الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

إن مَن يدقق في كثير من الأحداث الجارية يكتشف أن تصرفات بعض رؤساء الدول الكبرى تشبه تصرفات الغريق التي يجب أن يعرفها ويتعامل على أساسها كلُّ مَن يحاول إنقاذ غريق أو مساعدته. فمِن المعروف أن الغريق يتشبث بقوة بصورة لا إرادية، وكثيراً ما يكون سبباً في غرق من يحاول مساعدته دون أن يتخذ الاحتياطات اللازمة، وهنا لنا وِقفَة مع طبيعة النظم السياسية الغربية السائدة التي تقوم على وضع الحزب الحاكم وممثله في السلطة أمام تحدي تتالي النجاحات وتجاوز الإخفاقات قبل حلول الاستحقاق الانتخابي التالي؛ وإلا كان السقوط حتمياً وقد يتعدى ذلك إلى تعرُّض الرئيس إلى الابتزاز بقضايا تثار أثناء تمتعه بالسلطة والحصانة لتكون سيفاً مُصْلَتاً عليه في حال فشله في التجديد أو تمتعه بالحدِّ الأقصى للحكم وهو - في الغالب - فترتان متتاليتان. ولذا فليس مستغرَباً أن نجد أكثر زعماء الغرب نشاطاً وظهوراً هم أكثر الزعماء تعرُّضاً للنقد والهجوم داخلياً.

ولتقريب الصورة نختار زعيمين غربيين وثالثاً يعتبر في حكمهما، وهم الرئيس الفرنسي الشاب ماكرون الطامح لبناء مجده الشخصي وتجاوز المشاكل الداخلية واحتجاجات ذوي القمصان الصفراء التي استمرت مشتعلة رغم انتشار وباء كورونا، وكان الحل هو تبنِّي مشروع نهوض دولة فرنسا الاستعمارية من جديد والنفخ في رماد المستعمرات السابقة التي أنهكتها سنوات الاستعمار المباشر وما تلاها من سيطرة مستترة ما زالت تجثم على صدور بلدان كثيرة. فلا أحد ينكر التسلط الفرنسي الفكري والسياسي والاقتصادي وحتى العسكري بصور متفاوتة على تونس والجزائر وموريتانيا ودول الصحراء الإفريقية ولبنان.

تعاني فرنسا في الساحة الأوروبية من مجموعة عُقَدٍ نتيجة ما جرى في الحربين العالميتين من احتلال فرنسا وتراجعها من دولة استعمارية كبرى تسيطر على مساحات واسعة من المعمورة إلى دولة تابعةٍ بالإجبار والإكراه للحامي الجديد للغرب! فالإنجليز تقبَّلوا النفوذ الأمريكي الذي ينتمي إلى اللغة والخلفية الثقافية (الأنجلو سكسونية) نفسها. أما الفرنسيون فالقادم الجديد يهدد مصالحهم وثقافتهم الفرانكفونية، ولذا فقد انسحبت فرنسا من حلف الناتوا آنفةً من الخضوع للقيادة الأمريكية ثم عادت إليه مضطرة.

وكذلك فقد كان لافتاً تقارب فرنسا وألمانيا عندما كانت بريطانيا عضواً في الاتحاد الأوروبي، ثم تباعدهما بعد خروجها ولم يعد ماكرون يلتقي كثيراً بميركل؛ فالتاريخ لا يسمح لهما بالتقارب والحميمية ويمكن تلخيص العلاقة بين القوى الرئيسية الثلاثة في أوروبا بقول ترامب لماكرون إنه لولا الولايات المتحدة الأمريكية لتحدث الفرنسيون باللغة الألمانية. ومن هنا نفهم كيف سمحت أمريكا لفرنسا بتصدر المشهد في الشرق الأوسط والبحر المتوسط، واستثمار علاقاتها السرية مع إيران وحزب الله والأكراد؛ فدخل ماكرون لبنان دخول الحاكم الفعلي وأظهر التحالف مع الشيعة إلى العلن واستبعد الحريري من برنامج الزيارة وأتبعها بزيارة للعـراق ليتحدث عن الحفاظ على سيادة العراق في وقت تتحدث فيه أمريكا عن الانسحاب منه فيما يشبه تسليم الملفات ودَفْع فرنسا (المغرورة) لتجربة الخوض في المستنقع الذي يمتد من ليبيا إلى قبرص واليونان، ومنهما إلى لبنان والعراق في خطة ذكية لتركيع فرنسا (المشاغبة)؛ فالفشل المؤكد سيكون ثمنه غالٍ. وكما فقدت فرنسا زائير وراوندا وبوروندي التي تحولت من فرانكفونية إلى (أنجلو ساكسونية) فستفلت من أيديها الجزائر وتونس والحزام الإفريقي فالطامعون في إرثها كثر. والذي يهمنا هنا أن ماكرون يتخبط ولا يأخذه أحد على محمل الجد، فحتى إسـبانيا وإيطاليا لا تجدان الدوافع والحماسة للسير خلفه، بل حتى اليونان الضعيفة المفلسة لا تثق بقدرة فرنسا ولا في صدق نواياها؛ فالمعارضة اليونانية تصرِّح بعدم ثقتها بفرنسا وأنها قد تدفع اليونان إلى كارثة، فالغريق المتخبط لا يساعد أحداً.

ومن ناحية أخرى نجد الزعيم الثاني ترامب المثقل بالأعباء، والذي يسعى - كما يدعي - إلى إعادة أمريكا عظيمة؛ وهو شعار يدل على اعترافٍ بتراجع أمريكا. والخطورة تكمن في أن تشخيص سبب الداء بصورة خاطئة سيؤدي حتماً إلى معالجة خاطئة تكون نتائجها عكسية. فخلال حكمه بنى لنفسه شعبية كبيرة في أوساط البيض المتدينين والعنصريين بتقـريب زعماء الإنجيليين الجدد ومهاجمة المهاجرين، مع طرحٍ عنصري ضد الأفارقة تعدَّاه إلى الأمريكيين السود وبدأ يطفو على السطح اتساع الشرخ الاجتماعي في أمريكا على أسس إثنية ولونية.

ولتحقيق انتعاش اقتصادي وإعادة توطين الصناعات اضطر إلى خوض حرب اقتصادية متفاوتة الشدة شملت حلفاءه الأوروبيين والأتراك ومنافسيه الروس والصينيين، وأصبح شعار التجارة الحرة التي سوَّقتها أمريكا ردحاً من الزمن للسيطرة على اقتصاديات العالم في ذمة التاريخ، وأسرفت في ممارسة الحماية الجمركية والعقوبات والابتزاز الاقتصادي؛ وهو ما أدى إلى نشوء تكتلات اقتصادية وسياسية جديدة ضد التغول الأمريكي الذي يبدو أن سياستة الاقتصادية ستؤدي إلى انتعاش مؤقت يعقبه انكماش؛ فتبعات الحرب الاقتصادية ستكون على شكل استقطابٍ وتوتُّرٍ سياسي وخطورة الانزلاق إلى حرب شاملة أو حروب إقليمية في مناطق النزاع. وهو ما يفسر اتخاذ أمريكا تدابير جادة لتقليل وجودها العسكري في مناطق التوتر الشديد مثل أفغانستان والعراق؛ فمن الطبيعي أن أمريكا لا يمكن أن تتمادى في التحرش بالصين مع وجودها في أفغانستان، وكذلك وجودها في العراق يكبِّل قدرة أمريكا على التعرض للوجود والنفوذ الروسي المتنامي في سوريا وليبيا وما يتبعه من ترسُّخ الوجود البحري الروسي في المتوسط؛ ولذا فمن المتوقع أن الانسحابات سيعقبها إعادة تموضع في قواعد قريبة أكثر أمناً لاحت بوادره في مغازلة وزير الخارجية بومبيو لقبرص اليونانية.

مع قرب الانتخابات الرئاسية وتأثُّر شعبيته بسبب تعامله المتذبذب مع كـورونا وتأثيـرها السلبي على الاقتصاد، وعلى الرغم من ضعف شخصية منافسه بايدن فإن فوز ترامب في الانتخابات غير مضمون؛ وهو ما يعني تعرُّضه للملاحقات القضائية التي تنتظر رفع الحصانة ولذا فهو حريص في هذه المرحلة على كسب نقاط انتخابية وهي ثغرة نفذ منها اليهود وأقنعوا ترامب أنهم المنقذون؛ وخاصة أن وضع رئيس الوزراء نتنياهو شبيه بوضعه؛ فكلاهما مهدد بالسجن في حالة الخسارة وهو ما يعني أن تقديم خدمات للشعب اليهودي يساعد نتنياهو على الفوز وضمان أصوات اليهود المتأرجحة دوماً بين الحزبين، واندفع ترامب بكل قوة فارشاً الطريق أمام نتنياهو مستغلاً قوة أمريكا وتغوُّلها وغير عابئ بمصالح زعماء الدول ومستقبلهم السياسي، ومن أوضح الشواهد على ذلك ما حدث للرئيس الصربي الذي حضر إلى واشنطن لتوقيع اتفاقية صلح مع كوسوفا، وأثناء حفل التوقيع فوجئ بترامب يعلن شكره لصربيا على قرارها نقل السفارة الصربية من تل أبيب إلى القدس، فظهر عليه الحرج وبدأ يقلِّب الصفحات يبحث عن النص المدسوس عن الاتفاقية وتصبب عرقاً ووضع يده على رأسه فهو في حالة ذهول فقد خُدِع أمام الملأ وظهر للعالم خطورة الاقتراب من الغريق الذي يتصرف بصورة ينعدم فيها إحساسه بمستقبل من أتى لإنقاذه فَلْيذهب إلى الجحيم وليتحطم مستقبله السياسي؛ فالمهم بالنسبة إلى ترامب أن ينجوَ ويسجلَ نقطة تساعده في الانتخابات، وبما أنه يحتاج إلى نقاط كثيرة فهو حريص على تكرار هذا المشهد مع آخرين وليأتِ نتنياهو العزيز إليه ليكسب معه فهو يعاني أكثر منه، فأبواب السجن الذي يقبع فيه سَلَفُه أولمرت تتراقص أمام عينيه، والمظاهرات المعارضة له هي التي ودعته في مطار بن غوريون ولهذا فَلْيحذر الفَراشُ من الاحتراق في النار المشتعلة في واشنطن.

روى الإمام البخاري بسنده عن  أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَاراً، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا».

فليس كل إشعاع ضوءاً، كما أنه ليس كل سراب ماء... فالسلامة هي البعد عن الغرقى.