ما من شك أن وَقْع الانتخابات الأمريكية الأخيرة لم يكن كوقع سابقاتها. وقد مرَّ على الولايات المتحدة الأمريكية 45 رئيساً قبـل هذا الجـديد، كانت الرئاسة تنتقل بينهم بشكل سلس من رئيس جمهوري إلى آخر ديمقراطي والعكس. لكن يبدو أن الرئيس المنتهية ولايته ترامب سيضع نقطة لإنهاء تلك السردية القديمة، لنبدأ في سرد قصة جديدة للديمقراطية الأمريكية.

مرَّ على الولايات المتحدة رؤساء كثر كان لبعضهم علامات فارقة وانتصارات سياسية مشهودة، لكنهم ظلوا رؤساء فرادى رؤيتهم السياسية تابعة لأحزابهم، ولم تشتق لهم اللغة مصطلحاً يختص بنهجهم السياسي كما حدث مع الرئيس ترامب.

لقد انتقل أداء الرئيس الأمريكي ترامب إلى نهج سياسي تعدَّى شخصه، وتجاوزت (الترامبية) حدود الزمان والمكان؛ فلم تعد محصورة في سنوات بقاء ترامب في البيت الأبيض، ولا مقيدة بالداخل الأمريكي.

(الترامبية) مصطلح مشتق من اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أصبح نموذجاً يحتذيه عدد من السياسيين حول العالم. فقاموس إكسفورد يدرس إدراج عدد من المصطلحات التي تم اشتقاقها من اسم ترامب؛ مثل Trumponomics  بمعنى: سياسة ترامب الاقتصادية، و Trumpism  أي (الترامبية) نسبة إلى ترامب[1].

ترامب كسر كل التابوهات فقد احتقر السود والمعاقين وسخِر منهم، وأطلق تصريحات شائنة بحق النساء، وهدد المهاجرين، وسن قوانين هجـرة تمنع خمس دول إسلامية من دخول أمريكا، واتخذ موقفاً مناهضاً للاتحاد الأوروبي، الذي ساعدت الولايات المتحدة على إنشائه بعد الحرب العالمية الثانية بهدف منع اندلاع حرب أخرى في أوروبا، وخلقِ حليف ديمقراطي قوي، وبقيت تسانده في ظل الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

كما شجع بريطانيا على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي ووعد بإبرام اتفـاق تجاري معها يعوضها عن الخسائر التي قد تتكبدها عند انسحابها من الكتلة الأوروبية!

لم ينجح في إبرام اتفاق تجاري مع الصين، بل فرض عليها ضرائب جمركية باهظـة، وهو ما أضرَّ بالصناعة الأمريكية، وساهم في توتير العلاقات معها إلى درجة إرسال الصين سفنها الحربية إلى بحر الصين الجنوبي والتهديد بالسيطرة الكاملة عليه، في حين يسيطر الأسطول الأمريكي على البحر منذ الحرب العالمية الثانية.

انسحب من اتفاقية باريس للمناخ بعد ثلاث سنوات من دخول الولايات المتحدة طرفاً مهماً فيها في عهد الرئيس أوباما. وتُلزِم الاتفاقية الموقِّعين بإبقاء انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون دون 2%، وهي النسبة التي كانت سائدة في عصر ما قبل الصناعة.

الظاهرة الترامبية أصبحت تعني ازدياد قوة تيار الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، والاتجاه إلى الشعبوية القائمة على التشدد أو التعصب القومي والعرقي والديني وحتى المادي (بمعنى الغنى والفقر)، وهي في ذلك تتلاقى مع تيار اليمين المتطرف الغربي في أوروبا، وصار لها نفوذ اجتماعي. لذلك إذا لم ينجح بايدن في إصلاح ما أحدثته الترامبية من خلل سواء على الصعيد الداخلي وإصلاح الشروخ التي أصابت المجتمع الأمريكي، أم على صعيد السياسة والعلاقات الدولية؛ فإنه ليس من المستبعد أن يعود ترامب مرة أخرى للبيت الأبيض فالدستور الأمريكي لا يمنعه من الترشح مرة أخرى للانتخابات القادمة؛ خاصة أنه بنى خسارته على المظلومية ورفض الاعتراف بالفائز الجديد، وهو ما يعني حفاظه على كتلته الصلبة التي ستظل تتحين الفرص لعودته مرة أخرى.

أما الخط الموازي الآخر الذي يسير بجانب الترامبية، فهو ميراث أوباما، وهو ميراث ساهم بايدن في تشكيله؛ فقد كان نائباً للرئيس أوباما طوال فترة رئاسته للولايات المتحدة، وكان عرَّاباً للاتفاق النووي الإيراني، وكان جزءاً من الإدارة الأمريكية إبَّان صعود الانتفاضات الشعبية في العالم العربي وأثناء انحسارها، كان مشاركاً لأوباما وقت أن قصف بشار شعبه بالغاز الكيماوي ورفض أباوما توجيه ضربة عسكرية له، رغم تحذيراته الكثيرة في هذا الشأن.

والبدايات تتشابه؛ فقد جاء صعود أوباما لسدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد سنوات من حكم بوش الابن الدامية، تبنى أوباما سياسة مصالحة مع العرب والمسلمين وبدأ عهده بخطاب إسطنبول بمنتدى تحالف الحضارات في نيسان أبريل 2009م، وأعقبه بخطاب جامعة القاهرة بعد ذلك بشهرين، وبدا واضحاً أن الرئيس أوباما يسعى لإعادة بناء صورة الولايات المتحدة باعتبارها قوة سلام واستقرار وصداقة للشعوب... لكن هل انتهت ولاية أوباما بما بشَّرَنا به؟ لقد خرجت أمريكا في نهاية عهده من المنطقة العربية تاركة إياها للروس والإيرانيين الذين تمددوا كثيراً في عهده وباتوا يتباهون بهيمنتهم على خمس عواصم عربية. أباوما الذي بدأ عهده بزيارة العواصم العربية الكبرى مبدياً تحفظه على سياسات أمريكية سبقته تجاه العالم العربي والإسلامي شهد فيها كثيراً من الحروب والقتل بسبب الآلة العسكرية الأمريكية وغزو العراق وأفغانستان وفضائح سجن أبو غريب وغوانتنامو، ثم انتهت ولايتيه ذات الثماني سنوات بكوارث لا حصر لها أصابت العالم العربي كسابِقِيه.

بعيداً عن السياسات الداخلية والخارجية لبادين فإن ما يضرنا - نحن المسلمين والعرب - منها وما ينفع؛ فذلك ما زال في غياهب سراديب فريق بايدن الرئاسي، لكن من المتوقع أن سياسيات بايدن ربما تكون أخف وطأة من سياسات ترامب؛ فقد تعود الولايات المتحدة إلى استخدام القوة الناعمة في تثبيت أجندتها من دون تغييرات جذرية، ويتم الإبقاء على جذوة نار الحرية والديمقراطية التي تبشر بها أمريكا بعد أن كاد يطفئها ترامب.

وإذ يتبوأ جو بايدن اليوم سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فما زلنا ننظر له وننتظر منه كما نظرنا إلى أوباما من قبل وانتظرنا منه، والحقيقة أن بايدن ربما يخط خطاً جديداً موازياً بين نهجي ترامب وأوباما؛ فهو من عنتريات ترامب بعيد، ومن تواضع أوباما وثقافته ليس بقريب، ربما قد ينجح في ذلك، وربما تكون الشعوبية أكبر منه وأثقل عليه فيفشل.  لكننا بين الأبيض والأسود نتقلب؛ جورج بوش الابن ثم أوباما، يعقبهما ترامب ثم كمالا هاريس وبايدن. بين الشرطي الطيب والشرطي العنيف الهدف واحد والمصلحة واحدة، ويظل المظلومون في ظُلمة سجونهم تستوي لديهم الأضواء والأشباح، والمواقف، والتعهدات والتصريحات. وما لم تَعُد الشعوب إلى بارئها وتسعى بساعدها للحصول على فك رقبتها لتحيا حياة كريمة فلن ينفعها في غدها لا أبيض ولا أسود، فلا فرق بين أوباما وترامب، ولا بادين ولا هاريس.


 


[1] مقال في الغارديان البريطانية بعنوان: (قاموس إكسفورد يدرس إضافة موجة المصطلحات الترامبية).