بعدما تولى شنودة الثالث منصبه كرأس للكنيسة في بداية السبعينيات من القرن الماضي خلفاً للبابا كيرلس، اختلف حال الكنيسة الأرثوذكسية في مصر اختلافاً جذرياً، حيث خطّ شنودة للأقباط خطاً مغايراً لكل من سبقه، وقاد الكنيسة إلى ما يمكن أن نسميه «المسيحيّة السياسية».

فكانت الكنيسة، حتى قبيل تولي شنودة منصبه، تكتفي بدورها الكهنوتي الديني، ولم يكن يعرف لها بعد سياسي، وحينما تولى شنودة سدة البابوية راح يتخذ من الأدوات والآليات التي تسمح بتمدّد نفوذ الكنيسة من الرهبنة والنشاط الديني إلى المعترك والمسرح السياسي، معتقداً أن هذا التمدد يمكن أن يحقق للأقباط امتيازات ومكاسب ضخمة على الأصعدة كافة، وفي مقدمتها السياسة.

وهكذا انتقلت مهمات الكنيسة المصرية من مجرد الإشراف والتوجيه الديني إلى تحديد الخيارات السياسية للأقباط والتفاوض نيابة عنهم مع النظام الموجود حينذاك.

واللافت في تلك الحقبة التي كان فيها شنودة على رأس الكنيسة، أيضاً، تزايد الاستفزاز لمشاعر المسلمين الذي مارسته الكنيسة والذي لا يمكن وصفه بالعفوي أو غير المقصود، وقد تجلى ذلك على سبيل المثال في حادثة كنيسة محرم بك في الإسكندرية عام 2005، وإخراج مسرحية تسخر من بعض الشعائر والمقدسات الإسلامية، ومن قبلها كان الإصرار على تسليم «وفاء قسطنطين» إلى الكنيسة واعتقالها في أحد الأديرة بوادي النطرون، حيث مقر اعتكاف البابا شنودة عام 2004.

ولذا؛ فإن ما جاء في الفيلم المسيء للنبي الكريم، الذي ظهر مؤخراً، هو على وجه الحقيقة يتردّد منذ زمن في الكنيسة الأرثوذكسية، وفي القنوات الفضائية المسيحية، والغرف الصوتية، والمنتديات التنصيرية، ومن شخصيات رسمية كنسية.

وقد عكس تصريح خطير للأنبا ماكس ميشيل، المعروف باسم ماكسيموس الأول، «راعي كنيسة المقطم»؛ هذه الحالة في عهد شنودة بقوله: «لم تشهد مصر أي أحداث طائفية إلا في عهد البابا شنودة؛ نظراً لتعامله مع هذه الأحداث بشكل تسبّب في تأجيج الوضع الطائفي، فكانت سياساته بمنزلة الذي يسكب الزيت على النار، فقد كان يحرض الأقباط على الثأر من المسلمين وحمل السلاح، وقد شاهدت إحدى هذه الوقائع بعيني عندما كنت في الكنيسة وسمعته يطالب مجموعة من المسيحيين برفع راية الاستشهاد وعدم العودة إلى الكنيسة إلا وهم أموات». (المصري اليوم 2/7/2006).

وفي إطار تسييس الكنيسة الأرثوذكسية، كذلك، لا يخفى الدور الذي لعبه شنودة في دعم وتكوين ما عُرف بمنظمات أقباط المهجر، فعندما تولى شنودة منصب البابوية لم يتجاوز عدد الكنائس القبطية في المهجر سبع كنائس فقط، أما الآن فقد قاربت المائتي كنيسة؛ منها 80 كنيسة تقريباً في الولايات المتحدة، و50 في أوروبا، وقد اعتبرت هذه المنظمات بمنزلة قنطرة التأثير السياسي من الخارج على صانع القرار المصري.

وفي مرحلة ما بعد شنودة وجدت الكنيسة المصرية نفسها في مأزق كبير تمثل في ثلاثة متغيرات:

الأول: غياب شنودة، العقل المدبّر لهذا التوجه.

الثاني: تغيير نظام الحكم في مصر بتغييب السلطة التي طالما خضعت لضغوط الأقباط.

الثالث: صعود تيار الإسلام السياسي على منصة الحكم.

والظاهر أن الكنيسة أرادت أن تستمر في أداء دورها والاستمرار على النهج الذي تركها عليه شنودة، والذي يتمثل في ثلاث ركائز أساسية:

الركيزة الأولى: التأثير في القرار السياسي بما يخدم مصالح الأقباط كطائفة داخل المجتمع المصري ولو على حساب المجتمع بأسره.

الركيزة الثانية: الاعتماد على الذراع الخارجية الممثلة في أقباط المهجر للضغط على النظام السياسي الداخلي، وتحقيق مكاسب قبطية، فالكنيسة، بدلاً من أن تمارس أدوارها السياسية بذاتها وتدخل في مواجهة ربما لا تكون محسوبة مع تغير البيئة السياسية في الداخل المصري وذهاب الظهير المساند الممثل في النظام المخلوع الذي صاحبه، كذلك، غياب الموجه والمؤسس لهذا التوجه؛ اتخذت من أقباط المهجر رافعة للوصول إلى مآربها وأهدافها.

الركيزة الثالثة: إيجاد مناعة لدى جمهور النصارى في مصر من التأثر بالإسلام؛ من خلال الإساءات المستمرة للمقدسات الإسلامية، واستنفار حاستهم الدينية في مواجهة المسلمين.

ومن هنا، نستطيع أن نفهم دور الكنيسة المصرية في الفيلم المسيء للنبي الكريم، والمسمى «براءة المسلمين»، فمن البداية سنجد الخيوط كلها تقودنا إلى مسؤولية الكنيسة في مصر عن هذا الفيلم، كونها الراعية الرسمية لأقباط المهجر الذين يأتمرون بأمر تلك الكنيسة التي كان لها اليد الطولى في إنشاء وتمكين أقباط المهجر، خاصة في الولايات المتحدة، على نحو ما عرضنا سابقاً.

كما أن أقباط المهجر التسعة المشاركين في إنتاج الفيلم المسيء، أنتجوه باللغة العامية المصرية، وليس باللغة العربية الفصحى، وهو ما يحمل دلالة على السوق الذي أراد منتجو الفيلم أن يتوجه إليه، فهل يمكن أن يغزو هؤلاء التسعة بلادنا بهذه الإساءة دون علم ومعرفة وموافقة الكنيسة الأم في مصر؟!

وللتأكيد على الدور الذي لعبته الكنيسة المصرية في إنتاج هذا الفيلم، سنجد أن كاتبه المسيء، نيقولا باسيلي، اعتمد على مصدرين اثنين في الكتابة: الأول: رواية مسيئة للرسول الكريم كتبها القمص مرقس عزيز، وهو كاهن كنيسة من مصر مقيم في الولايات المتحدة. والمصدر الثاني: مجلة رسوم ساخرة من الرسول الكريم طبعها القمص ذاته في الولايات المتحدة عام ٢٠١٠.

وكما تقول صحيفة لوس أنجلوس تايمز، فإن القس المصري المتطرف زكريا بطرس هو الآخر من المسؤولين عن الفيلم المسيء للرسول، مؤكدة أن كل صنّاع الفيلم، وعلى رأسهم عصمت زقلمة، الداعي إلى تقسيم مصر ورئيس الدولة القبطية المزعومة، وموريس صادق، الذي يهاجم مصر في كل المحافل الدولية؛ من أتباع القس زكريا بطرس والمؤمنين بأفكاره.

وبطرس، هذا، يتحدث دائماً وهو يرتدي الزي الرسمي للكنيسة المصرية، وكتبه تحمل صورة شنودة، وكان يلتقي شنودة في الولايات المتحدة كلما ذهب إليها هذا الأخير، بل حين سئل شنودة عما يردّده بطرس لم ينكر عليه، بل تحدث بما يشير إلى تأييده.

ثم إننا نجد أن باسيلي اعتمد في التمويل على أموال أرسلتها زوجته المصرية.. فهل تركته زوجته يدخل السجن في قضية مالية وأشفقت عليه وأغدقت عليه مالاً لينتج الفيلم المسيء، أم أن أموال الكنيسة المصرية الخارجة عن الرقابة كانت هي المصدر الرئيس لإنتاج وتمويل الفيلم؟!

فكل هذه الشواهد والدلالات تؤكد أن للكنيسة المصرية سهماً وافراً في هذا الفيلم المسيء، وتلوثت يدها بدماء الإساءة للنبي الكريم.

وهذا ما يقودنا إلى السؤال الأهم، وهو عن ماهية الأهداف التي تسعى إليها الكنيسة في مصر من نشر هذا الفيلم في هذا التوقيت؟

ونحن نرى أن هناك عدة أسباب كانت من وراء نشر هذا الفيلم في هذا التوقيت، منها:

أولاً: إعطاء رسالة واضحة لصنّاع السياسة في مصر، ولكاتبي الدستور المصري الجديد، أنه حتى مع غياب نظام الرئيس المخلوع، وهلاك رأس الكنيسة شنودة؛ فإن الكنيسة ما زال لها مخالب قوية تستطيع أن تؤثر بها على مسار الحياة الاجتماعية في مصر، ومن ثم لا بد من مراعاتها في بنية النظام السياسي الجديد، وعند كتابة الدستور، وإلا فإن موجات الإساءة وما تستتبعه من موجات غضب وافتعال مواقف حادة بين المسلمين والنصارى في مصر؛ لن تهدأ أبداً حتى ينال نصارى مصر ما يريدون.

ثانياً: التأثير في عصب العلاقة المصرية - الأمريكية، والاستحواذ على عصا التحويلة في هذه العلاقات، ومما لا شك فيه أن موجات الغضب التي تلت نشر هذا الفيلم، ومهاجمة سفارات الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وهي كلها أمور محسوبة ومعلومة؛ تركت بصمات سياسية في مسار تلك العلاقة بعد أن كانت في نقطة انطلاق صحيحة، حيث منعت الولايات المتحدة معونات اقتصادية عن مصر، وأغلق باب اللقاء المرتقب بين الرئيس المصري ونظيره الأمريكي، وتعالت الأصوات الأمريكية مجدداً مطالبة بضرورة إعادة النظر في سياستها مع مصر بعد تمكّن التيار الإسلامي من الوصول للقصر الرئاسي، وأصبحت، مصر، كما يقول الرئيس الأمريكي أوباما، «لا حليف ولا عدو».

ثالثاً: مع وجود التظاهرات الغاضبة على نشر الفيلم، وهو أمر معلوم ومحسوب بصورة جيدة، كما أسلفنا القول، تمكّن نصارى مصر من إعطاء انطباع خارجي متوهم بأنهم مضطهدون، ومن ثم جاءت الأصوات المنادية بدولة قبطية أو تدخل لحماية الأقباط، وهي ورقة أراد نصارى مصر أن يلاعبوا بها النظام السياسي الجديد في رسالة مضمونها أنهم وإن كانوا أقلية في الداخل، إلا أنهم أغلبية في الخارج، ولذا يجب على ساكني القصر الجدد فهم أوراق اللعب، وأن يعلموا أين مصادر القوة والتأثير.

رابعاً: إحراج القيادة الجديدة، في ثوبها الإسلامي، وإظهارها أمام العالم بأنها طائفية تمارس العمل السياسي بمنطلقات عقدية تضطهد النصارى، وذلك في حالة إذا ما اتخذت هذه القيادة رد فعل يناسب هذا الجرم الأخلاقي، أو إظهارها ضعيفة متخاذلة أمام أتباعها ومريديها، إن هي لم تتخذ القرار الذي يتناسب مع هذا العمل المسيء، وذلك كله بهدف إعادة ترسيم حدود القوى والنفوذ في المجتمع المصري.

وكما نرى فالكنيسة في مصر تمكّنت من تحقيق بعض أهدافها من إنتاج ونشر هذا الفيلم المسيء، وهو ما يستدعي من قوى المجتمع في مصر أن يتحسّسوا طريقاً لتحرير نصارى البلاد من قبضة الكنيسة، ثم يحرّروا الكنيسة من الغُلاة المتحكمين فيها، متحلين بالفطنة والذكاء، عامدين إلى قطع أنبوب التغذية الممتد من كنيسة مصر إلى أقباط المهجر، الذين هم آلة التأثير القبطي الخارجي والذراع التي تعتمد عليها الكنيسة في مواجهة الدولة والمجتمع.

:: مجلة البيان العدد 304 ذو الحجة 1433هـ، أكتوبر-نوفمبر 2012م.