امتازت مرحلة ما بعد الاحتلال بظهور دور ضروري لمساجد أهل السنة وخطبائها في مجال لا نقول إنه كان طارئًا عليهم أو خارج نطاق عملهم، وإنما كانوا مغيبين عنه ولعقود طويلة؛ ألا وهو الجانب السياسي. وإذا كان هناك من يمارس العمل السياسي سرًا خارج نطاق الحكومات السابقة فهم قلة، ولم يرقَ عملهم إلى مستوى العمل المنظور والمؤثر على نطاق الشارع، بل ظل محبوسًا داخل الغرف المغلقة، واقتصر في جله على العمل الدعوي، وبشكل خاص ضمن التيار السلفي الذي نشط نهاية العقد الثامن من القرن الماضي، أما فيما يخص تيار الإخوان المسلمين فهو الآخر لم يخرج عن نطاق تلك الغرف، وانحصر في النخبة المثقفة، دون أن يلمس المواطن العادي دورًا له، أما من كان ضمن نطاق العمل العلني والمؤيد للحكومات فهم قلة ولا يوجد لهم تأثير يذكر، لا داخل تلك الأحزاب ولا خارجها.

وأمام هذا التاريخ الضبابي، وبين ليلة وضحاها وجد العراقيون أنفسهم بلا حكومة ولا قانون، ولا سلطة، بل قوة احتلال غاشمة، حلت كل المؤسسات وبشكل خاص كل ما له علاقة بالأمن والأمان، وهنا برز دَور دور العبادة عندما التجأ الناس إليها ووضعوا كل أمالهم وأحلامهم بين أيدي رجالها، وهو حال كل الأديان والطوائف، ولكن ما يخص أهل السنة أن حالهم ليس بأفضل من حال الآخرين، حيث لم يكن هناك ما يجمعهم إلا كونهم موظفين في دائرة واحدة وهي الأوقاف، والمفترض بهم أن يكونوا الأقرب إلى الله، وهذا ما يبحث الناس عنه وقت المحن، فكان منهم من هو بقدر المسؤولية الملقاة على عاتقه، وإن لم تكن له تجارب سوى الخطب والكلام الرنان، ومنهم من لم تزده تلك الخطب إلا حيرة وتيهًا فتاه بمن حوله، بتبني آراء واجتهادات ما أنزل الله بها من سلطان، وهؤلاء ينقسمون ثلاثة أقسام:

أحدها: من رفض العمل السياسي وأي دور له بالحياة العامة في ظل الاحتلال، بل وجدنا منهم من أفتى بشرعية الاحتلال، واعتبره ولي أمر المسلمين، بحجة ولاية الاستيلاء التي يجيزها بعض علماء أهل السنة، ناسيًا هذا البعض أو متناسيًا أن ذلك عندما يكون المستولي من المسلمين، وقد أصبح له الأمر بالقوة، وأن بعض العلماء اعتبر الرضوخ لحكمه على شرط أن يكون مستجمعًا لصفات الأئمة، بما فيها شرط النسب القرشي، وكانت فتواه سياسية وقد حاول الهروب منها.

ثانيها: من أفتى بجواز العمل السياسي، ومشاركة الاحتلال خططه، وإن وضع رأسه تحت قدمي الاحتلال.

وثالثها: اتجاه لم يكن له من الأمر شيء، وإن نجوا من النفاق، واكتفوا أن يكونوا موظفين حالهم حال باقي موظفي الحكومة، وهؤلاء حالهم لا يسر، عندما ارتضوا أن يكونوا مع الخوالف، وظلوا ضمن نطاق الشك والريبة حالهم حال الآخرين، من قبل الاحتلال وأعوانه، لأنهم لم يكونوا معه.

وفي الاتجاه الأخر برز الكثير ممن رفض الاحتلال ومشاريعه وكان صوتهم وتأثيرهم أكثر من أصحاب التيار الأول، مع سعي قوات الاحتلال وأذنابه أن يبقى صوتهم محجوبًا عمدًا وقسرًا، أو هم من تركوا أفعالهم تتحدث، بدوافع أمنية، أو ليكون عملهم خالصًا لوجه الله، ونحن نتحدث عن الأيام الأولى للاحتلال.

وبرز على الساحة من عارض الاحتلال بالكلام، من خلال الخطب والمنابر، أو قاومه، وكلاهما وضع تحت خانة الإرهاب، ومعاداة الديمقراطية والتقدم والتحرر والتطور الذي جاء به الاحتلال، ومن معه أو ممن التحق بركبه، وهؤلاء استطاعوا أن يستقطبوا الشباب المعارض للاحتلال، وربما الشباب الذين لم يكن لهم من مكان يلتقون فيه سوى المسجد لاسيما من لم يمارس العمل السياسي، ومتيقن أن  الحل لا يأتي إلا من خلال المساجد، وفي هذه الحالة وجد أئمة المساجد (المؤهل وغير المؤهل) في موقع القيادة أو المسؤولية عند هؤلاء الشباب.

وأمام هذا التنوع في التشكيل خلال السنة الأولى للاحتلال، وجد أهل المساجد أنفسهم قد توزعوا بين مسميات مختلفة، لا يفصل بينها في بعض الأحيان إلا الاسم والقيادة، وإن خرجوا من المسجد نفسه، ومع مرور السنين كان مصير هؤلاء بين شهادة أو اعتقال أو مطاردة من قبل قوات الاحتلال وأجهزة الحكومات التي عملت معه، تحت مادة «4 إرهاب»، ومنهم من  انسحب منزويًا بعيدًا عن الأنظار، دون أن يقدم مشروعًا سياسيًا بديلًا.

وكان من التيارات الإسلامية من تبنى العمل السياسي المعارض واكتفى بالتصريحات وقوة المواقف، وفي مقدمتها هيئة علماء المسلمين، التي كانت في لبنتها الأولى تضم جميع تيارات أهل السنة، وجميع من ذكرنا من المسميات والتفاصيل وغيرها، وبقي الصوت الرافض للاحتلال حتى بعد خروجه هو السائد والمهيمن على الهيئة وتصوراتها، وانحسرت بقية الأصوات فيها فانحسر نشاطها، لاسيما بعد استهدافها من قبل قوات الاحتلال والحكومات المتعاقبة، لينتهي المطاف بقادتها خارج العراق، واستحواذ رئيس ديوان الوقف السني السابق الذي تبنى مشروع الصحوات على المقر الرئيسي لها في جامع أم القرى وملحقاته، ليتخذه مقرًا له ومسكنًا وقصرًا للضيافة، مع تخاذله عن استرجاع المساجد المغتصبة من قبل المليشيات الحكومية، وإحجامه عن دعم المتطوعين لحماية المساجد وأئمتها وروادها من تلك الهجمات، ماديًا أو بمنحهم الصفة الرسمية أمام قوات الاحتلال والحكومة، وبهذه التصرفات انحسر دور الوقف السني مع ما يملكه من أموال ومكانة، وكانت خطوة استحواذ رئيس ديوان الوقف السني قد قلصت دور هيئة علماء المسلمين، فضلًا عن انحياز الهيئة إلى فصيل مسلح بعينه، جعل من الآخرين يبتعدون عنها شيئًا فشيئًا، فأصبح دورها منحصرًا بما تبثه قناة الرافدين من بيانات وتصريحات.

أما الوقف فقد خضع لضغوطات رئيس الوزراء نوري المالكي، وتبنى مواقف متخاذلة ومنها وقوفه ضد قرار غلق الجوامع والمساجد كوسيلة ضغط على حكومة المالكي، والتي صدرت من المجمع الفقهي العراقي، والذي شعر أهل السنة بضرورته، وشعرت الحكومة بخطورته ليجهض هذه الخطوة في ساعاتها الأولى.

وأمام هذا الفراغ السياسي للسلطة الدينية، حاولت بعض الشخصيات والجهات أن تملأه، وإن كانت تصريحاتهم إذا لم تتسم بالتناقض، فإنها وبكل تأكيد ليست بذلك الوضوح، ولم تكن تحمل فكرًا سياسيًّا منضبطًا، يستطيع أن يستقطب أهل السنة، ويبرز مشروعهم ومظلوميتهم، ويكون هو القائد الموحد للتناقضات والاختلافات التي خلفها من شارك بالعملية السياسية، لا ننكر أن التركة ثقيلة جدًا، إلا أن ملء الفراغ لن يكون بهذه الطريقة، أو المستوى الخطابي، الذي ينتهي مفعوله، بانتهاء التغطية الإعلامية له، ولذلك لا يمكن أن يعول عليه في إخراج أهل السنة من محنتهم، وما يحاك ضدهم، دوليًّا وإقليميًّا ومحليًّا.

وأخيرًا ظهر المجمع الفقهي العراقي، والذي يضم العشرات من الأئمة والخطباء، ومن مختلف التوجهات، ومثّل بارقة أمل جديد لأهل السنة، إلا أن طموح بعض قادته أن يكون جزءًا من الهيئات الرسمية المعترف بها قانونيًّا من غير خطوات مدروسة سيجعل نهايته كنهاية ديوان الوقف أو هيئة علماء المسلمين.

ونحن إذ نقدم هذه القراءة المختصرة للتاريخ السياسي لأهل المساجد فإننا لا نغفل أنه تاريخ غارق بالدماء والآلام والتضحيات، ولكنه الثمن الذي يدفعه كل من تصدى صادقًا لمنصب الخطابة أو الإمامة في بيت من بيوت الله، فهم القدوات التي تعلمنا منهم ألا تأخذنا في الله لومة لائم، وأن قدر الله لا مفر منه، وأن الجنة لها ثمن، فلا يبيعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، وأن تكون لهم من سلف الأئمة والصالحين وأهل المواقف أسوة حسنة، وليتذكروا ما سمعنا منهم من قول اللص للإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن، «اصبر يا إمام فإنك على الحق».

إن الحل لتؤتي السياسة الشرعية من قبل الدعاة أُكلها هو ظهور حركة إسلامية تحمل فكرًا سياسيًّا ناضجًا، يعبر عن عمق المشكلة التي تمر بها المنطقة بصورة عامة، دون اختزاله بأهل السنة في العراق، تنطلق من الجماهير المؤمنة بمشروع إسلامي متكامل وشامل، يحمل كل مقومات البقاء ومستلزمات القوة بكل مسمياتها وأدواتها، بما يوازي ويكافئ باقي القوى في أقل تقدير، وألا يكون العمل منحصرًا بالأئمة والخطباء وقد فقدوا شيئًا من بريق التأثير عندما لم يحققوا ما كان متوقعًا منهم، فلا بد من مشاركة فاعلة للشريحة الملتزمة بالمنهج الإسلامي والمدركة علمًا وتنظيرًا وممارسة أهمية العمل السياسي المنضبط في الإصلاح والتغيير وضرورة تكامله مع بقية أدوات التغيير.

وما النصر إلا من عند الله.

:: مجلة البيان العدد  337 رمضان  1436هـ، يونيو - يوليو  2015م.

googleplayappstore