم منها إلى خارج روسيا، وتحديداً إلى الكيان الصهيوني، نجد أن المليارديرات المسلمين لا يلتفتون إلى إخوانهم داخل بلدهم، ولا حتى داخل مدنهم نفسها، ويتعمدون عدم إظهار أي صلة لهم بالإسلام، ويبعدونه تماماً عن حياتهم العامة [8]. ومن يتبرع منهم لأي عمل خيري، يفعل ذلك بالخفاء. قد يكون ذلك بدافع التقوى إن أحسنا الظن، أو خوفاً من أن يرتبط اسمه بنشاط إسلامي كما توضح ليليا محمد ياروفا رئيسة أحد الصناديق الخيرية في روسيا، ولكنه في الحالتين يعيق تقدم وتنمية المؤسسات الإسلامية الخيرية.

الخوف:

الدستور الروسي يضمن حقوق مواطنيه المسلمين كاملة على قدم المساواة مع الآخرين، ولكن المزاج الإسلاموفوبوي السائد في روسيا بسبب أحداث الشيشان في الداخل، واشتراك مواطنين مسلمين في بعض الصراعات العسكرية في الخارج يمنع كثيراً من المسلمين من المطالبة ببعض حقوقهم، أو ممارسة نشاطات دينية قد تؤول على نحو خاطئ. خاصةً مع غياب قيادات دينية مقبولة وجامعة، تعي فقه المرحلة في هذه الحقبة الصعبة والحساسة من تاريخنا، وقادرة على تطبيقه بحكمة دون مشاحنة أو اصطدام، تعلمهم أمور دينهم، وتعيد تأهيل قيمه في نفوسهم.

قلة الإمكانيات:

وحتى المسلمين الناشطين في خدمة دينهم وأبناء جلدتهم، فهم للأسف أفراد أو جماعات صغيرة محدودة التأثير، ويفتقرون إلى وسائل ناجعة لتحقيق أهدافهم؛ فالمسلمون الروس ليس فقط لا يمتلكون أياً من وسائل الإعلام والدعاية، ولكن ليس لديهم أيضاً القدرة المادية على التأثير عليها، ولا حتى الهيبة أو القدرة المعنوية على اتقاء شرها. وأي سياسي مثلاً يستطيع التحدث بجرأة كبيرة عن خطر أسلمة روسيا وسبل مواجهة هذا التهديد المستقبلي، لكن أحداً منهم لا يجرؤ على مجرد التلميح عن خطر التهويد الحالي للإعلام الروسي وتوجيهه المبرمج للرأي العام، ولا عن تأثيرهم على السياسة والاقتصاد. بل لا يجرؤ أحد حتى على إعادة فتح مواضيع حساسة مثل: تمويلهم لحروب ومحاولات انقلاب ضد النظام الحاكم نفسه، خشية تحطيم مستقبله السياسي بتهمة معاداة السامية، أما تهمة معاداة الإسلام فلا تخيف أحداً، كما أنها ليست مطروحةً أصلاً. ومن ثم ليس أمام أولئك النشطاء المسلمين إلا الاكتفاء بالإمكانيات المتواضعة التي تحت أيديهم كالفيديوهات التوضيحية على الإنترنت، وطباعة وتوزيع المنشورات التي تحاول الدفاع عن حقوق المسلمين ودحض التهم الموجهة ضدهم. وهذا بالطبع لا يكفي لكسب التعاطف، ناهيك عن توجيه الرأي العام أو حتى التأثير عليه. كما أن المجتمع الإسلامي في روسيا مرتبك بشكل عام، ويشعر بأنه بات غريباً على أرضه، ومحاولاته غير المنظمة للدفاع عن نفسه تعمل أحياناً على تشويه سمعته أكثر في المجتمع الروسي.

وكما قلنا سابقاً فالأمل بالله كبير أن تُذلل كل تلك المعوقات وغيرها، والجهود قد بدأت ولله الحمد، وإن لم نر ثمارها فأبناؤنا إن شاء الله سيشهدون حصادها. فالخير باقٍ في أمة محمد عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة، وتلوح بشائره في جيل جديد واعٍ من الشباب المتدين، منهم من جاب بلاد الإسلام ينهل العلم من جامعاتها الشرعية. وقد كان لي الشرف بمقابلة بعضهم في سورية سابقاً والسعودية حالياً، ولم أجد نفسي دونهم علماً بالشرع فحسب، فهذا طبيعي، ولكن بلغتي الأم أيضاً، ويا للخجل. وأنا العربي ابن العربي الدارس من الابتدائية إلى الثانوية بمدارس عربية في دول عربية. اللهم كثر عددهم وبارك فيهم وذلل العقبات أمامهم واهدِ بهم من خلفهم، واغفر لنا تقصيرنا في حقهم.

 

:: مجلة البيان العدد  339 ذو القعدة  1436هـ، أغسطس  - سبتمبر  2015م.


[1] تعتمد الإحصاءات في قياس نسبة الالتزام الديني على عدد المترددين على أماكن العبادة بانتظام، ومقدار اطلاعهم على كتبهم المقدسة، ومدى تقيدهم بالعادات والمظاهر الخاصة بدينهم.

[2]  تتكون من ست جمهوريات هي تتارستان وبشكيريا وتشوفاش ومودوفيا وماري يل وأومورت، إضافة إلى إقليم أورنبرغ.

[3]  تتكون من سبع جمهوريات هي الشيشان وداغستان وأنغوشيا وقبردين بلقاريا وأوسيتيا الشمالية - ألانيا وكارتشييف شركيسيا والأديغة.

[4]  هذا غير مسلمي القرم التي ضمتها روسيا إليها مؤخراً، وهو ما دفع روسيا لتقديم طلب رسمي للمملكة العربية السعودية بزيادة حصتها السنوية من الحجاج الروس.

[5]  قام التتار المنغوليون بغزو روسيا سنة ١٢٣٧ وامتدت سيطرتهم على الإمارات الروسية الشرقية حتى عام ١٤٨٠، بينما انتزعت منهم بولندا ودوقية ليتوانيا العظمى بعض الإمارات الروسية الغربية قبل ذلك.

[6]  رغم أن ٩٠٪ من مسلمي روسيا على مذهب واحد (سنة)، بينما اليهود على أربعة فرق مختلفة، غير الملحدين، ومع ذلك تجدهم كتلة واحدة.

[7] باستثناء تتارستان التي تنخفض فيها معدلات الفساد نسبياً، تعاني بقية الجمهوريات والمناطق الإسلامية الأخرى من ضعف البنية التحتية وسوء الخدمات الاجتماعية والصحية وارتفاع نسبة البطالة.

[8] من المُلاحظ أن أي مسلم يحقق نجاحاً واضحاً في المجتمع الروسي في أي من المجالات المختلفة، يحاول أن ينأى بنفسه تماماً عن كل ما هو إسلامي.