بيّن أبو العباس ابن تيمية أن الإشارات التفسيرية لكتاب الله عند أرباب التعبّد قد يكون معناها صحيحًا، فهي وإن لم تكن مرادة من لفظ الآية لكنها قد تصبح من باب الاعتبار والقياس، فتلك الإشارات الصوفية كالأقيسة الفقهية منها الصحيح والفاسد.

ويتضح ذلك بهذا المثال: فقوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إلَّا الْـمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] إشارة إلى أن ورقه إذا كان لا يمسه إلا المطهرون فمعانيه لا يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة وأما القلوب المنجسة فلا تمسّ حقائقه، كما بسطه ابن تيمية في غير موضع[1].

وقرر ابن تيمية أن الله تعالى يفتح على قلوب عباده من المعاني والفتوحات في فهم كتاب الله تعالى ما لا يحصل لغيرهم، لأجل طهارة قلوبهم ونقاء سريرتهم[2]، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا 66 وَإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا 67 وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: ٦٦ - 68].

فقال رحمه الله: «لا ريب أن الله يفتح على قلوب أوليائه المتقين، وعباده الصالحين، بسبب طهارة قلوبهم مما يكرهه، واتباعهم ما يحبه ما لا يفتح به على غيرهم»[3].

وكم لأبي العباس من إشارات تفسيرية فريدة، ونكت علمية يتيمة، فهي فتوحات ربانية، ومواهب لدنّية، وما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها.

ثم إن مطالعة تلك الإشارات والمعاني قد تكشف طرفًا من الاهتمامات الحاضرة في ذهن أبي العباس، وتفصح عن الشواغل التي أهمته في قلبه وعقله، وآكد من ذلك أنها تظهر قدرته الفائقة ومهارته العميقة في تنزيل آيات القرآن على ما يلائمها من الوقائع والأحداث والأحوال، فقد جمع أبو العباس بين تدبر وفقه النصوص، والدراية بالوقائع والنفوس كما في الأمثلة التالية:

- في قوله تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيـكُمْ سَمَّاعُـونَ لَهُمْ} [التوبة: 47].

فبيّن أبو العباس المعنى الصحيح لقوله تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} وهو أن في المؤمنين من يقبل من المنافقين في عهد النبوة ويسمع أقاويلهم ويستجيب لها[4].

ثم أورد أشباه هؤلاء السمّاعين في سائر العصور فقال: «وهذه حال كل من خرج عن الكتاب والسنة، فإنه لا بد أن يصدق الكذب، فيكون من السمّاعين للكذب، ولا بد أن يستجيب لغير الله والرسول، فيكون سمّاعًا لقوم آخرين لم يتبعوا الرسول»[5].

وقال في موطن آخر: «ولهذا استجاب لهؤلاء الزنادقة المنافقين طوائـفُ من المؤمنين في بعض ما دعوهم إليه، حتى أقاموا الفتنة، وهذا موجود في الزنادقة الجهمية، والزنادقة الرافضة»[6].

وإذا كان من أسباب الحرمان من تدبر القرآن أن يظن أن آيات الكتاب نزلت في أقوام انقرضوا ولم يعقبوا وارثًا[7]، فإن من أجلّ أسباب فهم القرآن وعقله أن تلحق المقالات المتأخرة بنظائرها في المقالات المتقدمة، وأن تتحقق العبرة والاعتبار في القرآن، فيقاس الثاني بالأول الذي يماثله، «ويقرن الشيء بمثله فيعلم أن حكمه مثل حكمه»[8].

- وفي قوله عز وجل: {إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّـوْا مِنكُمـْ يَوْمَ الْتَقَى الْـجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَـسَبُوا} [آل عمران: 155].

فإن معنى الآية ظاهر وبيّن، فإنها تتحدث عمن تولى وانهزم يوم أحد، فاستظهر عليهم العدو بسبب ذنوبهم، وكما قرره ابن تيمية في غير موضع[9]، لكنه ألمح إلى ضرب آخر من الانهزام، وهو نظير ذلك التولي والانهزام في القتال، فألحق - رحمه الله - الهزيمة في الجدال بالهزيمة في الجلاد، كما هو حال الأشاعرة المغلوبين أمام المعتزلة، فقال: «صارت المعتزلة تسخر منهم[10] حتى يقول قائلهم: من سلم أن الله ليس في جهة، وادّعى مع ذلك أنه يُرى فقد أضحك الناس على عقله، أو نحو هذا الكلام، ولهذا صار أكثر مناظرتهم مع الفلاسفة والمعتزلة فيها من الضعف ما أطمع أولئك فيهم، وصاروا يفزعون منهم، ويجبنون عنهم.. كما قال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْـجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [آل عمران: 155]»[11].

والحاصل أن المعتزلة إنما كسروا الأشاعرة بسبب ذنوبهم حيث وافقوهم في إنكار العلو والفوقية لله عز وجل.

- وأما قوله تعالى عن المنافقين: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14]، فقد ألحق بهم أبو العباس ابن تيمية من شاركهم في هذه الأوصاف فقال: «فبيّن سبحانه وتعالى أن تشتتهم بسبب عدم العقل، ومعلوم أن هؤلاء المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم من أعظم الناس تفرقًا واختلافًا، ولهؤلاء في معنى الجسم والجوهر والمتحيّز والعَرَض وأحكامه نفيًا وإثباتًا من الاضطراب ما لا يعلمه إلا الله، فأين العقل الصريح معهم؟»[12].

وطالما ساق أبو العباس أوجه التشابه بين المتكلمين والمنافقين، لاسيما أن النفاق يتبعض، وهو شعب متعددة، وخصال كثيرة.

- بيّن المؤلف أن الله تعالى ذمّ أهل الكتاب على كتمان ما أنزل الله، وعلى الكذب فيه، وعلى تحريفه، وعلى عدم فهمه[13]؛ قال تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 75 وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلا بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ 76 أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ 77 وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ وَإنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ 78 فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 75 - 79]، ثم قال: «وهذه الأنواع الأربعة موجودة في الذين يعرضون عن كتاب الله ويعارضونه بآرائهم وأهوائهم، فإنهم تارة يكتمون الأحاديث المخالفة لأقوالهم، ومنهم طوائف يضعون أحاديث نبوية توافق بدعهم.. وأما تحريفهم للنصوص بأنواع التأويلات الفاسدة إذ يحرفون الكلم عن مواضعه فأكثر من أن تذكر، وتارة يعرضون عن تدبرها وفهم معانيها، فيصيرون كالأميّين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني.

فمن أعرض عن الكتاب وعارضه بالمعقولات لا بد له من كتمان، أو كذب، أو تحريف، أو أُميّة»[14].

وهذا من فقه أبي العباس ودرايته الواسعة بنصوص الوحيين، ومعرفته بالتاريخ ومقالات أهل الملل والنحل، وبراعته في ربط مظاهر الانحراف لدى المسلمين بجذورها عند أهل الكتاب، فكثيرًا ما أكّد على لزوم الصراط المستقيم ومجانبة أصحاب الجحيم، ومن ذلك تحذيره من هذه المسالك الأربعة التي ارتكبها أهل الكتاب، وتبعهم عليها عموم الفرق الإسلامية (كتمان الوحي، أو تكذيبه، أو تحريفه، أو عدم فهمه).

- لما ساق ابن تيمية قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] قال رحمه الله: «فالفتنة أو العذاب الأليم وعيد من خالف عن أمره، فمن أعرض عمّا أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله واليوم الآخر وأبى تصديق ذلك، وقع في فتنة البدع الكلامية، أو العذاب الأليم، ومن أعرض عمّا أمر به ونهى عنه وقع في فتنة الشهوات أو العذاب الأليم»[15].

المقصود أن هذه الفتنة قد تكون شبهات تؤول إلى الكفر والشرك، وقد تكون غيًّا وشهوات وفجور، فمن أعرض عن خبره وقع في الشبهات، ومن عصى أمره قارف الشهوات، فالشبهات داء المبتدعة وأهل الأهواء، والشهوات داء العصاة، «وكثيرًا ما يجتمعان فقلّ من تجد في اعتقاده فسادًا إلا وهو يظهر في عمله»[16].

وبالجملة فهذه الإشارات التفسيرية والمواهب اللدنية إنما هي غيض من فيض أبي العباس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولذا لا نعجب أن يجزم أبو العباس أن «من فرح بالقرآن فقد فرح بأعظم مفروح منه، ومن فرح بغيره فقد ظلم نفسه ووضع الفرح في غير موضعه»[17].

ولا عجب أيضًا أن يفجّر أبو العباس المعاني الجليلة ويبسط الأسرار العظيمة لما تضمنته الآيتان الأخيرتان من سورة البقرة، ثم يقول: «ففيها من المعارف وحقائق العلوم ما تعجز عقول البشر عن الإحاطة به، والله المرغوب إليه أن لا يحرمنا الفهم في كتابه إنه رحيم ودود»[18].

 

:: مجلة البيان العدد  337 رمضان  1436هـ، يونيو - يوليو  2015م.


[1] ينظر: شرح حديث النزول ص427، وجامع المسائل 4/65، ومجموع الفتاوى 6/376، والمستدرك على الفتاوى 1/169.

[2] ينظر: الفتاوى 4/10، 15/401.

[3] الفتاوى 13/245.

[4] ينظر: الفتاوى 2/82، 25/129، منهاج السنة 8/316.

[5] الدرء 5/262.

[6] بيان تلبيس الجهمية 3/520.

[7] ينظر: دلائل الرسوخ للشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ ص44، والدرر السنية 8/237.

[8] الفرقان بين الحق والبطلان ص216.

[9] ينظر: منهاج السنة 6/298، الفتاوى 35/375.

[10] أي تسخر من الأشاعرة، فإن المعتزلة تسلطوا على الأشاعرة لما وافقوهم في إنكار العلو، وخالفوهم في إثبات الرؤية، وهكذا من لم يثبت الحق كله فلابد أن يستطيل عليه المخالف.

[11] بيان تلبيس الجهمية 3/541 = باختصار.

[12] بيان تلبيس الجهمية 5/160.

[13] ينظر: الدرء 5/223.

[14] الدرء 5/224-227 = باختصار.

[15] نظرية العقد لابن تيمية ص150، 151.

[16] اقتضاء الصراط المستقيم 1/104.

[17] الفتاوى 16/49.

[18] الفتاوى 14/140.

googleplayappstore