الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

من فضائل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي منَّ الله بها عليه أن رفع الله ذكره في العالمين، كما قال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤]، فلا يذكر الله تعالى إلا ويذكر نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فما من مصلٍّ ولا متشهدٍ ولا خطيب ولا مؤذِّنٍ إلا وهو يذكر اسم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

ومن عجائب الظهور النبوي أنه حتى في حالات الإساءة والسخرية التي يشيعها أوباش الحاقدين في عصرنا فإن هذه الإساءة تنقلب سبباً لدخول الناس في الإسلام، ومزيدِ ظهورٍ لاسم المصطفى وسيرته وانتشاراً لسنته صلى الله عليه وسلم.

وإن المؤمن ليحزن على ما يسمع من استطالة الحمر البهم الذين لا يسمعون ولا يعقلون على سيد الخلق صلاة ربي وسلامه عليه، وهو حزن يدل على محبةٍ للنبي صلى الله عليه وسلم وإيمانٍ به، لكن هذا الحزن لا يكفي، ولا ينبغي أن يكون هو موقف المسلم من هذه القضية ولا من غيرها من القضايا، فالحزن ليس مقصوداً شرعياً.

إن من الواجب أن يحيل المسلمون هذه السخرية التي تريد إنزال قدر النبي صلى الله عليه وسلم إلى فرصة لرفع قدره عليه الصلاة والسلام، وأن يساهموا في موعود الله في رفع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من الإيجابية المحمودة التي يوظف فيها المسلم الأحداث في تربية نفسه وتربية من حوله، وهو منهج شرعي معروف.

فمن أهم الأمور توظيف الحدث لنشر الهدي النبوي وسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام؛ فنحن مقصِّرون في اتباعه، ومقصرون في العلم بهديه، ومقصرون في معرفة سيرته، ومقصرون في تبصير الناس برسالته، فمن المهم مراغمة الأوباش السفهاء، من خلال المساهمة في رفعة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك:

أولاً: توظيف الحدث في تعميق محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومغذِّيات حب النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، لكن من أهم الأمور أن يُزال الغشاء المعيق عن كمال حبه عليه الصلاة وهو الجهل بسيرته، وقصور العلم بما كان عليه صلى الله عليه وسلم في حياته؛ فالعلم يزيد المحبة، والإجلال، والبعيد عن العين والسمع بعيد عن القلب، فلن يحب النبي صلى الله عليه وسلم حق حبه من لا يعرف سيرته، ولا يدري عن غزواته، ولا يعرف شيئاً عن أحواله في الحياة كلها.

ونحن نعاني من قصورٍ ظاهرٍ في معرفة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فلا بد من توظيف الحدث في توسيع دراسة سيرته في مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، وفي وسائل التواصل، وفي البيوت، وبين الأصدقاء، وأثناء المناسبات.

ثانياً: توظيف الحدث في إشاعة هديه صلى الله عليه وسلم فهديه خير الهدي، ومن مزية الهدي النبوي أنك ترى فيه الهدي الأمثل في كل الأحوال البشرية؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قد مرَّ على أحوال كثيرة متقابلة: الفرح والحزن، النصر والهزيمة، القوة والضعف، الضحك والبكاء، الأمن والخوف، الصحة والمرض... وغيرها، كما أنه كان إماماً، وقاضياً، ومفتياً، وزوجاً، وأباً، وكان له أصحاب وأعداء، وله هدي في التعليم والدعوة والعقوبة والعفو وغيرها مما يعسر حصره.

ثالثاً: إشاعة صفاته عليه الصلاة والسلام وما كان عليه من رحمةٍ، وإحسانٍ، وحكمةٍ، وعبوديةٍ. الرحمة والرفق مع قوةٍ وثباتٍ على الحق، هو من كمال صفاته صلى الله عليه وسلم.

رابعاً: الدعوة إلى دينه ورسالته حتى يعرف الجهال حال النبي صلى الله عليه وسلم التي يريد العابثون بسخريتهم أن يَحُوْلوا بين الناس وبينها.

خامساً: الالتزام بهديه واتباع شرعه بالعودة إلى دينه والتوبة من المعاصي؛ فمثل هذه المواقف التي تؤذي المسلم في نبيِّه صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون محفزاً لكل مسلم أن يترك بعض ما كان يقع فيه من محرمات لا يرضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم توبة إلى الله، وحمية لرسوله صلى الله عليه وسلم.

سادساً: الالتزام بسنته صلى الله عليه وسلم، والدفاع عنها ضد من ينكرها، أو يؤمن ببعض وينكر بعضاً، أو من يضع القيود والشروط عليها.

سابعاً: الاعتزاز بدينه والجزم بأحكامه، ونصرة سنته؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يحارَب بشخصه، وإنما للرسالة التي يحملها، فهم يريدون ديناً مفصلاً على مقاسات المزاج الأوروبي، ووَفْقَ أهوائهم ورغباتهم.

إن أكبر محفز لتحريف دين محمد صلى الله عليه وسلم في عصرنا هو الخضوع لهذه الثقافة، وهذه الواقعة يجب أن تربيَ في نفوسنا الاعتزاز بدين محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، والدفاع عنها، وعدم التهاون في أي تحريف لهـا لأجل إرضاء أحد، فلن يرضوا عنك.

إن السخرية طريق قديم للسفهاء {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [الحجر: ١١]، وهو أسلوبُ ضعيفِ العقلِ بليدِ الفكرِ حين لا يملك حجةً ولا برهاناً، فيشهر سلاحه العبثي ليفتَّ في عضد من يسخر منه، حتى يوقعه في الحرج والخجل، والمسلم يجب أن يقابل هذه السخرية باستعلاء مضاد، يستخف بها، ويعلو عليها، ويجعلها محفزة للتمسك برسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والاعتزاز بأحكامه، وإن رغمت أنوفهم.

هذه جوانب متفرقة للموقف الإيجابي الذي يجب أن يكون عليه كل مسلم ومسلمة لمراغمة السفهاء حتى ينقلب عبثهم عليه، وتضرب دائرة سفاهتهم في رؤوسهم، فيزيد حب النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلو ذكره، ويشيع هديه، ويدخل الناس في دينه أفواجاً، صلوات ربنا وسلامه عليه.