الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه، وبعدُ:

لبننة... صوملة... جزأرة... كلمات ثقيلة في نطقها وفي وزنها ومعناها، والمشكلة ليست فيها وحسب مع خطرها وسوء مآلاتها؛ بل إن الإشكال يكمن في بقاء هذه الصفة المخيفة أو في احتمالية عودتها إن ذهبت، مع إمكان امتدادها إلى أقطار أخرى في عالمنا العربي والإسلامي، وكأننا أمة لا تعي الدرس، ولا تستفيد من التجربة، وتظلُّ ثغورُها مُشْرَعةً لمن شاء التأثير، وتجتمع حولها القوارض الخبيثة كي تلدَغنا مراراً من الجحر ذاته!

ولو قلَّبنا النظر في بلاد عالمنا لوجدناها في أقسامٍ: فبعضها يحوم حول دائرة الفشل عبر دخولٍ وخروجٍ ووقوفٍ على شفيرها المحرق، وجزء منها غير آمن من الوقوع في هذه الدائرة، والفئة التي تصنَّف على أنها في مأمن من الفشل لم تبلغ مستوى الأمان المطمئن، ولم تصل إليه بسبب قوة بنائها الهيكلي، وجودة قدراتها الصناعية، ووجود أنظمة واضحة مرعيَّة، إضافة إلى قَدْر من الاستقلالية والحرية، بل يعود هذا المكسب إلى فيضان المال وارتفاع الدخل المحلي، وهو أمر قد يعترضه أيُّ شيء فيزيله أو يخفض من قيمته، ولا ينفي هذا بروز محاولات انعتاق وصُنْع نموذجٍ ناجح؛ بَيْدَ أن العثرات تحيط بها من كلِّ جانب، وتلقى المعيقات في طريقها من أطراف عديدة.

وفي المقابل لو بحثنا عن عوامل القوة والنهوض لوجدناها متوافرة في بلادنا العربية والإسلامية فمُقلٌّ ومُستكثِر، وفوق ذلك فالفرص متاحة متجددة لتصحيح الأوضاع واستدراك ما فات، والخروج من زمن التيه، والنجاة من منطقة الوحل، وغسل الأدران التي لصقت بنا من مستنقعات آسنة ابتليت بها البقاع وأهلها بسوء تقدير، أو بمكر وسبق ترصد ومكر.

بينما يعظم الخطب ووقْعُه في نفوسنا حين نقارن دولَ عالمنا ببلاد أخرى آسيوية أو لاتينية أو إفريقية أو أوروبية استطاعت التخلص من المكبلات والتبعية والتخلف، وانطلقت في حال من الوئام المجتمعي، والسلم التام، إلى رحاب الأمن والقوة والنماء، مستثمرة التعليمَ والتصنيعَ والمجالَ الخدمي والسياحي والزراعي، مع زيادة اعتزازها بهويتها وموروثها وإنسانها.

فهل تستطيع دولة واحدة من عالمنا بأطرافه البعيدة المتنامية أن تنجح في تقديم تجربة تُحتَذَى، ونموذج ناجح يُقتَدَى به؛ فمن غير المقبول أن نظلَّ أسارى للتخلف، والديون، والحروب، والاستهلاك، أو أن نبقى مدحورين في المؤخرة نستجدي كلَّ شيء، ونغدو عرضة لأيِّ شيء؛ فمثل هذه الأوضاع لا يرضى بها شهمٌ أبيٌّ، وجلُّ أبناء وطننا العربي والإسلامي الكبير فرسان أصحاب أَنَفَة وهمَّة لا ترضى نفوسهم الشريفة بالدنيَّة واستمرار أحوال النقص والمثلبة.