شهدت الأزمة السورية تحولات عميقة في الأشهر الثلاثة الماضية؛ حيث بدأت تتعزز معالم تعاون إيراني - أمريكي في المجالات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وكان المسؤول السابق عن الملف السوري في وزارة الخارجية الأميركية فردريك هوف قد سرب تفاصيل سلسلة اجتماعات سرية أمريكية - إيرانية عُقدت في الأشهر الماضية للتداول حول مستقبل نظام بشار الأسد والدور الإيراني المقترح في مواجهة المخاطر الأمنية المشتركة.

وتحدث هوف عن أهمية الجولة الخامسة التي انتهت قبل عدة أيام واتفق الطرفان فيها على تقييم المخاطر التي يمكن أن تواجهها المنطقة إذا انهار نظام بشار.

وعلى ضوء هذه التسريبات يمكن الحديث عن أهم ملامح التعاون العسكري بين طهران وواشنطن لتغيير معادلة الصراع في سوريا وتتضمن خمسة محاور رئيسة:

إضعاف الجسد السياسي المعارض تمهيدًا لتأسيس نظام حكم توافقي يحافظ على بنية النظام.

تفكيك الكتائب المقاتلة على الأرض تحت ذريعة التطرف.

إشراف الاستخبارات الأمريكية على تشكيل قوات «معتدلة» غير معنية بمحاربة النظام.

تعزيز دور الميلشيات الإثنية والطائفية العابرة للحدود في استنزاف المعارضة المسلحة (المتطرفة) وفرض الأمن في المناطق التي لا يصل إليها النظام.

اقتسام مناطق النفوذ عبر تأسيس نظم إدارة فيدرالية تقوم على مفهوم «تمكين الأقليات».

ويمكن ملاحظة أثر تلك التفاهمات في الدور الذي تمارسه هذه القوى للإمعان في إضعاف المعارضة السياسية، حيث تتحدث مصادر داخل الائتلاف الوطني لقوى الثورة السورية عن ضائقة مالية غير مسبوقة، وافتقار الحكومة المؤقتة إلى البنية الهيكلية نظرًا لانقطاع مصادر الدعم وعجزها عن دفع رواتب موظفيها إثر توقف المساعدات الخارجية.

أما على الصعيد الدبلوماسي فقد نشط رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في التسويق لصيغة سياسية تدعمها إيران، وتقضي بإنشاء جسد سياسي معارض يقبل التعاون مع نظام بشار، وتم تداول هذه المقترحات في مؤتمري القاهرة وموسكو بدعم من واشنطن التي رحبت بالوساطة العراقية على لسان ماري هارف المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، في حين عبرت المعارضة السورية عن امتعاضها من ممارسة سياسة الإقصاء في حق رموزها، وإصدار أحكام مسبقة ضدهم، والترويج لشخصيات مقربة من النظام، مما عزز المشاعر لديهم بوجود تفاهمات مسبقة لصياغة تسوية تخدم النظام عبر إيجاد جسم جديد يتفاوض معه بسقف منخفض.

وسرعان ما ترجمت الإدارة الأمريكية تأييدها لمبدأ التسوية مع إيران عبر اتخاذ خطوات حاسمة على الأرض؛ حيث أوقفت المساعدات العسكرية عن بعض الكتائب التي كانت تصنف على أنها «معتدلة»، وأشارت صحيفة «ديلي بيست» إلى أن «كثيرًا من المقاتلين الذين تقدم لهم واشنطن مساعدات عسكرية ومدنية فوجئوا بقطع هذه المساعدات أو تخفيضها دون إبلاغهم بذلك مسبقًا»، وأشارت الصحيفة إلى تنامي شكوك المجموعات المسلحة في النوايا الأمريكية، واعتقادها أن واشنطن مستعدة لعقد صفقة مع الأسد.

وأكدت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الإدارة الأمريكية قطعت المساعدات عن أربعة ألوية معارضة وأزالت أسماءها من قائمة «الفصائل الموثوقة»، كما قامت بخفض المساعدات عن 12 كتيبة أخرى دون سابق إنذار، وعلى رأسها كتيبة «حزم» التي كانت تُعد من التشكيلات المفضلة لدى واشنطن، مما دفع قادتها للانضمام إلى الجبهة الشامية في مطلع مارس الجاري.

إلى أين يذهب السلاح الأمريكي؟

وفي مقابل التخفيضات الحادة في المساعدات المالية والعسكرية لبعض الكتائب التي صنفها الأمريكان على أنها «معتدلة»؛ يقوم جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية بالتدقيق في هويات 1200 معارض سوري لتنسيبهم إلى برنامج يديره الجيش الأمريكي، وتجري عملية التدقيق لاختيار المقاتلين باستخدام قواعد بيانات للحكومة الأمريكية ومن خلال المعلومات التي تقدمها مخابرات دول حليفة للولايات المتحدة في المنطقة، على أن يصل عدد المقاتلين إلى نحو 3000 مقاتل بنهاية عام 2015.

وتقوم الاستخبارات الأمريكية بالتنسيق مع بعض الزعامات القبلية والأكراد لتجنيد عناصر منتقاة بعناية شريطة أن تلتزم بمحاربة تنظيم الدولة دون القيام بأية عمليات قتالية ضد نظام بشار، وإذا ثبت التزام هذه العناصر بالبرنامج الأمريكي فسيتم تجهيزهم بمعدات مثل شاحنات صغيرة مكشوفة مركب عليها رشاشات وأجهزة للاتصال اللاسلكي وأجهزة متصلة بالنظام العالمي لتحديد المواقع.

إلا أن القسم الأكبر من عمليات التسليح والتمويل الأمريكي تذهب إلى الميلشيات الإثنية والطائفية العابرة للحدود، وبالأخص منها الميلشيات المرتبطة بنظام طهران؛ فعلى الرغم من إعلان ميلشيا «كتائب حزب الله» العراقية جماعة إرهابية من قبل واشنطن عام 2009؛ إلا أن أرتالًا من هذه المجموعة المرتبطة بفيلق القدس قد ظهرت في مقاطع مصورة مطلع فبراير الماضي مزودة بأسلحة ومعدات أمريكية ثقيلة من ضمنها دبابات من طراز (M1 Abrams tank) وناقلات جنود من طراز (M113) و(Humvees) و(Mine-Resistant Ambush Protected vehicles MRAP)، وذلك في ظل تردد الحديث عن حصول مجموعات إرهابية أخرى على أسلحة أمريكية مثل: «عصائب الحق» و«منظمة بدر» و«كتائب اليوم الموعود»، والتي تقوم بعمليات قتالية في سوريا تحت إشراف اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس.

وكان موقع «بلومبيرغ» قد نشر معلومات خطيرة حول وقوع الأسلحة التي ترسلها الإدارة الأمريكية إلى الجيش العراقي بيد الميلشيات المرتبطة بإيران، ونقل الموقع عن مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية قوله: «إن الإدارة الأمريكية تدرك أن الألوية المشكلة حديثًا في الجيش العراقي تتكون من ميلشيات تعمل تحت إمرة فيلق القدس الإيراني، ولكنهم يغضون الطرف عن ذلك»، وأكد السيناتور جون ماكين أن الجيش الأمريكي يعلم أن القيادة العراقية قد سلمت الميلشيات التابعة لإيران كثيرًا من المعدات والأسلحة التي قامت واشنطن بشحنها للجيش العراقي، وذلك لاعتقادهم أن الجيش العراقي سيحتاج إلى وقت طويل وتدريب شاق حتى يصل إلى مستوى الجهوزية القتالية في حين أن عامل الوقت لا يساعد على ذلك.

وفي تعليقه على تلك التسريبات؛ أقر الضابط المتقاعد في جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية مايك فلين بصعوبة تتبع مصير الأسلحة والمعدات الأمريكية المرسلة إلى الجيش العراقي، مؤكدًا أنه بمجرد تسليم الأسلحة والذخيرة إلى بغداد فإن آلية التصرف بها تصبح مجهولة تمامًا بالنسبة للأمريكان وخاصة فيما يتعلق بالمبالغ النقدية والذخيرة وشحنات الأسلحة الخفيفة.

وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد أكدت تسليم الجيش العراقي عشرة آلاف بندقية من طراز إم16 وإمدادات عسكرية أخرى بقيمة حوالي 17,9 مليون دولار في الأسبوع الأخير من فبراير الماضي، وقال المتحدث باسم البنتاجون الكولونيل ستيف وارن إن عشرة آلاف منظار و100 ألف مظروف ذخيرة أرسلت أيضًا إلى العراق، وكان الجيش العراقي قد تسلم في يناير الماضي الآلاف من خوذات «كيفلر» والدروع، بالإضافة إلى 250 مدرعة ومركبة مقاومة للألغام، وقال وارن إن الولايات المتحدة أرسلت 232 صاروخًا من طراز «هيلفاير» للقوات العراقية في 15 فبراير بالإضافة إلى 1570 صاروخًا، وقد بدأت هذه الأسلحة والمعدات تظهر بيد متطوعين عراقيين يخوضون معارك ضد المعارضة السورية في محافظتي حلب وحوران.

تعزيز النزعات الانفصالية في الشمال السوري:

بمجرد وقف العمليات القتالية في عين العرب شرع الإعلام الغربي في التسويق لمشاريع الانفصال السياسي والإداري للأكراد في محافظة الحسكة؛ إذ تزامن الانتشار الواسع لمقال ديلوفان بروري رئيس المجلس الأمريكي - الكردي في كاليفورنيا بعنوان: «حل الدولتين في العراق» مع الدعوات التي أطلقها شيركوه عباس رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا لإنشاء كيان فيدرالي كردي شمال البلاد، مؤكدًا أن تجربة الحكم المركزي في سوريا قد أثبتت فشلها.

وقد دفعت هذه التطورات بالرئيس رجب طيب أردوغان للتعبير عن قلقه من المخططات الغربية لتعزيز النزعة الانفصالية لدى الأكراد في سوريا مؤكدًا أن تركيا لا تريد منطقة كردية خاضعة لحكم ذاتي في سوريا على غرار تلك القائمة في العراق، وقال أردوغان: «لا نريد تكرارًا للوضع في شمال العراق، لا يمكننا الآن أن نقبل نشوء شمال سوريا، هذا الكيان سيكون مصدر مشاكل كبرى في المستقبل».

وتأتي تلك التصريحات في ظل عمليات التطهير العرقي التي تمارسها الجماعات الكردية المتطرفة في حق السكان العرب، حيث تتردد الأنباء عن قيام وحدات حماية الشعب الكردي بحرق منازل العرب وقتل أهلها وتهجيرهم في محافظة الحسكة بذريعة أنهم «حاضنة» لتنظيم «داعش»، وتفيد شهادات النازحين من القرى التي دخلتها الوحدات الكردية بارتكاب انتهاكات في حق سكانها، وخاصة في ناحية تل حميس التي تشكل صلة الوصل بين سنجار والقامشلي، وفيما يبدو أنه تنسيق بين حملات القصف الجوي والميلشيات الكردية على الأرض؛ شرعت الجماعات الكردية مطلع مارس في التقدم نحو القرى الحدودية مع العراق، بين منطقتي تل حميس السورية، وسنجار العراقية، حيث توغلوا في قرى: جزعة وغرناطة وسليمة وخزاعة وأحرقوا البيوت فيها، وأشار بعض سكان هذه المناطق إلى أن «سياسة الأرض المحروقة المتبعة من قبل وحدات حماية الشعب عقب المعارك قد استمرت نحو أسبوع وأسفرت عن تهجير سكان القرى العربية، وحرق وتهديم البيوت بذريعة وجود تنظيم الدولة فيها، مما يعني تغييرًا ديموغرافيًّا مقصودًا للمنطقة».

التردي الاقتصادي وتدهور وضع النظام:

أما في دمشق فقد مثل تصريح دي ميستورا حول ضرورة أن يكون بشار أسد جزءًا من أي حل سياسي بداية حملة دبلوماسية لإعادة تأهيل النظام، ومن ضمنها مؤتمرا القاهرة وموسكو وزيارة وفد البرلمان الفرنسي دمشق في 24 فبراير برئاسة جيرار بابت من الحزب الاشتراكي الحاكم ومسؤولين من مجلسي البرلمان، وسط دعوات أوربية لإجراء اتصالات مع نظام دمشق بهدف مواجهة «التطرف الإسلامي».

إلا أن أصداء حملة إعادة تأهيل بشار لم تتردد في الداخل السوري حيث يمر النظام بضائقة اقتصادية انعكست في رفع سعر ربطة الخبز من 25 ليرة إلى 35 ليرة، وتحولت مشاهد طوابير الخبز إلى ظاهرة يومية في ظل إغلاق 100 مركز لتجميع القمح في البلاد من أصل 140 مركزًا كانت تعمل قبل اندلاع الأزمة، مما اضطر أغلب المخابز إلى إغلاق أبوابها.

وبالإضافة إلى الزيادة في كلفة دعم الخبز تسبّب هبوط قيمة الليرة السورية بارتفاع ثمن الواردات، وتزامَن ذلك مع زيادة أسعار الديزل والغاز مما أدى إلى انهيار البنية التحتية لقطاع الكهرباء، وعجز النظام عن تأمين الطلب المتزايد على التدفئة خلال فصل الشتاء القارس.

أما على الصعيد العسكري؛ فقد اضطر النظام إلى إجراء تعديلات سيادية في تشكيلته التقليدية لصالح الميلشيات الإيرانية التي يقودها اللواء قاسم سليماني، وأكد المحلل العسكري جيفري وايت أن جميع تشكيلات جيش النظام قد أصبحت مختلطة بحيث تضم عناصر لبنانية وعراقية وإيرانية في صفوفها، وذلك بالتزامن مع صدور دراسة لمعهد دراسات الحرب تؤكد أن جيش النظام قد تقلص إلى الثلث.

وأشارت الدراسة إلى تنامي مشاعر السخط لدى العلويين نتيجة لارتفاع عدد القتلى في صفوفهم، حيث قدرت خسائر جيش النظام بنحو 44 ألف قتيل، وذلك دون تحقيق أي تقدم يذكر على الأرض، وقد فتح انفجار مدينة القرداحة مجال التكهنات حول استمرار ولاء الطائفة للنظام، حيث يتردد الحديث في القرى العلوية عن الرفاهية التي يتمتع بها آل أسد وآل مخلوف بالمقارنة مع حالة البؤس التي يعاني منها أبناء الطائفة في ظل شح الموارد وتردي الأوضاع الأمنية.

وتتحدث المصادر عن تذمر الضباط العلويين من سلوك القيادة الإيرانية الجديدة التي تعاملهم بعنجهية واحتقار، واتهامهم الضباط السوريين بالتواطؤ مع المعارضة وكذلك مع إسرائيل!

ونظرًا لعدم ثقة قاسم سليماني بالقيادة العسكرية السورية؛ فإنه اعتمد بصورة مطلقة على العنصر الخارجي في معارك خناصر والسفيرة شرقي حلب، مما أثار امتعاض الضباط السوريين الذين بدؤوا يشعرون أن النظام قد فقد السيطرة على الوضع في البلاد.

وبلغ التوتر ذروته بين عناصر «حزب الله» وقوات الدفاع الوطني التابعة للنظام السوري في الاشتباكات والخطف المتبادل بين الطرفين في يبرود، مع فرض حظر التجول الليلي لوقف الاقتتال الذي أسفر عن سقوط 6 قتلى ووقوع إصابات في صفوف قوات الدفاع الوطني، وتزامنت هذه الأحداث مع اندلاع القتال بين قوات النظام وعناصر من الطائفة المرشدية إثر خلاف وقع في أحد النوادي الليلية في منقطة الشاطئ الأزرق، وأسفرت الاشتباكات عن سقوط عدد من القتلى والجرحى ووقوع أضرار مادية في منازل قريبة وعدد من السيارات المدنية التي تعرض بعضها للحرق.

المغامرة الإيرانية وتكلفتها الباهظة:

وتأتي أنباء تذمر القيادات العسكرية في جيش النظام على خلفية تولي الحرس الثوري الإيراني العمليات العسكرية في سوريا، في ظل تكرر الإشادة الأمريكية بالدور «الإيجابي» الذي تمارسه إيران في مواجهة المجموعات المتطرفة في المنطقة.

وكان اللواء قاسم سليماني قد أشرف على تنفيذ خطة عسكرية شاملة تهدف إلى تعزيز وضع النظام في حلب وريف دمشق، متبعًا في ذلك الإستراتيجية التي نفذتها قواته في معارك آمرلي وجبل سنجار، وذلك من خلال أربعة محاور رئيسة تتمثل فيما يأتي:

قطع طرق الإمداد عن كتائب المعارضة عبر محاولة الالتفاف عليها في عمليات نوعية تنفذها التشكيلات الأكثر تمرسًا من كتائب «حزب الله» اللبناني وفيلق القدس.

تشتيت كتائب المعارضة عبر فتح عدة جبهات بالاعتماد على مجموعات حديثة التشكيل من المرتزقة العراقيين والأفغان.

شن عمليات واسعة بهدف فك الحصار عن المدن المحاصرة التابعة للنظام والسيطرة على مناطق إستراتيجية في جبهتي حلب وحوران.

تقليل الاعتماد على ألوية جيش النظام المنهكة، واستحداث فرق جديدة تحت مظلتي: «الدفاع الشعبي» الذي يشرف سليماني على تدريبها وتسليحها من خلال تأسيس 14 مركز تعبئة في مختلف المحافظات السورية تقوم على نمط تجنيد فرق «الباسيج» الإيرانية، وكتائب «حزب الله السوري» الذي تشكلت نواته حديثًا من نحو 3000 مقاتل، ويشرف قادة لبنانيون على تدريبها في مجالات العمليات الخاصة والاستخبارات العسكرية وحماية المواقع الإستراتيجية ونقاط التفتيش.

وشهد شهر فبراير ذروة المواجهات بين كتائب المعارضة السورية والميلشيات التابعة لإيران والتي منيت بفشل ذريع، ويمكن الوقوف على أسباب الإخفاقات الإيرانية من خلال تتبع سير العمليات في الجبهتين الرئيستين بمحافظتي حلب وحوران:

جبهة حلب: عقدت القيادة الإيرانية في فبراير سلسلة اجتماعات في نادي الضباط باللاذقية حضرها من الجانب السوري: اللواء أديب سلامة واللواء شوقي يوسف واللواء زهير الحمد، والعميد الإيراني حيدر أكبر شامخلي، وعدد من عناصر «حزب الله» اللبناني، حيث تم الاتفاق على تعويض خسائر النظام في جبهة حلب من خلال حشد قوات إضافية من الميلشيات تتمركز في الأكاديمية العسكرية في حلب وكلية المدفعية والتسليح ومطار النيرب، ومن ثم تتحرك باتجاه نبل والزهراء وطريق الكاستيلو بهدف قطع كافة خطوط الإمداد عن حلب وتطويقها. ولدى الشروع في تنفيذ هذه الخطة واجهت الميلشيات مقاومة عنيفة من قبل كتائب المعارضة التي اشتبكت معهم قرب قريتي باشكوي وحندرات بريف حلب الشمالي، وأسفرت المعارك عن استعادة المعارضة مناطق إستراتيجية في ريف حلب الشمالي وبسط سيطرتها على دوير الزيتون والملاح وحردتنين، في حين فشلت الميلشيات الإيرانية في التقدم باتجاه بلدتي نبل والزهراء، وكان من اللافت ارتفاع حجم الخسائر البشرية لدى الميلشيات التي بلغت حصيلة القتلى لديها نحو 600 قتيل، ووقوع 155 في الأسر.

جبهة حوران: تشكلت في مطلع فبراير غرفة عمليات بقيادة ضابط في الحرس الثوري الإيراني في معسكر تل الهوى شمال القنيطرة، كما سيطر «حزب الله» على مركز سابق لقوات مراقبة الهدنة التابعة للأمم المتحدة في نبع الفوار في الريف الشمالي الشرقي للقنيطرة، أما جيش النظام فقد انحصرت عملياته في تقديم الإسناد من خلال تمركزه في مدينة الصنمين، وتحركت القوات في محورين رئيسين:

أ- الانطلاق من الجولان بهدف استعادة السيطرة على التلول ذات الأهمية الإستراتيجية، ومن ثم التمدد شرقًا نحو قرى: نوى، والشيخ مسكين، وإزرع، وبصر الحرير، لفك ارتباط كتائب المعارضة مع الحدود الجنوبية وقطع خطوط الإمداد عنها.

 ب- التحرك من جهة الأوتستراد الدولي والمناطق المحررة المحيطة به غربًا بهدف استنزاف كتائب المعارضة وتشتيتها ريثما تتمكن قوات النظام من تعزيز وضعها في الغوطة الشرقية. وفي يوم 7 فبراير نفذت الميلشيات الإيرانية هجومًا ناجحًا في دير العدس وبسطت سيطرتها عليه، لكنها فوجئت في اليوم التالي بهجوم كاسح أوقع نحو 200 قتيل وأسر نحو 30 عنصرًا لبنانيًّا وتدمير عدد كبير من الدبابات. وتشير المصادر إلى انهيار كامل لدى الميلشيات الإيرانية في الجبهة الجنوبية إثر فقدان عدد من القادة الميدانيين من «حزب الله» و«فيلق القدس»، وذلك مقابل ارتفاع معنويات كتائب المعارضة التي نجحت في الوصول إلى حدود إزرع والصنمين، ولا تزال تتقدم في خطى وثيقة نحو الأوتستراد الدولي عقب سيطرتها على اللواء 82. وعكست أنباء مقتل عدد من ضباط الحرس الثوري الإيراني وعناصر قيادية من «حزب الله» إضافة إلى إصابة اللواء رستم غزالي رئيس إدارة الأمن السياسي المصير الذي آلت إليه الحملة الجنوبية بعد شهر من المواجهات المضنية.

ويمكن القول إن المعادلة الإستراتيجية في سوريا تمر بتحولات حاسمة تتمثل في اضمحلال دور النظام لصالح الهيمنة العسكرية الإيرانية التي تتمتع بدعم أمريكي يثير تساؤلات في مختلف العواصم العربية حول التوجهات الأمريكية لتعزيز وضع إيران العسكري في سوريا بعد أن مكنت طهران من السيطرة على بغداد.

وعلى الرغم من المخاطر الإقليمية لهذه التوجهات إلا أن واشنطن لا تزال تمعن في إضعاف أجهزة الحكم المركزي في الجمهوريات العربية، وتستمر في تقديم الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي للميلشيات الإثنية والطائفية العابرة للحدود.

وفي مقابل هذه السياسة التفتيتية المقيتة؛ يقف مشروع المد الإيراني أمام جدار صلب من المقاومة الشعبية، وتنغص صور تمريغ جثث جنرالات قاسمي على طين حوران الأحمر صفو المحادثات السرية بين واشنطن وطهران.

ولا شك في أن التحولات الإقليمية المتمثلة في تعزيز التعاون بين تركيا ودول مجلس التعاون ستدفع باتجاه تحالف إقليمي ناضج ينبذ الخلافات الهامشية ويدرك مخاطر التوجهات الأمريكية على أمن المنطقة، ويمهد الطريق لتبني سياسة أمنية ناجعة.

ويتزامن ذلك مع التطور الإيجابي الذي تبديه المعارضة الميدانية في سوريا من خلال نضجها البنيوي وقدرتها على توحيد الصفوف وتنسيق العمليات بهدف بعثرة النظام ومنعه من المناورة.

فهل ينجح الجسد السياسي في النهوض من كبوته ومواكبة التطور الميداني؟

سؤال نوجهه إلى «لوبيات» الائتلاف الوطني المتصارعة وأعضاء الحكومة المؤقتة.

:: مجلة البيان العدد  334 جمادى الآخرة  1436هـ، مارس – إبريل 2015م.