أولاً: البُعد التنظيمي المؤسسي:

1 - حكم البعث وتعزيز الهيمنة الطائفية في مؤسسات الحكم (1963-2000):

قام حكم البعث منذ توليه الحكم في سورية بترسيخ الإرث الفرنسي المتمثل في نظام حكم مدني ضعيف وأحزاب سياسية لا تملك نظرية سياسية ناضجة، في مواجهة مؤسسة عسكرية تشكل عنصر التوازن الفعلي في الإدارة المحلية والأمن وتبسط نفوذاً كبيراً على جهاز الحكم المدني، وذلك بالاعتماد على الأقليات الطائفية التي استند عليها الفرنسيون للإضعاف من المقاومة التي قامت ضد سلطة الانتداب.

فقد أدرك قادة البعث منذ الأيام الأولى لانقلابهم في مارس 1963؛ أن الشق الحزبي - المدني هو الحلقة الأضعف بين الفئات المتصارعة على السلطة، فأعطوا لمؤسساته نمطاً شكلياً يقتصر على الإدارة، وعززوا سلطات المؤسسة العسكرية والأمنية في الحكم، وذلك بالاعتماد على العنصر الطائفي - العشائري باعتباره الضامن الأفضل للمحافظة على معادلة توازن الحكم في كيان جمهوري لم يُتَح للحكم المدني فيه مجال التطور التدريجي والنضج المؤسسي.

ويمكن ملاحظة تفوق العنصر الطائفي منذ الأيام الأولى لحكم البعث في تشكيلة اللجنة العسكرية التي تزعمت الانقلاب، وعلى رأسهم: الضباط العلويون؛ محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد وسليمان حداد وعثمان كنعان، والإسماعيليان: عبد الكريم الجندي وأحمد المير، والدرزيان: سليم حاطوم وحمد عبيد.

وشهدت الفترة التالية انقلابين آخرين في عامي 1966 و1970، نتج عنهما سلسلة تصفيات دموية استخدمت فيها العصبية العشائرية والطائفية في الصراعات الداخلية بين أقطاب البعث بصورة لم يسبق لها مثيل.

وإثر انفراد حافظ الأسد بالسلطة عام 1970، بادر الرئيس الجديد إلى ترسيخ البنية العشائرية - الطائفية في صفوف المؤسستين الأمنية والعسكرية، وربط توازن نظام الحكم بمجموعة من الفرق العسكرية والأجهزة الأمنية التي تغلغلت في أجهزة الدولة، وسيطرت على الحياة العامة، وقد تغلب في هذه الأجهزة العنصر العلوي، حيث بلغت نسبة الضباط العلويين في الجيش السوري نحو 80 في المائة، أما العشرون في المائة الأخرى فهي مقسومة بين سائر طوائف المجتمع الأخرى[1].

فقد أحاط حافظ الأسد نفسه منذ الأيام الأولى لتوليه السلطة بعدد من الأقارب الذين بقى بعضهم معه في الحكم حتى وفاته، ويمكن ملاحظة تولي أقارب الرئيس وأصهاره وأبناء عشيرته من المتاورة، أعلى المناصب العسكرية وأهم الفعاليات الاقتصادية، وذلك في فرقة «سرايا الدفاع» التي أسسها عام 1971 وأسند قيادتها إلى شقيقه رفعت، و«الحرس الجمهوري» الذي أسسه عام 1976 وأوكل قيادته إلى ابن عم زوجته أنيسة مخلوف، و«القوات الخاصة» التي أسندت قيادتها إلى اللواء العلوي علي حيدر، ومن بعده ابن عشيرته اللواء علي حبيب، وكذلك الفرق المدرعة الأولى والثالثة والرابعة التي أسندت قيادتها إلى مقربيه إبراهيم صافي وشفيق فياض وحكمت إبراهيم تباعاً، إضافة إلى المناصب القيادية الأخرى التي أسندت إلى أقاربه، مثل: اللواء علي أصلان (رئيس الأركان)، واللواء علي صالح (قائد قوات الدفاع الجوي)، واللواء عدنان بدر الحسن (قائد الفرقة التاسعة)، واللواء محمد إبراهيم العلي (قائد الجيش الشعبي)، وكان أغلبهم أعضاء في القيادة المركزية لحزب البعث.

وكذلك كان الحال بالنسبة للأجهزة الأمنية التي تكدس عناصرها في دمشق، وتم اختيار منسوبيها على أسس طائفية - عشائرية، وتراوح نسبة النصيريين فيها ما بين 70 و90 في المائة[2].

وتجدر الإشارة إلى أن عملية توظيف العصبية: الطائفية - العشائرية، لم تعد تقتصر في عهد حافظ الأسد على تشكيلة الأجهزة المعنية بحماية النظام، وإنما تم استخدامها بطريقة ملفتة للانتباه في عضوية حزب البعث وفي الوزارات ومؤسسات الدولة، والقطاعات الحزبية والسياسية والاقتصادية في المنشآت الحكومية وفي القطاع الخاص، حيث شكلت صلة القرابة والمصاهرة والانتماء العشائري عنصراً أساسياً في تولي المناصب المهمة في سورية، وقد تتبعت العديد من المصادر الآلية التي يتم بها تعيين الأقارب في الأجهزة العسكرية والمدنية في سورية بصورة دقيقة[3].

2 - ترسيخ البنية المؤسسية للهيمنة الطائفية - العشائرية في عهد بشار (2000-2011):

إثر وفاة حافظ الأسد عام 2000، سار الرئيس الجديد بشار على نهج والده في ترسيخ البنية الطائفية للمؤسسات الأمنية والعسكرية.

ومن خلال عملية التعيينات التي أجراها بشار خلال الفترة (2000-2011)، يمكن رسم صورة واضحة للمجموعة العسكرية والأمنية حول الرئيس الجديد، والتي تضمنت: صهره اللواء آصف شوكت، ومستشاريه للشؤون الأمنية اللوائين إبراهيم حويجة ومحمد ناصيف، ومستشاره للشؤون العسكرية العماد علي أصلان، ورئيس الأركان العماد علي حبيب من عشيرة المتاورة، وكذلك وزيري الداخلية بالتتابع اللوائين علي حمود وغازي كنعان؛ وهؤلاء جميعاً يرتبطون ببشار من حيث القرابة أو المصاهرة أو العشيرة، بل إن دائرتهم أضيق من دائرة الرئيس السابق الذي كان يعمد إلى الاستفادة من العشائر العلوية الحليفة، بينما عمد بشار إلى الاعتماد بصورة رئيسة على صلة القرابة المباشرة أكثر من والده.. فقد أسند بشار إلى شقيقه ماهر قيادة لواء في الحرس الجمهوري ورقاه إلى رتبة عميد، أما عائلة أنيسة مخلوف (والدة بشار) فقد اتسع نفوذها بصورة ملفتة للانتباه؛ حيث ظهر اسم خال بشار محمد مخلوف، وكذلك رامي وإيهاب مخلوف، الذين هيمنوا على قطاعات ضخمة من الاقتصاد السوري، خاصة في مجالات البنوك، والتجارة الحرة المعفاة من الضرائب، وقطاعات الاتصالات والمواصلات[4].

لقد كانت فرص الإصلاح متاحة للرئيس الجديد، لكنه اختار ترسيخ نظام عفى عليه الزمن، ولم تعد بنيته قادرة على استيعاب متطلبات المرحلة؛ ففي انتخابات سنة 2007 ترسخ كيان السلطة الشمولية عن طريق زيادة عدد المقاعد المخصصة لحزب البعث على حساب الجبهة الوطنية والمستقلين، كما أعيدت مسرحية الانتخابات الرئاسية التي عملت أجهزة الإعلام والاستخبارات على إظهارها وسط مظاهر ابتهاج زائف بفوز المرشح الأوحد للرئاسة.

وبات من الواضح أن «بشار» لن يتمكن من إحداث تغيير جذري في بنية نظام شمولي أرسيت قواعده خلال أكثر من خمسة عقود، حيث يتغلغل عناصر حزب البعث في جميع مؤسسات الدولة[5]، وتهيمن أجهزة الأمن على الحياة العامة، بينما تحافظ الفرق الطائفية على توازن النظام.

وقد شكلت هذه المؤسسات عبئاً كبيراً على المجتمع السوري؛ لأنها فئات غير منتجة، ما أدى إلى تزايد عجز الموازنة واعتمادها على المساعدات الخارجية والديون.

وقد أدت حالة الإحباط الشعبي من تقلص فرص الإصلاح ونمو مؤسسات القمع وزيادة الأعباء الاقتصادية؛ إلى إذكاء الثورة التي هدفت إلى هدم البنية المؤسسية لنظام فقد صلاحيته.

ثانياً: البُعد الاستراتيجي الغربي:

1 - مفهوم «تمكين الأقليات» باعتباره جزءاً من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه المنطقة العربية:

مثّلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تحولاً كبيراً في السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي؛ فقد تبنّت الإدارة الأمريكية السابقة سياسة «دعم الديمقراطية» في الشرق الأوسط باعتبارها إحدى أهم ركائز الأمن القومي للولايات المتحدة، وأفضل وسيلة لمواجهة التشدد الإسلامي، وقد عبّر الرئيس الأمريكي السابق عن ذلك في خطاب له عام 2003 بقوله: «منذ ستين عاماً والدول الغربية تغض الطرف عن غياب الحريات في الشرق الأوسط، لكن هذا التغاضي لم يجلب لنا الأمن؛ لأنه لا يمكن تحقيق الاستقرار على حساب الحرية، وسيكون من غير المقبول بعد الآن القبول بالوضع الحالي في المنطقة»[6].

وسرعان ما أفصحت الإدارة الأمريكية عن رؤيتها لملامح المنطقة في المرحلة المقبلة، فدعت في مطلع 2004 إلى إحداث متغيرات جذرية في بنية الأنظمة العربية وسياساتها الداخلية؛ من خلال برامج دعم الديمقراطية التي تتضمن: عقد دورات تدريبية، ومحاضرات تثقيفية، وجلسات حوارية؛ تستهدف المعارضة في البلاد العربية بشكل أساسي[7].

وبدأت تظهر ملامح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي تقوم على الاستفادة من التعددية الإثنية والدينية والطائفية في المنطقة العربية لترسيخ الأمن القومي الأمريكي، وذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسة، هي:

1 - تعزيز دور المؤسسات الدولية في مراقبة حقوق الإنسان في المنطقة وتوظيفها لتحقيق أغراض سياسية.

2 - دعم التطور الديمقراطي الهادف إلى إضعاف مؤسسات الحكم الشمولي الذي ساد أنظمة المنطقة، وأصبح عصياً على الإصلاح.

3 - تمكين الأقليات باعتبارها إحدى أبرز وسائل وقف مد الحركات الإسلامية وتعاظم دورها في السياسة.

وفي المرحلة التمهيدية لغزو العراق في الفترة 2001-2003، نشأت علاقة وطيدة بين زعامات التنظيمات الشيعية في العراق وأجهزة الاستخبارات الغربية من خلال التنسيق الذي نشأ بينهم وبين الاستخبارات الغربية في المراحل التمهيدية للإطاحة بنظام صدام حسين ومن ثم تمكينهم من تولي مؤسسات الحكم.

ومثّل مؤتمر لندن الذي نظمه زلماي خليل زادة في ديسمبر 2002، نقطة فارقة في التعاون الأمني والسياسي بين كل من: «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» و«حزب الدعوة» مع الإدارة الأمريكية، ففي أعقاب ذلك المؤتمر عقد أقطاب المعارضة العراقية لقاءات عدة مع الخارجية الأمريكية في شيكاغو، ومارست هذه المنظمات العراقية دوراً مهماً في ربط زعامات الأقليات الطائفية في دول عربية أخرى مع أجهزة الاستخبارات الغربية[8].

وقد أكد ذلك أحد نشطائهم عندما قال: «لقد أقام الناشطون الشيعة علاقات واسعة في الخارج في محيط العالم العربي، وكذلك في المحيط الغربي، وكانت لهم مراكز نشاط في كل من لندن وواشنطن تواصلوا من خلالها مع الفعاليات الإعلامية والصحفية والسياسية ومنظمات حقوق الإنسان ومراكز الأبحاث وأعضاء في البرلمانات وغير ذلك»[9].

وقد مثّل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة تحول في المنطقة العربية، حيث تم اعتماد نظام سياسي يقوم على تقسيم الحكم بين الأكراد والشيعة والسنة بصورة شبه رسمية، وفي الوقت ذاته أصبح الانقسام العرقي والطائفي في المحافظات العراقية أمراً لا يمكن تجاهله على أرض الواقع.

ومنذ ذلك الحين ارتبط المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط بترجيح كفة المنظمات الشيعية، والدعوة إلى زيادة تمثيلها في أنظمة الإدارة والحكم، وذلك بعد أن قام الأمريكان بالدور الأكبر في تدمير القدرات العسكرية العراقية التي كانت تمثل آلة الردع في وجه إيران ومشروعها التوسعي[10].

وبعد ثلاث سنوات من النشاط المكثف لبرامج دعم الديمقراطية، لاحظ الباحث الأمريكي ماكسميلان أن الأحزاب السنية التي تعاملت بحذر وريبة مع هذه البرامج قد ضعف دورها، بينما انتعش نشاط المنظمات الشيعية التي تجاوبت مع برامج دعم الديمقراطية وكانت المستفيد الأكبر منها[11].

وفي المرحلة الممتدة ما بين عامي 2003 و2007، أخذت تظهر ملامح المشروع الأمريكي للشرق الأوسط من خلال برامج «دعم الديمقراطية» التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بفكرة تمكين الأقليات الطائفية في أنظمة الإدارة والحكم بدول المنطقة، فقد تحدث تقرير نشره معهد «غلوبال ريسيرتش» في شهر نوفمبر 2006 عن وجود تنسيق: أمريكي - بريطاني - إسرائيلي يهدف إلى تمكين الأقليات في المنطقة، وتوقع التقرير أن تشهد المرحلة المقبلة بذل جهود استخباراتية لتشجيع الأقليات في المنطقة على المطالبة بكيانات سياسية مستقلة، ما يقدم حجة قوية للتدخل الغربي في شؤون هذه الدول لحماية الأقليات فيها[12].

وما لبث أن اتسعت مظاهر امتداد الحركات الطائفية من خلال النشاط الحقوقي الذي حظي بدعم عديد من المؤسسات الرسمية والأهلية في الغرب، والتي بدأت تسوّق لفكرة اضطهاد الأقليات في الدول العربية، وأصبحت هذه المجموعات تمارس نشاطاً دبلوماسياً واسعاً في العواصم الغربية، وتتمتع بتمثيل إعلامي كبير، حيث تصدر منشورات في دور نشر غربية، ويشارك منسوبوها في الكتابة الصحفية وفي القنوات الفضائية، وغيرها من وسائل الإعلام الخارجي[13].

وقد صدرت في الولايات المتحدة وبريطانيا مجموعة من الكتب والبحوث التي تحلل ظاهرة اهتمام الولايات المتحدة بتعزيز موقف الشيعة في العالم العربي، حيث أكدت دراسة لعضو في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أن الولايات المتحدة تعزز سياسة تمكين الشيعة في العالم العربي، إذ كان لها الفضل في تأسيس: «أول كيان عربي شيعي في العراق»، وقد فرض ذلك عليها وضع سياسة جديدة للتعامل مع الشيعة في المنطقة الممتدة ما بين لبنان وباكستان، ورأت الدراسة أن مصالح الولايات المتحدة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتمكين الشيعة في هذه المنطقة، وذلك انطلاقاً من القناعة السائدة في الأروقة الأمنية الأمريكية بأن الشيعة لم يشكلوا أي خطر استراتيجي على الولايات المتحدة كما فعلت الجماعات السنية المتشددة كالقاعدة وطالبان. واعتبرت الدراسة السيستاني أحد أكبر الداعمين للمشروع الديمقراطي الأمريكي في العراق التي أصبحت أول دولة عربية يُعيّن فيها رئيس وزراء شيعي بصفة رسمية، ورأت الدراسة أن المنظمات الشيعية في المنطقة العربية أصبحت الحليف الرئيس للولايات المتحدة، ولا شك في أنه سيكون لها دور في تحجيم خطر التطرف السني[14].

2 - مؤشرات تطبيق مفهوم «تمكين الأقليات» في الأزمة السورية:

في مقابل الجهود الغربية لدعم الأقليات وتمكينها في العالم العربي، يشن الإعلام الغربي حملة ضد التوجهات الدينية لدى السنة في سورية، ويشارك في هذه الحملة أقطاب اللوبي الإيراني في واشنطن، والصحفيون المتعاطفون مع الكيان اليهودي، وبعض مؤسسات اليسار المعادية للحكومات الخليجية الداعمة للثورة السورية.

وعلى الصعيد نفسه، فإن المنظمات الحقوقية الغربية قد تناغمت مع هذه الحملة، حيث نشرت مجموعة تقارير تتهم مقاتلي الجيش الحر بارتكاب المجازر وانتهاك حقوق الإنسان، وتحذر من خطر هذه المجموعات المسلحة على «الأقليات» التي باتت تخشى من «ممارسات الجيش الحر».

وقد مثلت هذه الحملة ظاهرة دفعت بمجلة «إكسبرس» الفرنسية إلى نشر دراسة حول نشاط الصحفيين الغربيين المدافعين عن النظام السوري، وحثّ دولهم على صيانة النظام القائم خوفاً من المجهول، والتحذير من خطر التيارات الدينية المتشددة في سورية على «الأقليات» وعلى الأمن الإقليمي[15].

ولم تقتصر الحملة على المؤسسات الإعلامية ومنظمات حقوق الإنسان، بل انخرطت مجموعة من مراكز البحث الغربية في التحذير من انتشار التطرف الديني في صفوف الثوار السوريين، ومخاطر تنامي تلك التوجهات على أمن الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، ومن أبرزها: معهد دراسات الحرب في واشنطن الذي أصدر دراسة تحت عنوان: «الجهاد في سورية» تناولت فيها الباحثة «إليزابيث أوباغي» العلاقة بين الإسلام والإرهاب، وتتبعت تغلغل عناصر «القاعدة» في صفوف الثوار، ثم خرجت بنتائج لا تعكس أي موضوعية أو استيعاب لطبيعة المجتمع السوري وبنيته[16].

فقد قسمت الدراسة غالبية أبناء الشعب السوري من حيث مستوى «التشدد» إلى أربع دوائر تتضمن: «المسلمين»، ثم «الإسلاميين»، ثم «السلفيين»، وأخيراً «الجهاديين»، وتبنّت الباحثة مفهوم «العلمانية» باعتباره رديفاً لمفهوم «الاعتدال»، وذلك رغم اعترافها بأن غالبية عناصر الجيش الحر لا ينتمون إلى أي تنظيم سياسي، وبأن كتائبه تدير المناطق المحررة بطريقة تعكس التسامح التقليدي الذي جبلت عليه الشخصية السورية.

ودلّلت الباحثة على تنامي التطرف من خلال الحديث عن انتشار سمات التدين المتمثلة في استخدام الكتائب شعارات تحمل معاني دينية، مثل: «لا إله إلا الله» و«الله أكبر»، وإطلاق أسماء ذات طابع ديني أو مستوحاة من التاريخ الإسلامي على الكتائب المقاتلة، وبروز مظاهر التدين الشخصي لدى المقاتلين؛ كالمحافظة على الصلوات، وإطلاق اللحية التي اعتبرتها الباحثة إرثاً «سلفياً» يعكس التوجهات «الراديكالية» لدى بعض الكتائب.

يدعونا ذلك للتأكيد على خطورة ربط الإعلام الغربي التدين بالتطرف في خلط متعمد يقصد به الإساءة إلى الغالبية من أبناء المجتمع، وتقديم المبرّرات لتدخل القوى الغربية في حماية الأقليات ودعم مشاريع تمكينهم من مؤسسات الحكم بدعوى الخشية على مصيرهم في حال آلت السلطة إلى الغالبية من أبناء المجتمع.

وكان أحد أبرز مستشاري وزارة الخارجية الأمريكية قد نشر مقالاً يحلل فيه ظاهرة الاصطفاف الطائفي الذي ينذر بانفجار صراع إقليمي يصعب السيطرة عليه. ورأى الكاتب أن المحافظة على بنية النظام، متمثلة في: الجيش وقوى الأمن وهيمنة العنصر العشائري في مفاصل الدولة؛ هي الضامن الوحيد لمنع سورية ومحيطها الإقليمي من الانزلاق إلى حرب طائفية، كما أنها تمثل نقطة الالتقاء بين الساسة الغربيين والروس في حل وسط ينهي حالة الجمود في مجلس الأمن.

وأضاف قائلاً: «إن بقاء نظام الأسد القمعي العلوي بعد مغادرة بشار هو خيار مرُّ المذاق، لكن البدائل الأخرى على أرض الواقع أسوأ من ذلك، هذا هو الخيار الأقل سوءاً»[17].

وفي إشارة إلى تبني الإدارة الأمريكية هذا الطرح، أكد وزير الدفاع الأمريكي خلال جولته الأخيرة في المنطقة في نهاية شهر سبتمبر 2012؛ ضرورة المحافظة على بنية الجيش ومؤسسات الأمن في سورية خلال مرحلة ما بعد الأسد، مشدداً على أهمية الاستفادة من التجربة العراقية في هذا الصدد.

وتظهر من هذه التصريحات ملامح سياسة الإدارة الأمريكية لمرحلة ما بعد بشار الأسد، والتي تنطلق من محورين رئيسين:

1- تبنّي السياسة التفتيتية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية في العراق، وذلك من خلال تعزيز دور المجموعات خارج إطار الدول، والتي تقوم على أسس إثنية ودينية وطائفية، وتشجيعها على الإسهام في العملية السياسية باعتبارها الضامن الأساس لمنع الحركات الإسلامية من الانفراد بالحكم.

2- المحافظة على البنية التحتية للمؤسسة العسكرية والأمنية (الطائفية - العشائرية) في سورية باعتبارها القوة الوحيدة التي أثبتت قدرتها في المحافظة على أمن «إسرائيل» ومنع الأزمة من الانتشار عبر الحدود. ولا يتأتى ذلك إلا من خلال إضعاف الجيش الحر، ومنع إمدادات الأسلحة النوعية عن كتائبه حتى لا تكون قادرة على تدمير البنية التحتية لفرق النظام.

ومن خلال استقراء المبادرات الدولية التي تقودها كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا؛