درجت العادة في الكيان الصهيوني على إصدار تقديرات موقف إستراتيجية بين حين وآخر؛ يتم فيها تناول تطورات المنطقة، وتقديم جملة توصيات لصناع القرار في الكيان الصهيوني بشأن التعامل مع التحديات القائمة، وباتت تعتبر مرجعًا أساسيًّا لدى الدوائر السياسية والعسكرية والاستخبارية في تل أبيب.

تعد الساحة الفلسطينية - الصهيونية البند الأساسي في كل تقدير إستراتيجي، لأن التقديرات هذه المرة تتزامن مع فشل المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، حيث لم يتم تحقيق اتفاق سياسي، لأن الطرفين ذهبا للمباحثات مكرهين، مع إدراكهما بعدم جدواها، ووافقا على إجرائها لعدم الوقوع في مواجهة مع الإدارة الأمريكية، مع العلم أن السلطة الفلسطينية تدرك أن الكيان الصهيوني ليس معنيًّا بإنهاء الاحتلال واستمرار السيطرة على المناطق الفلسطينية عبر الاستيطان في الضفة الغربية، وتحميل الفلسطينيين مسؤولية الجمود السياسي، وهو ما عززه إصرار المفاوض الصهيوني على استمرار الوجود العسكري في المناطق المحتلة بعد التوقيع على الاتفاق وإقامة الدولة الفلسطينية، والاحتفاظ بحق استخدام هذه القوات دون تحديد زمن معين لهذا الوجود والنشاط.

التنبؤ الذي يقدمه التقدير الصهيوني يؤكد على غياب إرادة للحل عند الطرفين، في ضوء الائتلاف اليميني الذي يقوده «بنيامين نتنياهو» والمعارضة الشديدة التي يبديها ائتلافه الحكومي لأي اتفاق نهائي مع الفلسطينيين، فيما يبدو محمود عباس ضعيفًا، ويحظى بشرعية منخفضة في أوساط الجمهور الفلسطيني، مما يجعله غير قادر على القبول باتفاق يمليه الكيان الصهيوني.

حماس حظيت بنصيب من تقديرات الكيان الصهيوني التي تحدثت عن خيارات حماس المحدودة، والتي دفعت بها نحو المصالحة مع فتح، والموافقة على تشكيل حكومة لا تضم ممثلين عنها، لكن اندلاع حرب غزة الأخيرة (الجرف الصامد) شكل انهيارًا عمليًّا للمصالحة بسبب عدم جاهزية الطرفين لتطبيقه، لأن كلًا منهما يعتقد أن الآخر يستغل الاتفاق ليضعفه، ثم القضاء عليه، لكن حماس وفتح على حد سواء ليسا مستعدين للإعلان بشكل رسمي عن انتهاء المصالحة بسبب تخوف كل منهما من أن يتهمه الجمهور الفلسطيني بإفشالها.

تتحدث التقديرات الصهيونية عن أهم نتائج حرب غزة، وظهور نمط العمليات الفردية في الضفة، وسماها: «الذئب الوحيد»، والمواجهات بين الجيش الصهيوني والفلسطينيين في محيط ومداخل المسجد الأقصى. وتدعو التقديرات دوائر صنع القرار في الكيان الصهيوني للاستعداد لجولة عسكرية أخرى يمكن أن تحدث إذا فقدت حماس السيطرة على قطاع غزة، وضبط المنظمات المسلحة فيه؛ مما يتطلب من الجيش الصهيوني أن يسعى لتحقيق الانتصار بشكل واضح، وخلال وقت قصير، وأن يدمر الذراع العسكرية لحماس، ويخلق شروطًا لتسوية أفضل، وفي هذا المجال، ينبغي أن يستند الكيان الصهيوني لما سماه التقدير «مبدأ الهجوم الأمني والاعتدال السياسي».

تأخذ الدائرة الإيرانية نصيبًا لا بأس به في التقديرات الصهيونية، لاسيما في ظل المخاطر الناجمة عن برنامجها النووي، خاصة عدم صحة التوقعات الصهيونية بشأن التوصل إلى اتفاق بين مجموعة دول «5+1» مع إيران، وخطأ الفرضيات الصهيونية القائلة بأن إيران خرقت شروط الاتفاق المرحلي، المعلن في 2013م، ما يعني أن إيران ومشروعها النووي تتقدم الأخطار الخارجية المهددة لأمن الكيان الصهيوني، لأنها معنية بالمحافظة على مكتسباتها وإنجازاتها في مجال الذرة التي تبقيها دولة حافة نووية، وتريد رفع العقوبات الاقتصادية كافة عنها. لكن الغرب، وفقًا للتقدير الصهيوني، ليس مستعدًا للتنازل، والتوصل إلى اتفاق يبقي إيران على مسافة عام واحد على الأقل من إنتاج قدراتها النووية، ويريد تقليص قدرتها على تخصيب اليورانيوم، وإخراج اليورانيوم المخصب من إيران، وإغلاق المنشآت العسكرية ذات القدرات الإنتاجية.

ثم تتوجه التقديرات الصهيونية للحديث عن الاضطرابات الإقليمية في المنطقة، وأثرها على أمن الكيان الصهيوني، وتبدأ بالحديث جنوبًا عن العلاقات المصرية مع الكيان الصهيوني، حيث طرأ تحسن كبير فيها بسبب انتخاب السيسي رئيسًا، وحربه ضد جماعة الإخوان المسلمين وحماس، وقد وفرت الخطوات التي اتخذها السيسي فرصًا إضافية لتعاون أمني وعسكري بين الكيان الصهيوني ومصر وتعميقه، وبرغم ذلك، يرصد التقرير أن هذا التعاون الأمني والعسكري لم يمتد لمجالات التعاون المدني والاقتصادي بينهما.

ثم يتحدث الصهاينة عن الجبهة السورية التي تمر بحالة من انسداد الأفق بفعل الحرب الدائرة فيها، حيث ليس بمقدور مقاتلي المعارضة إخضاع النظام، فيما يعجز الأخير برغم تلقيه الدعم المالي والعسكري المتواصل من إيران والعراق وحزب الله عن حسم الأمور لصالحه.

أما على الجبهة اللبنانية، فأوصى التقدير المستويات العسكرية والأمنية في الكيان الصهيوني بالاستعداد لمواجهة حزب الله، عبر التخطيط والتدرب على حرب يجري فيها إنزال ضربة قاسية جدًا بالحزب، وقدراته العسكرية، وإضعافه قدر الإمكان بعد رحيل النظام في سوريا.

يتجه التقدير الصهيوني شرقًا نحو العراق وظهور تنظيم الدولة، وما اعتبرها الإنجازات التي حققها ميدانيًّا، حيث وفّر فرصة للكيان الصهيوني لبناء تحالفات جديدة مع الدول العربية المعتدلة، وبرغم الإقرار بدور الكيان الصهيوني في القتال ضد التنظيم عبر توفير المعلومات الاستخباراتية، لكن هذا الدور ظل على نار هادئة، خشية أن يُضطر الكيان الصهيوني لدفع الضريبة المطلوبة منه للانضمام للنادي المناهض لـ«داعش» في المنطقة، والمتمثلة في التحرك السياسي باتجاه حل سلمي وتسوية مع الفلسطينيين، أو بلورة موقف إيجابي من المبادرة العربية للسلام.

تركز تقديرات الكيان الصهيوني بالعادة على الوضع الداخلي للكيان، بالإشارة المتكررة إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تفاقم وتيرة ضعف الجهات الحكومية في الشرق الأوسط، ونتج عن ذلك الضعف أن بدأ تآكل في قدرات الجيوش النظامية، ويعتبر ناتجًا من نواتج ضعف السلطات المركزية، وتصاعد قوة وتأثير الجهات غير الحكومية، ولذلك بإمكان الكيان الصهيوني تمييز صنفين من اللاعبين غير الحكوميين في المنطقة: أحدهما اللاعب شبه الدولة مثل حماس وحزب الله وتنظيم الدولة، ويمثل تهديدًا مباشرًا وملموسًا للكيان الصهيوني، والنوع الثاني يضم تنظيمات غير حكومية، ولا تمتلك تواصلًا جغرافيًّا واضحًا، ومسؤوليتها تجاه المواطنين في المناطق التي تسيطر عليها قليلة، تبلغ حد كونها مسؤولية معدومة، وتعتمد بشكل أقل على دعم السكان الذين يعملون في أوساطهم.

وتخلص التقديرات الإستراتيجية الصهيونية إلى تعاظم التحديات التي سيكون على الكيان الصهيوني التعامل معها في الفترة المقبلة، استمرارًا لتهديدات مستمرة سابقة، مع أن أحداث 2014م شهدت تغييرات في مكانة الكيان الصهيوني الإقليمية، وأثبتت خطأ وتقويض مفهوم الكيان الصهيوني العام القائل بإمكانية الوقوف جانبًا، وعدم التدخل، وبناء سور يمنع امتداد وارتدادات عدم الاستقرار الإقليمي إلى داخل الحدود الصهيونية، وهو ما يؤكد الحاجة لإطلاق مبادرة سياسية في الكيان تأخذ في الحسبان سبل الاستفادة من الفرص التي توفرها الحالة الإقليمية لتعزيز مكانته الإستراتيجية.

:: مجلة البيان العدد  337 رمضان  1436هـ، يونيو - يوليو  2015م.

googleplayappstore