أثناء القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين شهد العالم ما يمكن تسميته سُعاراً استعمارياً، وأخذت الدول التي سبقت بالدخول فيما يسمى بالثورة الصناعية بالتنافس على السيطرة على منابع الثروات على مستوى العالم، كما شهد العالم صراعات متتالية بين الدول الاستعمارية على مناطق النفوذ؛ فأمريكا الفتية توسعت على حساب إسبانيا في أمريكا الوسطى والجنوبية والفلبين... وروسيا القيصرية جادة في التوسع جنوباً في آسيا الوسطى المسلمة وغرباً، ولذا فقد كانت في صراع مستمر مع الدولة العثمانية.

ونتيجة تنامي القوة الألمانية وبحثها عن فرصة للتوسع في أملاكها حول العالم خاضت صراعاً عسكرياً مع اليابان في الشرق البعيد؛ ولكن معركتها الكبرى كانت ضد جارتهـا فرنسا على الحدود وضد بريطانيا العظمى في جنوب إفريقيا فيما يسمى بحرب البوير، وهي أقسى حرب خاضتها بريطانيا حتى ذلك الوقت وكانت إيذاناً بقرب وقوع حرب عالمية شاملة. ومن الملاحظ أن إسقاط الدولة العثمانية وتقاسم أملاكها كان الشغل الشاغل لكلٍّ من روسيا القيصرية وبريطانيا وفرنسا، ولذا فإن مخطط هدم الدولة وتقاسمها وهضم مكوناتها مر بمراحلَ يهمنا منها ها هنا هو اهتمامهم الشديد بدراسة المكونات المختلفة من شعوب وكيانات محلية وديانات ومذاهب وتصنيفها بحيث يسهل التعامل معها واستغلالها. ومن الغريب أن كل المراجع المصنفة حول قبائل الأكراد ولهجاتهم وتراثهم تعود إلى كتابات مستشرقين روس أيام روسيا القيصرية؛ وهو دليل على نية استغلالهم في مشاريع التوسع الروسي نحو البحار الدافئة. وظهرت دعوات الطورانية (القومية التركية) والقومية العربية والكردية بل تمادى الأمر إلى المناداة بالفرعونية والأمازيغية ورفعت شعارات كردستان الكبرى وسوريا الكبرى وأرمينيا الكبرى ولبنان الكبير... وكلها دعوات الهدف منها تحطيم الموجود وبناء كيانات جديدة واستغلال عواطف الأقليات ودغدغة أحلامهم في مشاريع الهدف منها مصالح الأسياد الجدد وليكونوا وقوداً لحريق هم من ضحاياه، ومن أوضح الأمثلـة على ذلك لبنان الماروني الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة حالياً، والدولة الصهيونية التي استُغلت فيها تطلعات وآمال اليهود وتم زرعهم في أخطر منطقة في العالم ينتظرون المعركة الفاصلة التي تدوسهم فيها أرجل الكبار، ولنا عبرة في مستقبل النصيرية القاتم بعد إقامة دولتهم وفشلهم في إدارة الدولة؛ وهو ما أدى إلى دخولهم في مرحلة الصراع من أجل البقاء تحت حماية روسية غير مضمونة الاستمرار. أما الأكراد فمأساتهم مركَّبة؛ فقد كانوا موالين بالجملة للدولة العثمانية وكانوا رأس الحربة في حماية حدود الدولة الشرقية وخاضوا في سبيل ذلك كثيراً من المعارك ضد الصفويين والأرمن، ومع بروز الكيانات الجديدة التي أقامها المستعمرون بناءً على العرق التركي في الأناضول والعرب الذين تمت تشظيتهم وتقاسم بلدانهم وتمت إزاحة اللحمة الإسلامية الجامعه؛ أحس الأكراد أنهم كالأيتام على مائدة اللئام؛ فوعود المستعمر لهم بدولة تجمعهم ذهبت أدراج الـرياح وتم تقطيعهـم في دول قائمة على العصبية العنصرية؛ ولذا أصبح الأكراد ضحيةً سهلة لكل مستغلٍّ؛ فقد استغلهم الإنجليز والروس سابقاً، ويستغلهم حالياً كل اللاعبين على الساحة. 

وأخيراً نصل إلى بيت القصيد وهو تحليل ما يجري في جنوب القوقاز ومحاولة فهم حقيقة ودوافع الصراع.  

لقد وصل الإسلام إلى تلك المنطقة منذ عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ودخل كثير من الأرمن في الدين الحق ومن بقي منهم عاش تحت سلطة المسلمين بسلام، وفي العصر العثماني كانوا موجودين في مختلف أنحاء الدولة وكانوا حاضرين بصورة لافتـة في المناصب العليا، ولكن مع ضعف الدولة تمكنت الاستخبارات الروسية والغربية من اختراق المجتمع الأرمني ودغدغة عواطفهم الدينية والقومية، ثم بدأت العصـابات الأرمنية المتطرفة بالظهور والتنامي بتمويل ودعم روسي وغربي، وكان الطُّعم المعتاد ذلك الوقت هو توزيع الوعود بإنشاء وطن قومي للأرمن وكان المكان المختار هو شرق الأناضول. وأثناء الحرب العالمية الأولى ودخول الدولة العثمانية مع الروس في حرب طاحنة في شرق الأناضول والقوقاز، قام الأرمن بغباء وعدم حساب للعواقب بالعمل خلف خطوط الجيش وزادوا على ذلك ارتكاب مجازر رهيبة ضد المسلمين وقتلوا آلافاً من المسلمين الأتراك والأكراد، وهو ما اضطر الجيش العثماني للتراجع والتصدي لهم وزاد بطرد الأرمن من مناطق العمليات. ونجح الأرمن في خدمة الروس الذين كانوا يهدفون لاحتلال إستانبول وَجَعْلها مركزاً للكنيسة الأرثوذكسية وطرد المسلمين من شمال الأناضول واستبدالهم بالقوزاق (روس نصارى) وهو المشروع المرعب الذي انهار بانهيار نظام روسيا القيصرية ودخولها في فترة حرب أهلية دموية. ولكن الأرمن في المقابل دفعوا ثمناً غالياً لم ينسوه منذ عام 1915م حتى الآن، وعملوا بعد ذلك في وحدات مستقلة ضمن الجيش الروسي في القوقاز، وبلغ عددهم حسب تقدير الجيش العثماني حوالي 50.000 بحلول عام 1918م. ودخل الجيش العثماني إلى باكو يسانده في ذلك جيش الإسلام في القوقاز، فكان انهيار الجيش الروسي مع قيام الثورة البلشفية عام 1917م وانسحابه فرصة للأرمن للاستحواذ على تجهيزات الجيش الروسي، ومع انسحاب الجيش العثماني أعلن المجلس القومي الأرمني استقلال الأرمن وقيام جمهورية أرمينيا الأولى في 28 مايو 1918م، ومثلها جمهورية أذربيجان الديمقراطية، وكان الإنجليز هم اللاعب الوحيد في المنطقة منذ عام 1918م إلى عام 1920م بعد انسحاب العثمانيين والروس. 

وشهدت المنطقة صراعاً دموياً بين الأذريين والأرمن ارتكب فيه كثير من المجازر والتهجير خاصة بحق المسلمين. وكان الإنجليز يطبخون الكيان الأرمني على نار هادئة حتى عـودة الروس من جـديد بعد تمكُّن البلاشفة من تثبيت أنفسهم وإعادة احتلال المنطقة وأعلنوا كلّاً من أذربيجان وأرمينيا جمهوريتين اشتراكيتين تابعتين للاتحاد السوفييتي، وخرج الإنجليز من المنطقة عائدين إلى إيران ورافقهم كثيـر من أرمن باكو. وفي فترة الحكم السوفييتية كانت السياسة المتبعة لإحكام السيطرة على الكيان الضخم الذي ورثوه من القياصرة هو تقسيم البلد إلى جمهوريات رئيسية مثل روسيا الاتحادية وجورجيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا وأوزبكستان وأذربيجان وأرمينيا... إلخ، كلٌّ من هذه الدول يحكمها حزب شيوعي محلي يرأسه شيوعي من أهل البلاد. ويوجد أيضاً داخل الجمهوريات جمهوريات حكـم ذاتي للأقليات العرقيـة، فمثلاً روسيا تتبعها جمهوريات الشيشان وداغستان، وجورجيا تتبعها أبخازيا وهي جمهوريات ذات غالبية مسلمة. وفي أذربيجان يوجد في داخلها منطقة فيها كثير من الأرمن تسمى (ناقورنو كاراباخ) فأعطيت الحكم الذاتي ضمن أذربيجان، وكانت شهوة الأرمن للتوسع دافعاً لهم للمطالبة بصورة متكررة بضم الإقليم لجمهوريتهم ولم يجدوا آذاناً صاغية حتى سقوط الاتحاد السوفييتي فأصبح الأرمن أكثر تنمراً مع دخول الغرب الصليبي راعياً ثانياً يضاف للروس الذين استعادوا كثيراً من نفوذهم في الجمهوريات السابقة.     

ومن الملاحظ أن أرمينيا دخلت في مرحلة تداول محدود للسلطة يغلب عليه سياسيون موالون للروس، أما أذربيجان فتغير النظام كان شكلياً حيث بقي الأمين العام للحزب الشيوعي الأذري حيدر علييف الذي كان يحكم أيام الحكم السوفييتي في السلطة وخَلَفه ابنه إلهام علييف فيما يشبه السلالة الحاكمة... والذي يهمنا هنا أن مشكلة المطالبة الأرمنية اتخذت شكل فرض أمر واقع؛ إذ قام أرمن الإقليم بإعلان جمهوريتهم المستقلة التي لم يعترف بها أحد بصورة علنية! ومع اعتراض أذربيجان قامت حرب تمكنت فيها أرمينيا المجهَّزة جيداً من اجتياح المناطق الفاصلة واحتلت كلَّ ناقورنو كاراباخ والمناطق المحيطة بها بما يعادل خُمْس مساحة أذربيجان في حرب استمرت من عام 1991 - 1994م وكانت نتيجتها تهجير ما بين 700 ألف إلى مليون أذري من ديارهم ومقتل أكثر من ثلاثين ألفاً من الأذريين. وهنا نلاحظ أن روسيا حرصت على تثبيت نفوذها على الطرفين فأمدت الطرفين بالسلاح مع تفضيل أرمينيا بالنوع والقيمة، ووقَّعت معها معاهدة دفاع مشترك بدعوى أنها من الجمهوريات السابقة، وأقيمت قاعدة عسكرية روسية في أرمينيا. ومع المحافظة على التفوق العسكري الأرمني حرصت روسيا والدول الغربية على تخدير أذربيجان ومنعهـا من استعادة أراضيها بتدخل كلٍّ من روسيا وأمريكا وفرنسا بدعوى حل الأزمة عبر المفاوضات التي استمرت ثلاثين سنة ولم تُرجِع لا الأرض ولا المهجَّـرين، وكانت أرمينيا تثيـر حـرباً محدودة كل بضع سنوات من أجل إثبات التفوق وتعميق إحساس الأذريين بالعجز، وتكررت الحروب المحدودة أعوام 2014 و 2016 و يوليو 2020م، وهي الحرب التي نشبت في منطقة بعيدة عن المناطق المتنازع عليها؛ فقد كان الهدف قَطْعَ خط أنابيب البترول المتجهة من باكو إلى أوروبا مروراً بجورجيا وتركيا؛ وهو ما يعني أن أرمينيا تخطت حدود المطالب الوطنية إلى تنفيذ رغبات جهات داعمة دولية وهو ما أدى إلى نقل الصراع إلى مرحلة جديدة؛ فروسيا التي تدعم أرمينيا وتحميها مع محافظتها على علاقات جيدة مع أذربيجان تشعر بالانزعاج من تدخل الغرب المتزايد في الجمهوريات السابقة؛ ففي أوكرانيا وأرمينيا وبعد تمكُّن روسيا من إيصال حليفها للسلطة تقوم الاضطرابات ويتم إسقاطه ويحل محله من يختاره الغرب ويتكرر الأمر حالياً في روسيا البيضاء وقرغيزستان؛ ولذا فإن من يحكم أرمينيا هو صحفي رفع صوته بالمعارضة واشترك ببعض الأحداث فسجن وخرج، ثم كوَّن حزباً حصل على نسبة قليلة في الانتخابات فقاد مظاهرات وأجبر الحكومة على الاستقالة وفرض نفسة وتولى رئاسة الحكومة منذ عام 1918م بعد أن أصبح المرشح الوحيد. وهذا سيناريوا يشبه ما جرى وما يزال يجري في عدة جمهوريات ومتوقع تكراره، وهو ما لا يمكن أن تقبله روسيا؛ فدخول المال الغربي والحماية السياسية لشخصيات معيَّنة ودفعها للسلطة يشكل انقلابات ناعمة لحصار روسيا في مجالها الحيوي. ومن هنا نفهم أن الروس سمحوا للأتراك بالعودة للساحة ومن شهر يوليو إلى الآن قام الأتراك بدعم أذربيجان بقوة وإعادة تأهيل سريعة للجيش الأذري، وما إن أعادت أرمينيا التحرش المعتاد - بتحريض فرنسي - حتى فوجئت بردٍّ مزلزل وقامت الحرب التي أوقعت الرئيس الأرمني في ورطة كبيرة فهو يتوقع أن يقضم جزءاً جديداً، وأوقفت دول مينسك الحرب، وقال الرئيس الأرمني في مقابلة صحفية إنه يستغرب أن مدة الحرب تعدت أربعة أيام كما هو معتاد سابقاً. وهنا لنا وقفة:      

فإن أرمينيا في صراعاتها السابقة كانت تحظى بدعم روسي - إيراني مباشر ورعاية غربية، وبما أن الروس هم الذين شكَّلوا الجمهورية الحالية فهم - لا شك - يدعمون تمددها التدريجي في المحيط لإبقاء أذربيجان ضعيفة ومنهكة، وهو ما تسعى إليه إيران التي تحرص على انشغال أذربيجان بنفسها؛ فقوتها تمثل خطراً على تماسك الدولة وإمكانية اضطراب الشمال الذي تقطنه أغلبية أذرية ساحقة بما يشكل حوالي 20% من إجمالي عدد سكان إيران، ولا ننسى أن عاصمة أذربيجان الإيرانية هي تبريز وهي عاصمة الدولة الصفوية؛ ولذا فالنظام الحالي في إيران فارسي شيعي وقد تصبح إعادة سيطرة الأذريين على إيران مطلباً يمثل خطورة عالية، ولكن الأحداث الأخيرة أوقعت إيران في ورطة؛ ففي البداية تماشت مع سياستها القديمة وسمحت بمرور الدعم العسكري للأرمن ولكن برودة الروس وووجود الأتراك وتحرُّك الأذريين واعتراضهم على مرور القوافل وشعور إيران بأن استعداء أذربيجان حالياً قد يدفعون ثمنه لاحقاً كل ذلك جعل النبرة تتغير إلى الحرص على وحدة الأراضي الأذرية وإلى نصح الأرمن بعدم حاجتهم لخسائر لا داعي لها، بل الموقف تعدى ذلك إلى انتقاد الدور الفرنسي غير المقبول في الأحداث في عملية فضح للدور الفرنسي في دفع الأرمن وتوجيههم. ومن تصريحات الرئيس الأرمني وتصرفاته يصح عليه وصف الرئيس الأذري له بأنه عديم الخبرة السياسية وأنه أرمني متطرف جاء من الشارع للسلطة واعتقل الرؤساء السابقين، فمن أقواله اعترافه بتدفُّق المتطوعين من الإخوة الأرمن وأنه أمر طبيعي، وهو ما أفسد الحملة الدعائية حول جلب مرتزقة من سوريا للقتال ضد الأرمن، وكانت تصريحاته كلها بكاء وادعاء بأن الأرمن معرضون لتكرار المجازر ضدهم، وأنه يتوقع التدخل الروسي حسب الاتفاقيات الموقَّعة التي أكدها بوتين، ولكنه أضاف أن القتال يجري خارج أرمينيا وبصورة أخرى هو يقول لنرى ماذا سيفعل الذي جاء بك للسلطة ووجَّهك للتحرش بأذربيجان وفي لقطة إعلامية فريدة عرض الإعلام الروسي الرسمي مقطعاً يقول إن اجتماعاً مباشراً لبوتين يرن فيه جرس الهاتف عدة مرات، وأخيراً يرفع بوتين الهاتف ويقول لمحدثه رئيس وزراء أرمينيا إنني مشغول سأتصل بك لاحقاً؛ وهو ما يعني أن تدخُّل الروس مرهون بتغير النظام السياسي في أرمينيا وعودتها للحضن الروسي فقط. أما ناقورنو كاراباخ فقد أضاعها عديم الخبرة؛ فالعالم يحبس أنفاسه على وقْع التغيرات في المنطقة واحتمال عودة عقارب الساعة إلى ما قبل مئة سنة.

واذا كان يجوز لنا أن ننصح الأرمن فنذكِّرهم بأن مستقبلهم مرهون بتعاملهم الصحيح مع جيرانهم وليس بتنفيذ مخططات الآخرين الذين لن يحصلوا منهم إلا على دموع التماسيح؛ وهي رسالة لكل كيان وظيفي مصطنع أُوجِد لتحقيق مصالح الآخرين؛ فلا بد أن يأتي يوم وينتهي الغرض منه وتطوى صفحته.