ليلة عصيبة عاشها اليمنيون غداة سقوط عاصمتهم صنعاء بأيدي مسلحي الحوثي يوم 21 سبتمبر 2014، إثر مواجهات عنيفة شهدها عدد من أحياء المدينة على مدى أربعة أيام بين مقاتلي جماعة الحوثي مسنودين بقوات عسكرية موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح، وبين قوات عسكرية موالية للقائد العسكري علي محسن الأحمر المقرب من حزب «التجمع اليمني للإصلاح» وأبرز القيادات العسكرية التي أيدت مطالب المحتجين إبان ثورة فبراير 2011.

لم تبدأ فصول مسرحية إسقاط صنعاء عند هذا التاريخ، 21 سبتمبر، غير أن السقوط الدراماتيكي المفاجئ لهذه المدينة التليدة أثار صدمة عنيفة لدى المواطنين اليمنيين، حين استفاقوا على مشاهد سيطرة المسلحين الحوثيين على مؤسسات الدولة، ونهب أسلحة الجيش واقتيادها إلى صعدة، بينما شعارات «الصرخة» الحوثية تغطي جدران الشوارع وبوابات المؤسسات الحكومية.

حالة من الذهول دفعت محللين سياسيين وإعلاميين للتعبير عنها كلٌ بطريقته؛ يقول الكاتب اليمني مروان الغفوري: «في الواحد والعشرين من سبتمبر 2014 سقطت الجمهورية في اليمن، وصعد نظام جديد خليط من الميليشاوية والملكية والجمهورية بمرجعية ثيوقراطية متوحشة»، ويضيف: «يتحدث مشايعو هذا النظام عن رحمته وعدالته. أما الآخرون، وهم الأغلبية، فيتحدثون عن جبروته ولاأخلاقيته. بموازاة ذلك منح هذا النظام الجديد أتباعه الأمن، وقال إنهم المواطنون الصالحون. أما الآخرون فكان الخوف نصيبهم، وكانوا بنظر هذا النظام الجديد مجرد لصوص، وإرهابيين، وعملاء. هكذا انقسم المجتمع أفقياً منذ اليوم التالي للسقوط. بقيت نسبة من السكان خارج هذه الثنائية، وهؤلاء علقوا بين المواطنين الصالحين والأشرار».

للوهلة الأولى ظن كثيرون أن جحافل مسلحي حركة الحوثي القادمين من كهوف مران شمال الشمال، الذين يطلقون على أنفسهم «أنصار الله»، هم وحدهم القوة العسكرية التي اجتاحت عاصمة اليمنيين، ونصبت نقاط التفتيش في شوارع المدينة، وعملت على عسكرة كل مظاهر الحياة، لكن ما لبث أن اتضحت الصورة رويداً رويداً مع توالي سقوط الكثير من الأقنعة، قبل أن تتهاوى معظم مؤسسات الدولة، بالعاصمة صنعاء، بأيدي المسلحين الحوثيين، وتالياً سقوط محافظات البلاد الواحدة تلو الأخرى.

في واقع الأمر، لم تكن القوة العسكرية الحوثية التي أبهرت الناس، على الأرجح، سوى دثار لرجال الرئيس السابق علي صالح، الذي ظل على مدى ثلاث سنوات يعيد بناء تحالفاته القديمة وإنشاء تحالفات أخرى جديدة فور عودته من المملكة السعودية، غير أنه ما لبث أن أدار للسعودية ظهر المجن، وقدم العاصمة صنعاء على طبق من ذهب لجمهورية إيران.

قبل هذه الأحداث، صمت علي صالح برهة من الوقت، لكن ما إن اقترب موعد إسقاط العاصمة حتى أطلق في فضاء المشهد اليمني «بالون» النفق المحفور تحت منزله، استثمره الرجل بدهاء لحشد أكبر قدر ممكن من أنصاره الذين وفدوا إليه من جميع المحافظات للتهنئة بسلامته، بينما في الحقيقة كان يوجههم لمخططاته القادمة.

بالتوازي مع نفق صالح، اتخذت جماعة الحوثي من قرار الحكومة رفع الدعم عن المشتقات النفطية ذريعة لحشد أنصارها إلى العاصمة صنعاء، وإقامة مخيمات في شارع المطار، أحد الشوارع الرئيسية، مطالبةً بإسقاط الحكومة، في الوقت ذاته حشدت الجماعة مسلحيها على مداخل العاصمة، وأقامت لهم مخيمات اعتصام مماثلة، لتصبح تظاهرات جماعة الحوثي في شارع المطار، مجرد غطاء تكتيكي لتحركاتها المسلحة على مشارف العاصمة، وهي التحركات التي جرت تحت سمع الدولة وبصرها، ومهدت لتسليم المدينة إلى ميليشيات الجماعة.

مسرحية ممتدة

بدأت أولى فصول المسرحية منذ سقوط اللواء 310 في عمران بأيدي مقاتلي الحوثي بتاريخ 8 يوليو 2014، إثر خيانات مسؤولين عسكريين، مهدت لاقتحام اللواء وتصفية قائده العميد حميد القشيبي، بعد مواجهات عنيفة قادها ضد مسلحي الحوثي دامت عدة أشهر، لمنع سقوط المدينة، غير أنه دفع حياته ثمناً لفاتورة صموده في الدفاع عن بقايا هيبة الدولة اليمنية وشرفها، وانتهى المشهد هناك بتواطؤ كبار قادة الجيش مع الحوثيين، لإسقاط اللواء 310 بأيدي مسلحي الحوثي، الذين قاموا على الفور بنهب عتاد عسكري ضخم، كان كفيلاً بخلق واقع جديد في معادلة الصراع السياسي وقوى النفوذ السياسي والعسكري في البلد.

توالت الانتكاسات التي يشهدها الواقع اليمني، واستفاد الحوثيون من جولات الحروب الست، التي خاضوها مع الدولة في إدارة التفاوض مع مختلف الأطراف، وصولاً إلى حصد أكبر قدر ممكن من الامتيازات والمكاسب السياسية بناءً على نتائج حروبهم على الأرض، ولذلك كانوا حريصين على ما يبدو في استباق احتلال العاصمة صنعاء على استرضاء الفاعلين الدوليين وطمأنتهم بشأن تحركاتهم المسلحة لإسقاط محافظة عمران، واتخاذها مركز انطلاق لحصار العاصمة صنعاء وإسقاطها.

أدرك الحوثيون باكراً دور الخارج في الوصول إلى غاياتهم، لذلك شرع زعيم المتمردين الحوثيين عبدالملك الحوثي في دغدغة مشاعر الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بالحديث عن تصديه لمن أسماهم «الإرهابيين»، و«التكفيريين» و«الدواعش»، الذين قال إنه سيذهب لقتالهم، لذلك تركزت أهداف المقاتلين الحوثيين العسكرية في العاصمة صنعاء بعد سيطرتهم على مقر التلفزيون الرسمي، على تصفية جامعة الإيمان التي يرأسها الشيخ عبدالمجيد الزنداني المتهم أمريكياً بتمويل «الإرهاب»، ومقر المنطقة السادسة التي يقودها اللواء علي محسن الأحمر المحسوب على «الإسلاميين»، ثم توالت الاقتحامات لمقرات حزب الإصلاح وعدد من الجمعيات والمؤسسات الخيرية ودور القرآن الكريم.

هذه التحركات الحوثية كشف عنها أكثر من مسؤول سياسي في جماعة الحوثي، وظهر مستوى التنسيق الأمني بين الحوثيين والولايات المتحدة الأمريكية جلياً في الحرب الأخيرة التي خاضها مقاتلو الحوثي بمساندة ألوية من قوات الحرس الجمهوري الموالية للرئيس السابق علي صالح ضد القبائل السنية في منطقة رداع بمحافظة البيضاء.

أسباب مباشرة للسقوط

ثمت أسباب وظروف عديدة ساهمت في تسريع وتيرة إسقاط مركز الدولة اليمنية بأيدي مسلحي جماعة الحوثيين، أبرزها التحالف غير المعلن بين جماعة الحوثي والرئيس السابق علي صالح، المدفوع برغبة انتقامية ضد كل من اشترك في ثورة فبراير/شباط 2011 التي أسقطته من عرشه، وفي مقدمتهم حزب الإصلاح واللواء المنشق علي محسن الأحمر، الذي شكل جيشاً لحماية الثورة، وهي الرغبة التي وافقت رغبة إقليمية ودولية (أميركية - خليجية) في تصفية إخوان اليمن (حزب الإصلاح) أو جرهم إلى حرب أهلية تفقدهم مشروعهم السياسي المدني، ويمكن على إثرها شمولهم بقرار من مجلس الأمن كمنظمة إرهابية في ظل وضع اليمن الواقع تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ساهمت أحداث الاحتجاجات 2011، وما تلاها من مرحلة انتقالية، في المزيد من ضعف وهشاشة بنية الدولة، واستمرار حالة الانقسام والفرز السياسي واستحكام نزعة الولاءات الشخصية في مؤسسات الدولة، بخاصة الأمن والجيش، الذي صُنف، علاوة على ذلك، بأنه يعاني من «مخاطر فساد حرجة»، بحسب مؤسسة الشفافية الدولية في تقريرها الصادر لعام 2013، وهو أسوأ تصنيف لمؤسسة حكومية في العالم.

تزامنت هذه الظروف مع حالة احتقان شعبي واسعة تجاه حكومة الوفاق الوطني التي أخفقت في تلبية طموحات اليمنيين وخيبت آمالهم، وزادت في ضغائنهم تجاه ثورة فبراير 2011، وزاد الطين بلة قرار تحرير أسعار الوقود، ما جعل تحالف الحوثي - صالح يمتطي عاطفة الناس ويتقدم صفوف الدفاع عن الفقراء.

ناهيك عن ذلك، أدى غياب كاريزمية رئيس الدولة، وترهل النخبة السياسية اليمنية الواقعة تحت تأثير الصراعات المزمنة، إلى الفشل في صياغة مشروع وطني جامع، برغم نجاح كافة الأطراف والمكونات السياسية والمجتمعية، نظرياً، في إدارة خلافاتها في وجهات النظر إزاء مختلف الملفات والقضايا الشائكة، تحت سقف مؤتمر الحوار الوطني على مدى تسعة أشهر، وصولاً إلى الاتفاق على جملة من المبادئ والمعالجات، التي لم تجد طريقها إلى النور.

برغم الرعاية الأممية لخطوات المرحلة الانتقالية، ثمت أخطاء فادحة ألقت بظلالها أيضاً على الحالة اليمنية، وساهمت في إذكاء الصراع المسلح، بعد ثلاث سنوات من نزع فتيله، إثر اتفاق التسوية المعروف بـ«المبادرة الخليجية»، من بين تلك الأخطاء: تساهل المجتمع الدولي إزاء استحقاقات العدالة الانتقالية، واستبدالها بقانون العفو العام (الحصانة) عن الرئيس السابق وأركان حكمه، في سابقة تؤسس للإفلات من العقاب وتشجع على العنف. بالإضافة إلى ذلك، أدت ممارسة الانتقائية في مهام إنفاذ القانون إزاء التعاطي مع جماعات العنف المسلح إلى اتساع دائرة العنف والاستقطاب، وذلك من خلال التقاعس عن نزع سلاح جماعة الحوثي في شمال البلاد، وصولاً إلى إسقاط العاصمة صنعاء ومدن يمنية أخرى بأيدي مسلحيها، مع استمرار التأكيد على استمرار الحوار معها مقابل إغلاق باب الحوار مع عناصر تنظيم «القاعدة»، تحت ضغط أمريكي بالطبع، ما أدى إلى المزيد من غلو وعنف هذه المجموعة.

:: ملف خاص بعنوان " الحوثيون.. من صعدة إلى صنعاء"

:: مجلة البيان العدد  330 صفر  1436هـ، نوفمبر  2014م.