الحمد لله رب العالمين معز من أطاعه ومذل من عصاه، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين حبيبنا ورسول رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد:

مع يقين المسلم أن العاقبة للمتقين وأن الله قد تكفل بحفظ هذا الدين، فإن الصراع في المنطقة قد بلغ مرحلة حساسة كثر فيها اللاعبون الأصليون والوكلاء والأجراء، وعندما تتعدى النتائجُ المشاركين وتدخل الشعوب رغمًا عنها في بؤرة الصراع وتتحمل الجزء الأكبر من المعاناة؛ فلا بد أن يرتفع وعي العامة حتى تكون تضحياتهم لرفع معاناتهم وليس لإدخالهم في سلسلة من المغارات والأنفاق المؤدية إلى المجهول. ونحن هنا في مجلة «البيان» نرى لزامًا علينا أن نسهم في تنوير العامة قبل الخاصة وأن نضع النقاط على الحروف في محاولة لفهم طبيعة الأحداث المتلاحقة؛ فنقول وبالله التوفيق:

على الرغم من اختلاف الأسماء على مر التاريخ فإن أطراف الصراع في المنطقة لم تتغير، فعندما بدأت الفتوحات الإسلامية كانت على حساب أمتين غالبتين متنافستين، سقطت فيها الأولى وهي فارس مع ما كانت تحمله من ازدراء واحتقار لأمة العرب؛ ولذا فكل من لديه اعتزاز بالقومية الفارسية لا بد أن يكون لديه ما يقابله من الحقد على العرب، وكان التدمير الكلي لدولة الفرس سببًا في أسلوب مقاومة يتناسب مع الظروف المختلفة: من اغتيال عمر رضي الله عنه، والمشاركة الفعالة في استغلال أحداث مثل قتل عثمان وما تلاه من فتن، وابحث عنهم في تبني التشيع والغلو في علي رضي الله عنه وفي الخروج عليه، وفي فتنة المختار الثقفي، أما أبو مسلم الخرساني فهو مرحلة متقدمة أباد فيها العرب في خرسان تحت راية الدعوة للرضا من آل البيت!!

وفي العصر العباسي تأصلت الانحرافات وتحولت من صراع سياسي إلى سياسي ببعد عقدي وفكري مختلف، يتبين في الإمامية من إسماعيلية وقفوا عند الإمام السابع ودخلوا في نفق الباطن ومنهم الدروز، والإثنى عشرية وهم عامة الشيعة اليوم وقد خرج منهم النصيرية الذين وقفوا عند الثاني عشر ودخلوا في نفق الباطن، ويلاحظ أن نفق الباطنية القائم على الغموض في الأهداف والزعامة والسرية حتى في الأفكار هو مخرج لكل منحرف بحيث تكون الطروحات العامة والشعارات رنانة ومقبولة من الجميع أما الممارسات فهي مختلفة تمامًا ولا ترتبط بالمبادئ.

أما الطرف الثاني فهم الروم الذين لم ينهار كيانهم السياسي والعسكري، واستمر الصراع بينهم وبين المسلمين إلى الوقت الحاضر وإن تغيرت مسمياتهم: فمن بيزنطيين إلى فرنجة إلى صليبيين إلى برتغال وإسبان وإنجليز وفرنسيين وقياصرة الروس، وأخيرًا تسلمت الراية أمريكا. ويميز الصراع مع الروم أنه في أساسه عسكري وسياسي لا يخلو من جانب استخباري تآمري متبادل من قصة الثلاثة الذين خلفوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالة عظيم الروم لمعاوية رضي الله عنه، مع ملاحظة أن الروم يخوضون صراعًا يعرفون أنه طويل وأن الأمة تملك مقومات الغلبة والتفوق، ولذا هم حريصون على عدم تجاوز الأمة لمرحلة الاستعباد والتبعية التي كانت تعيشها في القرن الماضي.

لقد حوربت الأمة بالاحتلال المباشر ومن ثم بفرض أفكار وعقائد مستوردة أريد لها أن تسود وأن تقاد الأمة من خلالها حتى بالانقلابات العسكرية، وهي مرحلة لفظت أنفاسها الأخيرة مع ما يسمى بالربيع العربي وتوابعه، الذي بيّن إفلاس الهياكل المستورة وضرورة استغلال وتفعيل القوى المحلية المناسبة، وهذه لها سوابق تاريخية يحسن استعادتها للذاكرة.

إن من يستعرض مكونات الأمة الإسلامية المستهدفة سيكتشف بسهولة أن هناك مكونًا أساسيًّا في كل أرجاء العالم الإسلامي هو المستهدف والفاعل على مر التاريخ، ذلك هو المكون السني. وتقابله بؤر تمثل بقايا كيانات كانت موجودة وحية أوقات صراعات سابقة في الدولة الفاطمية والبويهية والحمدانية والصليحية والقرمطية والصفوية وغيرها، فالصليبيون حالفوا الفاطميين في البداية وأخذوا منهم بيت المقدس وسقطت الدولة الفاطمية نتيجة للصراع بين الصليبيين والسنة، وكذلك سقطت الدولة الصفوية نتيجة دخولها طرفًا في الصراع بين الدولة العثمانية السنية والصليبيين الروس والغربيين.

لقد استعاد الغرب التاريخ ووجد في الكيانات والبؤر الباقية حلفاء طبيعيين له، واستغلوها في إسقاط طالبان والعراق في تحالف واضح للعيان مع إيران، وهناك محاولات مستميتة لإبقائهم في السلطة أو الحفاظ على وجودهم في بلاد الشام، وكذلك نلاحظ أن الغرب ينوب عن إيران في ترتيب التمكين للحوثيين في اليمن. وحتى نختصر الوضع فالدول والتجمعات السنية يعدها الغرب عدوًا بغض النظر عن السلطة الحاكمة؛ فباكستان حكومة صديقة وبلد عدو، وكذلك مصر بلد عدو يجب ألا يقف على رجليه لأن وقوفه سيخل بالمعادلة، واستقرار الشام ومصر تحت سلطة سنية قوية متحالفة مع تركيا والسعودية هو بداية النهاية للسيطرة الغربية على المنطقة وبداية عهد جديد من التوازن.

 لقد كان زلزال الربيع العربي صدمة للغرب حاول الالتفاف عليها بطرق مختلفة؛ فمن تفعيل ما يسمى بالثورة المضادة ومحاولة إعادة النظام القديم للواجهة ولو بأسماء جديدة مع الحرص على استبعاد القوى التي كانت وقودًا وداعمًا لحركة الشعوب من واجهة الأحداث، حيث جرت حملة منظمة لشيطنة ما أُطلق عليه «الإسلام السياسي» الذي يعنون به كل الأحزاب والتجمعات والشخصيات الإسلامية التي تدعو لتطبيق الإسلام؛ في محاولة لتهميشهم أو إزاحتهم من الطريق وإدارة الصراع بدونهم.

كل هذا السعي من الغرب لإفشال ثورات الربيع العربي هو للتأكيد علي أن الشعوب التي تصر على عدم قبول البدائل المطروحة ستدخل في صراع تكون وقودًا له! برغم أن الأطراف المتصارعة جديدة لا دخل لها بمشروع التغيير. وهذا واضح في مصر فقد تم البطش بالإخوان ومن معهم من الإسلاميين ومحاولة استنبات عدو جديد، حيث بدأ الجيش حملة تدمير في سيناء وطرد الناس من بيوتهم دون بدائل، وهي طريقة لتجنيد الناس في تنظيم الإرهاب المحتمل! واليمن أيضًا دخل في مرحلة انتقالية أطرافها النظام السابق والثوار من قبائل وإسلاميين، إلا أنه ظل في صراع بين حكومة المرحلة الانتقالية التي خلت من الطرف الفاعل في الثورة (الإسلاميون والقبائل) والقادم الجديد بدعم إيراني ورعاية أممية وأمريكية وهو «الحوثي»، وعند الضرورة سيطل قادم جديد يتم فيه افتراس أهل السنة بدعوى محاربته. وكذلك ليبيا تم إدخالها أيضًا فيما يسمى «مرحلة انتقالية برعاية أممية»!! فدخل البلد في صراع بين ممثل الثورة المضادة المستورد من أمريكا «حفتر»، وبين بقايا الثوار الذين قتلوا القذافي وما زالوا يحملون السلاح، وبدأ يطل عليهم القادم الجديد من بين أنقاض سرت بلد القذافي واتشح أبناء القذافي بالسواد وبدأوا في تكرار ما جرى في سوريا والعراق نفسه؛ ليتم استهداف الثوار وتدمير مشروعهم بدعوى محاربة «داعش».

«داعش»! ما «داعش»؟! إنه كيان كان «إمارة» ثم «دولة إسلامية» دون أرض، ثم أصبح «خلافة» دون شعب! إنه تنظيم أرجله معلومة ورأسه ومدبره مجهول، وأما تصرفه فواحد ومتشابه، ففي بداية وجوده في العراق وفي الوقت الذي كانت فيه مقاومة سنية فاعلة ضد الاحتلال الأمريكي، كان عمل التنظيم يتركز على ضرب مواكب عوام الشيعة إلى المزارات! وهو ما أدى إلى التفاف شيعة العراق حول حكومة الظل العراقية التي يسيطر عليها ولا يزال الشيعة القادمون من إيران، كما دخل التنظيم في صراع مع المقاومة انتهى بتواريها واستضعاف السنة في العراق، حيث فقدوا الحامي ونشأت «الصحوات». وعندما قامت الثورة السورية قام هذا التنظيم مجهول القيادة بإرسال ما يسمى جبهة النصرة، وكان الخطأ القاتل للتنظيم أنه أمّر سوريًّا - هو الملقب بالجولاني - الذي ناصر الثورة وكاد نظام الأسد يسقط؛ فأعلن «البغدادي» اندماج إمارة الشام والعراق ثم إعلان «الخلافة»! ودخلت «الخلافة» في صراع مع النصرة ومع كافة أطراف المعارضة السورية، وتم التركيز على السيطرة على الحدود والمناطق التي حررتها المقاومة، ويلاحظ أن هناك تركيزًا على النصرة بدعوى خروجها، والجيش الحر لأنه يمثل خطرًا على النظام النصيري من ناحية تماسك الجيش وكونه جاذبًا للضباط والجنود السنة للانشقاق ولأن تصفيته وإضعافه سيضعف انشقاقات الجيش لأنه من الطبيعي أن الجنود والضباط يصعب عليهم الاندماج في مجموعات مقاتلة مدنية. ولما تم إخراج تنظيم الدولة من سوريا والتضييق عليه تم تسليمه الموصل وانسحبت القوات مع أوامر بترك السلاح، ليتم استعماله من قبل التنظيم في ضرب الأكراد منافسي الشيعة ودفعهم للتقارب مع الشيعة، بل وحصل منهم تجاوزات كثيرة على الوجود السني في مناطقهم، لقد كانت كوباني فضيحة للتنظيم وأمريكا اتضح فيها التنسيق الإستراتيجي عالي المستوى. وهكذا بدأت مرحلة جديدة، ففي كل مكان للسُنة يعجز الرافضة والنصيرية عن الاستقرار فيه يتم تسليمه بصورة تمثيلية للقادم الجديد، ونحن على موعد مع تسليم دمشق وحلب بعد تدمر.

وأخيرًا، ما هو الفرق بين ضرب مواكب الشيعة العرب في العراق وتفجيرات الأحساء والقطيف والدمام؟ إنها في السياق نفسه عندما نعلم أن شيعة الأحساء لا يتبعون إيران في المرجعية وكذلك سيهات، فالأماكن المستهدفة ليست موالية لإيران، واستهدافهم سيدفعهم للانقياد للقوى المنظمة التابعة لإيران. إنها أحداث تتكرر لأن المخطِط المجهول واحد، والمُنفذ  المعلوم واحد فالأحداث تتكرر وهي فرصة لتعرية وتوضيح الانحراف، خاصة عندما تكون الحاجة ماسة لخدماتهم؛ فالورطة في سوريا فضحت حزب الله، وورطة الشيعة مع سنة العراق والشام فضحت تنظيم «الدولة» الذي يتمدد تحت مظلة من طيران التحالف الدولي!!

:: مجلة البيان العدد  337 رمضان  1436هـ، يونيو - يوليو  2015م.

googleplayappstore