يمكن التقدير ابتداءً أن كثيرًا من المواقف التي سنأتي على ذكرها في السطور اللاحقة ذات مذاقات انتخابية صرفة، يراد منها استقطاب مزيد من أصوات الناخبين من جهة، وتسجيل نقاط انتخابية على أحزاب أخرى منافسة من جهة ثانية. وربما تتبدل بين عشية وضحاها إذا قدر لمن يعلنونها اليوم أن يعتلوا مواقع السلطة بعيدًا عن مقاعد المعارضة، على اعتبار أن لكل منها اعتباراته وخطابه وتنظيراته الشعاراتية.

تشهد العلاقة بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية منذ أشهر جمودًا ملحوظًا، إن لم نقل توترًا متزايدًا، في ظل تباعد المواقف السياسية، وانسداد أفق المفاوضات بينهما، ويبدو أننا سنعيش جمودًا تفاوضيًّا إضافيًّا، قد يطول أو يقصر، لكن على كل الأحوال لن يتم استئناف المفاوضات قبل انتهاء موسم الانتخابات.

الحكومة القائمة حاليًا ليست في عجلة من أمرها لدخول مفاوضات لم تقدم ولم تؤخر كثيرًا، في حين أن الكيان الصهيوني منشغل بأجندة انتخابية حزبية داخلية بحتة. على العكس من ذلك، فإن الدخول في أي مفاوضات حتى لو كانت «بروتوكولية» لأخذ الصور التذكارية قد يشكل مناسبة ملائمة للأحزاب اليمينية المتطرفة للطعن في خصومها وتقديمهم كما لو كانوا يتنازلون عن «أرض إسرائيل» ويخضعون للفلسطينيين.

وزادت العلاقة مع الفلسطينيين توترًا عشية الانتخابات الصهيونية مع لجوء السلطة الفلسطينية لما وصفته تل أبيب بخطوات أحادية الجانب، كالذهاب لمجلس الأمن الدولي، وتقديم طلبات الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية، مما زاد الأمور تعقيدًا بينهما.

وما أن أُعلن عن عقد الانتخابات الباكرة في مارس 2015، حتى توقفت ما عرفت بـ«حروب الجنرالات» وبدأت «حروب الساسة»، وتبادل الجميع الاتهامات ذاتها عن الفشل في حرب غزة، على اعتبار أن الكيان الصهيوني بزعامة «نتنياهو» لم يحسن استغلال توفر المظلة الإقليمية والدولية الكبيرة لحصد نتائج سياسية وعسكرية من الحرب، ليس أقلها نزع سلاح حركة حماس، لكنه أخفق في ذلك.

وجرت العادة أن تشكل دماء الفلسطينيين والعرب «سلعة انتخابية رائجة» في سوق الانتخابات الصهيونية، ما قد يفسح المجال لإمكانية توقع نشوب حرب صهيونية «رابعة» على غزة، تحضيرًا للانتخابات القادمة، في ضوء التهديدات التي حفلت بها وسائل الإعلام الصهيونية في الأيام الأخيرة.

لكن رغبة الجانبين، الكيان الصهيوني وحماس، في عدم الانجرار لمواجهة جديدة بعد أن أنهكت الحرب الأخيرة قدراتهما من جهة، وبروز مخاوف من اندلاع حرب صهيونية في الجبهة الشمالية مع لبنان من جهة ثانية، قد يجعل فرص الحرب على غزة متدنية للاعتبارات السابقة.

«نتنياهو» يعلم جيدًا أن حماس في غزة تدرك نقطة ضعفه في أي حرب تسبق الانتخابات، وتتمثل في مشاهد النزوح التي عاشها المستوطنون القاطنون في المناطق الجنوبية المحاذية لقطاع غزة، وبالتالي فإن تكرار أي مشهد مماثل - ولو بصورة مصغرة - يعني سقوطًا مدويًا له في صندوق الاقتراع، وهو ما لا يجعله في عجلة من أمره لمثل هذه المواجهة، التي قد يخوضها مجددًا بعد أن يتولى رئاسة الحكومة للمرة الرابعة كما يطمح، في ظل توفر معطيات فلسطينية داخلية وإقليمية عربية تشجعه على الذهاب لتلك المعركة القادمة.

انتهاء الانتخابات وتشكيل الحكومة الصهيونية الجديدة، قد يفسح المجال واسعًا لوضع سيناريوهات محتملة لعدوان صهيوني محتمل على غزة؛ فعند الانتقال إلى مستقبل التعامل الصهيوني مع سيطرة حماس على غزة، يبدو أن هناك توافقًا حزبيًّا إلى حد بعيد على بقاء الوضع القائم كما هو، تحقيقًا لرغبة الكيان الصهيوني في ترسيخ الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية حيث تسيطر السلطة الفلسطينية، وقطاع غزة حيث تمسك حماس بزمام الأمور هناك برغم انسحابها من الحكم بموجب اتفاق المصالحة مع فتح أواسط 2014، ولذلك جاءت الحروب الثلاث الأخيرة على غزة 2008، 2012، 2014، دون أن تصل إلى تمامها، بالقضاء الكلي على حماس في غزة، برغم توفر رغبة صهيونية جامحة في ذلك.

لكن التقدير الصهيوني بأن القضاء على حماس يعني تلقائيًّا عودة السلطة الفلسطينية لفرض سيطرتها الكاملة على غزة جعل مختلف مستويات صنع القرار الصهيوني الأمنية والعسكرية والسياسية تتفق على إبقاء حماس في غزة، ولكن بـ«أظافر مقلمة»، وقد يبقى التوجه الصهيوني على حاله بعيد الانتهاء من الانتخابات إلا إذا حصل تحول إستراتيجي في السياسة الصهيونية تجاه الفلسطينيين.

ويعلم المرشحون الصهيونيون أن محاكاة صراعهم مع الفلسطينيين مع الحرب العالمية ضد ما يصفونه بـ«الإرهاب»، يحقق لهم نفوذًا داخليًّا وخارجيًّا، ولذلك ذهب بعضهم لتوظيف تصريحات وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» بدعوته لإقامة تحالف إقليمي لمحاربة حماس على غرار التحالف ضد تنظيم الدولة، وإعلانه وجود استعداد عربي للانضمام للتحالف ضد حماس.

إعادة قراءة متأنية لطبيعة البرامج الانتخابية الصهيونية، ومواقفها من القضايا الفلسطينية، السابق ذكرها، تفسح المجال واسعًا أننا قد نكون هذه المرة أمام استحقاقات سياسية للجانبين الفلسطيني والصهيوني مختلفة عن سابقاتها، لاسيما بالتزامن مع أحداث الإقليم المتلاحقة، والرغبة الصهيونية الجامحة في استغلالها أيما استغلال، وهو ما ظهر جليًّا في التصريحات الانتخابية في الآونة الأخيرة.

ولذلك قد يبدو الفلسطينيون مدعوين أكثر من أي وقت مضى لوضع تقدير موقف وطني موحد، وليس فصائلي منقسم، لمواجهة السياسة الصهيونية القادمة، أيًّا كان شكلها المتوقع: يمينًا أو وسطًا، على اعتبار أنها لحظة تاريخية قد لا تتكرر كثيرًا لمحاولة وضع أجندة فلسطينية معدة سلفًا أمام رئيس الحكومة الصهيونية القادم، وليس انتظار برنامجه السياسي، والقيام بردة فعل عليه كما جرت العادة في الدورات الانتخابية السابقة.

:: مجلة البيان العدد  334 جمادى الآخرة  1436هـ، مارس – إبريل 2015م.

googleplayappstore