شهدت دبلن مطلع ديسمبر 2012، لقاء ثلاثياً جمع وزيري خارجية روسيا سيرغي لافروف وأمريكا هيلاري كلينتون والأخضر الإبراهيمي. اللقاء كان يبدو مختلفاً عن اللقاءات السابقة، فقد كان بناء على دعوة من الإبراهيمي دون إعلان مسبق. بعد هذا اللقاء وفي التاسع من الشهر نفسه جمع لقاء آخر الإبراهيمي بوليم بيرنز مساعد كلينتون وميخائيل بوغدانوف نائب لافروف، وبعدها بأيام اجتمع بيرنز في موسكو بكل من بوغدانوف ثم لافروف؛ ما يؤكد أن الاتفاق بين الدولتين على حل «للأزمة» السورية قد تم بالفعل، وأن الكلام انتقل الآن إلى الخطوات الإجرائية وتفاصيل التنفيذ. وقد صاحب هذه التحركات بين الدولتين مجموعة من التصريحات التي انطلقت من جهات متعددة؛ فنائب الرئيس السوري فاروق الشرع في حوار مع صحيفة «الأخبار» اللبنانية المقربة من حزب الله، يقطع بأن كلاً من النظام والمعارضة لن يستطيع حسم المعركة عسكرياً، وأنه لا بد من تسوية تاريخية برعاية إقليمية دولية، واتسقت تصريحات المحيطين بالنظام من أبواق ومحللين حول ضرورة الحوار وأهميته والنعي على المعارضة الخارجية عدم قبولها الحوار، رغم أنهم كانوا في السابق يتهمون هذه المعارضة بالضلوع في المؤامرة الكونية ودعم الإرهاب ويرفضون مشاركتها في الحوار؛ وإيران تدخل على الخط باقتراح البنود الستة التي لا جديد فيها عن موقفها القديم من ضرورة الحوار بين الحكومة والمعارضة وبقاء الأسد ونظامه، إلى تصريح حسن نصر الله بأن الوضع صعب ومعقد لكن من يظن أن المعارضة ستنتصر فهو مخطئ «جداً جداً جداً» كما قال، إلى انزواء الموقف الأوروبي لا سيما الفرنسي النشط سابقاً ومعه البريطاني فيما بدا أنه إفساح مجال للاتفاق الروسي الأمريكي الوليد.

ثم بدأت التسريبات حول خطة جديدة للإبراهيمي مبنية على اتفاق روسيا وأمريكا سيعرضها على النظام في زيارة مرتقبة لدمشق، وكان مما تسرب حول الخطة أن يحصل انتقال سلمي للسلطة بقيام بشار الأسد بتشكيل حكومة انتقالية ثلثاها من المعارضة وثلثها من أطراف في النظام تقبل بها المعارضة، على أن يبقى رئيساً صورياً بلا صلاحيات حتى انتخابات 2014، ثم تسربت أنباء أخرى عن اقتراح أن يقوم بعد ثلاثة أشهر بمغادرة البلاد وترك منصبه تماماً، وفي كل الأحوال يضمن الاقتراح خروجاً آمناً لبشار الأسد، وقيل مصحوباً بـ 140 من القيادات المحيطة به، أي رؤوس العصابة والمسؤولين المباشرين عن الإجرام. ويكون من مهمات الحكومة الجديدة العاجلة؛ إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية، ثم إعداد دستور وتنظيم انتخابات برلمانية وأخرى رئاسية لا يرشّح فيها الأسد نفسه، وهو ما قيل إنه لاقى رفضاً من النظام!

قبيل سفر الإبراهيمي لدمشق التقى أعضاء الائتلاف الوطني المعارض في القاهرة، وقد كتب بعده رئيس الائتلاف معاذ الخطيب على موقعه: «قلنا لكل مسؤول اجتمعنا معه: إن بقاء النظام ورأسه بصلاحيات أو دون صلاحيات أمر مرفوض من السوريين، هل بعد عشرين شهراً من تضحيات ودماء الشعب السوري يأتي من يقول باستمرار الوضع حتى بداية عام 2014؟ قيادة الائتلاف مجتمعة أبلغت الأخضر الإبراهيمي بشكل مباشر رفض هذا الحل»، وهو ما يعني أن الأمر لم يعد مجرد تخمينات وتسريبات، لكن هذه هي ملامح خطة الإبراهيمي الرئيسة.

بعد «تشرف» الإبراهيمي بلقاء الأسد كما قال، وتأكيد الأخير حرصه على كل ما يؤدي إلى سلامة ووحدة سورية؛ التقى الإبراهيمي أعضاء هيئة التنسيق الوطني - معارضة الداخل المتناغمة مع موسكو وطهران - الذين أكدوا تأييدهم لحل مدعوم إقليمياً ودولياً، ثم أُعلن عن بقاء الإبراهيمي في دمشق، وعن سفر فيصل المقداد نائب وزير خارجية سورية لموسكو، ثم سفر الإبراهيمي نفسه إليها يوم السبت.. تحرك محموم ينبئ بأن هناك اتفاقاً عاماً مع وجود عقبة ما تجري محاولة تذليلها، لا سيما أنه قد أشيع أن رفض النظام لهذه الخطة سيؤدي لتحول في الموقف الروسي، ومع ذلك فهناك تلميح بأن النظام سيرفض، وهذا غير مستبعد على نظام أعمى الله بصيرته منذ بداية الأزمة، حيث كان يمكن أن يخرج منها بقليل من الخسائر، وعندها فإن الاحتمالات كلها ستكون مفتوحة؛ من تسليح المعارضة، إلى إمكانية التدخل الغربي المباشر لوضع اليد على السلاح الكيميائي وحرمان الثوار من نصر ساحق بالقدرات الذاتية، ولترتيب الأوضاع على الأرض والتدخل على الساحة بحجة حماية الأقليات.

السؤال المهم هنا وسط هذه الجلبة الدبلوماسية هو: هل تحقق هذه الخطة تطلعات الشعب السوري، وهل تناسب الثمن الكبير الذي دفعه والتضحيات العظيمة التي قدمها؟

إن مما لا شك فيه أن ما يحصل اليوم على المستوى السياسي سيكون محصلة لميزان القوى بين الأطراف المتصارعة؛ سواء على الأرض السورية أو في البعدين الإقليمي والدولي، مدفوعاً بمصالح كل طرف من الأطراف. خطة الإبراهيمي ربما تكون راعت مصالح كل الأطراف الداخلية والخارجية إلا طرفاً واحداً فقط، هو ببساطة الشعب السوري وقواه الثائرة، سواء عسكرياً أو في الحراك المدني الشعبي، وهو ما عبر عنه الخطيب بكلامه السابق.

بالنسبة للنظام فبرغم ما يظهره من تماسك فاق به غيره من الأنظمة التي أطاحت بها الثورات السابقة، إلا أن الأرض التي يقف عليها تتآكل تحت قدميه، وبات واضحاً خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة تحديداً أنه عاجز عن الدفاع عن كثير من مواقعه وقطعاته العسكرية، حتى على أبواب العاصمة دمشق، حيث شهدنا تساقط هذه القطعات واحدة تلو الأخرى دون أن يستطيع النظام استعادة شيء منها، وبدا أنه يركز كل همه في دمشق على حدود دائرة ضيقة في جزئها الغربي، حيث يقع القصر الرئاسي ومطار المزة العسكري وما حولهما من مناطق جهة الجنوب؛ كداريا التي فقدها، والمعضمية التي يقاوم للبقاء فيها، والحال في حلب قريبة من هذا الوضع؛ فالنظام الآن موجود على حدود 20% من المدينة في مناطق أمنية ومعسكرات ومقرات حكومية، وعجز عن «تطهيرها» رغم إطلاق حملة لذلك قبل أسابيع زعم أنها ستنهي معركة حلب خلال عشرة أيام.

وبصفة عامة، فإن النظام لا يحقق أي تقدم على الأرض، بل إنه يخسر أرضاً جديدة كل يوم، ومعنويات جنوده وشبيحته صارت في الحضيض كما يظهِر كثير من اللقطات، والانشقاقات تزداد يوماً بعد يوم وتأخذ زخماً أكبر على المستوى الكيفي من حيث الرتب المنشقة ومناصب أصحابها، والكمي حيث ينشق الجنود بالعشرات والمئات، أو يستسلمون. ولا يبقى في يد النظام من قوة مؤثرة سوى النيران البعيدة وسلاح الطيران، وهو الأكثر إيلاماً وتأثيراً على المجاهدين، لكنه بأي حال لا يمكن أن يحسم المعارك الدائرة على الأرض، لا سيما عندما تتقارب القوات بحيث يصعب التمييز بينها، أو عندما يكون العدو - المجاهدون - لا يتجمّع بأعداد كبيرة في قطعات أو معسكرات.

في ظل هذا الوضع الميداني تبدو خيارات النظام ضئيلة؛ فاستمرار المعارك على هذه الوتيرة يعني خسارته الحرب في نهاية المطاف وسقوط نظامه بكل أركانه وخروج الطائفة النصيرية من الحكم إلى غير رجعة، فلا يبقى لرأس النظام إلا: الهرب، أو الوقوع في الأسر أو القتل، أو الانسحاب إلى المناطق الساحلية حيث تجمع النصيريين الأكبر والتحصن بالجبال ومواصلة القتال، مع احتمال إقامة دويلة علوية تشمل الساحل وجزءاً من حمص وتكون عاصمتها مدينة طرطوس كما أشيع.. الاحتمال الأخير يبدو بعيداً عن الواقعية، فمثل هذه الدويلة لا تتوافر لها مقومات الحياة إلا بمدها بشريان خارجي تبدو روسيا وإيران المرشحتين لإيجاده، لكن مغامرة روسيا بدعم مثل هذه الدويلة محل نظر، والاعتراف بها إقليمياً ودولياً مشكوك فيه، لا سيما أنه سيشكل خطورة استراتيجية على تركيا التي لديها على حدود هذه الدويلة أكثر من عشرة ملايين تركي نصيري أبدى كثير منهم دعمهم وتأييدهم للأسد، وقد تبدأ دعوات للانفصال والاتحاد مع الدولة الوليدة.

ومهما يكن من أمر فإن الثوار والمجاهدين وعموم الشعب السوري لن يقبلوا بانسلاخ جزء من بلدهم عن بقية سورية، لا سيما إن كان القائمون على هذه الدويلة هم المجرمون الذين أذاقوا الشعب الويلات خلال الأشهر الماضية وفي سنين سابقة، وهو ما يعني أنها ستكون محاصرة بأعداء ما زالوا يحملون السلاح ويسعون للأخذ بثأر الشهداء والجرحى والمعتقلين، فلن تنعم بالاستقرار أبداً.

النجاة من كل هذه الاحتمالات السابقة تبدو بعيد المنال بالنسبة للنظام، الذي أيقن أنه لن يستطيع أن يعيد سورية تحت سيطرته بقوة السلاح مرة ثانية.. خطة الإبراهيمي إذاً فرصة ذهبية للنظام ولرئيسه وتعطيه أكثر مما يحلم به أو يستطيع تحقيقه، فهي تحمي النظام من الزوال بالكلية، وتحمي رئيسه وأركان حكمه من المحاكمة، وتحرم المجاهدين من الانتصار العسكري، وتجنب المؤيدين انكساراً نفسياً كبيراً، بل سيتم تصوير الأمر على أنه انتصار على المؤامرة الكونية وأن «القائد» ضحى بمصلحته الشخصية من أجل الوطن!

أما إقليمياً، فتركيا لن يكون لديها اعتراض، لأن المهم بالدرجة الأولى بالنسبة لها أن تستقر الأوضاع في سورية وألا توجد حكومة معادية لها، ووجود المعارضة كأغلبية في الحكومة الجديدة كفيل بتحقيق مصالحها كما كانت وزيادة؛ وأما إيران فلا شك أنها خسرت بهذه الثورة خسارة عظيمة، حيث كسبت عداوة الشعب السوري وقواه الفاعلة، وهو ما يوحي بأن نجاح الثورة بشكل كامل سيؤدي إلى قطع العلاقات معها أو تجميدها، وفي كل الأحوال فإنها تكون بذلك قد تلقت ضربة موجعة لأحلامها في الهلال الشيعي، ويكون محور «المقاومة» المزعوم قد كُسر بالفعل في وسطه، وهو ما سيؤثر بالتداعي سلباً على الأطراف «الحكومة العراقية العميلة/ حزب الله»؛ فهذه الخطة تعطي إيران شيئاً بدل أن تخسر كل شيء، حيث الحكومة المرتقبة لن تكون معادية تماماً، بل فيها مَن هم حلفاء لإيران مِن أعضاء النظام وأعضاء هيئة التنسيق.

أما روسيا، فهذه الخطة تحقق مصالحها، حيث ستحتفظ بقاعدتها العسكرية في طرطوس، وكذلك بمستشاريها العسكريين وبنفس العلاقات الاقتصادية السابقة، وتظهر وكأنها فرضت في النهاية رأيها على الساحة، حيث كانت من البداية ترفض تدخل الغرب وتصر على الحوار بين النظام والمعارضة وأنه سبيل الحل، ولا ننسى في هذا السياق أن تسليح الجيش السوري روسي بالكامل، وأن الدمار الكبير الذي لحق به سيحتاج إلى صفقات كبيرة مع الروس - وهو ما يغلب على الظن أنه تم الاتفاق عليه مع الأمريكان -، ما يعني انتعاش الخزينة الروسية ومكافأة الروس على مساهمتهم في قتل السوريين بدل معاقبتهم، ويبقى في النهاية أن حلفاءها شركاء في الحكم، وفي حال تنظيم انتخابات فأغلب الأقليات والموالين للنظام السابق سيؤيدون حلفاء موسكو في مواجهة الطرف الآخر الذي سيغلب عليه الإسلاميون.

أما الولايات المتحدة فلا شك أن علاقتها بأطياف المعارضة المتعددة ستنعكس عليها إيجاباً عند وصول هذه المعارضة للحكم، وهي لأول مرة من عقود تصبح فاعلة على الساحة السورية الداخلية، وهو ما يفتح الباب للشركات الأمريكية في شتى المجالات، لا سيما شركات النفط للتنقيب عنه في شرق وشمال سورية، بعد أن كانت محرومة من ذلك بقرارات حكومية أمريكية ضمن عقوبات اقتصادية قديمة على سورية، ومن جهة أخرى تكون قد حققت موطئ قدم في بلد مهم من بلدان المحور الإيراني، وأضعفت موقف إيران في المفاوضات حول برنامجها النووي، وكذلك قطعت خطاً مهماً لإمداد حزب الله بالسلاح عبر سورية، وحافظت على تواجد الأقليات في تشكيلة الحكومة بنسبة قد تفوق ما يستحقونه.

إن من قدر الشعب السوري أن تحتل سورية هذا الموقع المميز الذي يصل آسيا بإفريقيا وأوروبا، وأن تكون قريبة من منابع النفط في الخليج، وأن تكون في منطقة تعج بهذه التشكيلة من الأعراق والمذاهب والأقليات، التي لكل منها امتداد في دول الجوار؛ ومن قدره أن يكون بلده على حدود فلسطين حيث يجثم العدو الصهيوني الذي يسعى العالم بشرقه وغربه للحفاظ عليه وعلى أمنه؛ وهو ما جعل الثورة السورية مربكة للجميع، وشجعهم في الوقت نفسه على التدخل ليحقق كل طرف مصالحه بغض النظر عن مصلحة الشعب نفسه.

هناك نقاط اتفاق بين دول الإقليم والدول الكبرى تتمثل في ضرورة الحفاظ على استقرار سورية وألا تتحول إلى نقطة اضطراب وقلاقل يمكن أن تنتقل للجوار فتشعل المنطقة؛ وبخلاف ما يذهب إليه البعض من كون تفتيت سورية إلى دويلات يحقق رغبة إسرائيلية أمريكية لإضعافها وإشغالها بنفسها، فالذي يظهر أن مثل هذا التفتيت مع وجود دولة سنية خالصة على حدود فلسطين (دمشق وريفها والقنيطرة ودرعا وجزء من حمص)، ومع انتشار السلاح وسريان روح الجهاد بين الشباب؛ لن يحقق الاستقرار لليهود، بل مثل هذه الدولة ستكون سبباً في المشكلات والقلاقل ومنطلقاً للجماعات الجهادية تجاه الجولان وفلسطين. إن حماية الحدود السورية - «الإسرائيلية» لتبقى هادئة كما كانت لأكثر من 40 سنة؛ تستدعي وجود دولة مستقرة مهادنة ضعيفة، وهذا ما يصعب تحقيقه وفق تصور التفتيت، لكنه يمكن أن يتحقق في سورية موحدة بعد الثورة، فقد قام النظام الأسدي المجرم بإضعاف الدولة السورية بما عجز عنه أعداؤها، فما فعله من تدمير للبنى التحتية والزج بالجيش في معركة خاسرة قضت على كثير من قدراته، لم يفعله الاحتلال الفرنسي الهمجي طوال 26 سنة؛ فسورية الخارجة من هذه الحرب ستقضي سنوات طويلة للملمة الجراح وإعادة الإعمار وتوطين اللاجئين والمهجرين وترميم الهوة السحيقة التي فصلت بين المؤيدين والمعارضين، وهو ما سيضمن لليهود هدوء الجبهة وانشغال الجيران بأنفسهم. وأما إعادة ما تم تدميره من آليات وقطعات الجيش - وهو ما ستقوم به موسكو كما نرجح - فسيكون مشروطاً كماً وكيفاً، وسيكون دفاعياً - كما كان دوماً - لكن ربما بمستوى أقل، بما لن يشكل أي خطر على «إسرائيل».

ولكن يبقى السؤال: أين الشعب السوري والثوار من كل ذلك؟ وعلام يراهن الإبراهيمي ومن خلفه في قبول الثورة لهذه الخطة التي لا تحقق آمال الشعب؟

لقد شهدت الأسابيع الماضية تشكيل الائتلاف الوطني الذي حوى طيفاً واسعاً من المعارضين السوريين وتلافى سلبيات المجلس الوطني من حيث عدم تمثيل عدد من القوى داخله، وتوحيد المعارضة السياسية السورية كان مطلباً ملحاً للقوى الغربية و«أصدقاء سورية» التي كانت تتخذ عدم توحدها ذريعة لعدم دعمها بفاعلية.. على الجانب العسكري كان اجتماع تركيا الذي جمع ما يقرب من 500 من قيادات الكتائب والألوية المقاتلة ونتج عنه تشكيل قيادة عسكرية موحدة بحضور عدد من المسؤولين الأمنيين من تركيا ودول الخليج، إضافة إلى أمريكا وفرنسا وبريطانيا؛ إيذاناً بإتمام الشق العسكري من عملية التوحد لقوى المعارضة.

في هذا اللقاء الأخير عرض القطريون على الثوار قائمة بالأسلحة النوعية المتطورة التي بح صوت الثوار وهم يطلبونها وكان طلبهم يرفض في كل مرة، وقيل لهم إن الأسلحة جاهزة ولكن لا بد من التوحد وخروج الاجتماع بمجلس عسكري موحد، ووُضع الثوار أمام خيارين؛ إما القبول واستلام هذه الأسلحة وحسم المعركة خلال أسابيع، أو الرفض وتحمّل تبعة ما سيراق من دماء الشعب في معركة قد لا تحسم بالمتاح من السلاح قبل سنة أو سنتين، كما قال المسؤولون الأمنيون.

في ضوء ما سبق، فإن الإبراهيمي وروسيا وأمريكا يراهنون على أنهم يمسكون بخيوط اللعبة الداخلية عبر القيادة السياسية متمثلة في الائتلاف الوطني والقيادة العسكرية المتمثلة في المجلس الموحد؛ ومع ذلك فإن الرهان ليس عليهم بالكلية، لعلمهم أن القيادة العسكرية وكثيراً من أعضاء القيادة السياسية، إنما يتعاملون معهم من باب الاضطرار والإمكان والمتاح، ورغبة في سرعة إنهاء معاناة الناس، وهذا بالتحديد هو الوتر الذي يضرب عليه هؤلاء.

إنهم يراهنون على أن الشعب السوري قد تعب، وأن المعاناة التي طالت آلاف العائلات السورية التي فقدت أبناءها بين شهيد - بإذن الله - ومعاق وجريح ومشرد ومعتقل ومفقود، وأن المعاناة الاقتصادية التي طالت الجميع بلا استثناء لدرجة الافتقار لمقومات أساسية كالخبز والماء والكهرباء والوقود اللازم للتدفئة في شتاء قارس، وأن الدمار الذي يصيب البلد يومياً بعد أن كان في عيون أهله درة وشامة، وما يصاحب ذلك كله من آلام وجراح؛ أن كل هذا وغيره سيدفع السوريين للقبول بأي حل ينقذهم وينقذ البلد من الدمار والضياع والتفتت، ولا يمكن أن ننسى في هذا المقام أن شريحة كبيرة من الشعب المعارض لم تمارس العمل الثوري مباشرة، لا في زمن السلمية ولا في زمن حمل السلاح، وأن هذه الفئة هي الأقرب دوماً لقبول أي حل متاح، وهذا سيكون مفتاح الضغط على القيادتين السياسية والعسكرية للقبول بالخطة التي رفضها الخطيب وأعضاء الائتلاف مسبقاً ولن يقبلها الثوار بأي حال من الأحوال.

السياسة هي فن الممكن كما يقال، لكن هل هذا حقاً هو الممكن وأقصى المتاح أمام السوريين؟

بالطبع لا، وقد صرح العميد سليم إدريس، رئيس أركان القيادة العسكرية الموحدة للثوار، أنهم سيسقطون النظام في غضون شهر إن توفر لهم السلاح النوعي، أو ثلاثة أشهر بقدراتهم الذاتية عبر الضربات المتواصلة التي يوجهونها للعصابات الأسدية.

إن هذه الخطة هي أخبث من كل ما سبقها، وهي تعني بكل وضوح إهدار كل التضحيات والدماء والأشلاء التي قدمتها الملحمة الشامية، ومكافأة الجلاد ومعاقبة الضحية؛ والعقلية التي تحكم من صاغ هذه الخطة ودعمها هي نفس عقلية بشار الأسد التي حكمت تصرفاته منذ بداية الأزمة، وهي القدرة على سحق إرادة الشعب وتطويعه، وإن اختلفت الوسائل من عسكرية إلى سياسية، ومن الإرهاب والتخويف من القمع إلى الإرهاب والتخويف من عواقب المستقبل.

إن هؤلاء جميعاً يتناسون الشجاعة النادرة والاستعداد الهائل للتضحية الذي أبداه الثوار وحاضنتهم الشعبية، إنهم بالفعل لا يعلمون مدى العناد والتصميم الذي يتمتع به الثائرون الذين لم يعد لديهم ما يخسرون، والذين يطلبون إحدى الحسنيين دون مبالاة بأمريكا ولا غيرها. لقد نجحت هذه الثورة في إحياء عقيدة الجهاد والفداء لدى السوريين، وألهبت فيهم الحماسة والاعتداد والاعتزاز بأحاديث كثيرة بيَّنت فضائل الشام وأهله، فهم اليوم يقاتلون مستظلين بهذه العقيدة مستبشرين بهذه الأحاديث موقنين أنه لن يضرهم من خذلهم، فأنَّى للإبراهيمي وغيره أن يفهموا مثل ذلك أو يقدروا على مقاومته.

كما راهن الأسد طوال أشهر على انكسار إرادة السوريين، سينكسر رهان الإبراهيمي ومن خلفه إن شاء الله، وستشرق شمس الحرية على الشام وأهله عاجلاً غير آجل إن شاء الله، وهذا مشروط بعد التوكل على الله بتحقيق التنسيق الكامل بين القيادتين العسكرية والسياسية، وبتحقيق اللحمة بين القيادة وعامة الشعب الثائر، بحيث تكون معبّرة عن تطلعاته داعمة له في صموده الأسطوري، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

** "البيان" تنشر ملف شامل ومواكب لأحداث الثورة السورية

:: مجلة البيان العدد 307 ربيع الأول 1434هـ، فبراير 2013م.