الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه، وبعدُ:

في حادثة وقعت عام 1994م وما زالت تتكرر في أنحاء مختلفة من العالم، انطلق فيل ضخم أثناء أحد عروض السيرك في مدينة هاواي ليقتلَ مدربه، وينطلق غاضباً إلى الشوارع ليقتلَ ويصيبَ العشرات. تلك الحادثة المأساوية جعلت فريقاً من العلماء يتوقفون عندها محاولين الإجابة عن سؤال: متى تقتل الفيلة؟

رغم أن الفيلة بالطبيعة حيوانات أليفة قلَّما تهاجم غيرها ونادراً ما تهاجم الإنسان، وتتمتع بذكاء عقلي وعاطفي عجيبين... فهي تساعد جرحاها بضغط خراطيمها على الجراح النازفة ليتوقف الدم، وتواسي مرضاها، وتؤبِّن موتاها، وتتبنى رضيعها إذا فقد أمه... هذه الحيوانات الأليفة ما الذي يجعلها قاتلة هكذا؟

ما توصل إليه العلماء: أن الفيلة لم تخلَق لتقفَ على قدمين وتبدأَ بالرقص أمام الناس، أو تحملَ فوق خرطومها كرة مزركشة تتقاذفها ليتضاحك منها الأطفال... فليس هذا من طبيعتها!

والنتيجة أن للطباع والطبائع حكماً، من رام تغييرها فإنها تدعسه في النهاية على أنها في البداية  قد تبدو مستسلمة للتغيير لكن لمساحة زمنية هشة سرعان ما تزول وترجع الأمور إلى طباعها، فتعاقب من صيَّرها أضحوكة.

وطبائع الشعوب أن تصمتَ ولكن ليس للأبد، أن تصبرَ وقد تطول فترة صبرها لكن الصبر ينفد، والحقوق لا تموت، والعدو لن يتحول لصديق، والدماء لن تتحول إلى ماء.

وقديماً قال الشاعر:

ومكلِّف الأيامِ ضدَّ طباعِها

متطلِّبٌ في الماء جذوةَ نارِ