مع التأثيرات الكبيرة لجائحة كورونا على الولايات المتحدة والدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي، ظهرت توقعات باحتلال الصين زعامة العالم لِـمَا تمتلكه من قدرات اقتصادية وعسكرية هائلة، ومن ثَمَّ بدأت مؤشرات للتحالفات المستقبلية تلوح في الأفق، ومن بينها طبيعة علاقات الصين مع العالم الإسلامي، في ظل الصراع العلني والمباشر الذي طفا على سطح الأحداث بين واشنطن والدول الغربية من جهة وبكين من جهة ثانية مع انتشار فيروس كورونا المستجد.

فمع تفاقم جائحة كورونا، ظهرت حملة سياسية منظمة من الولايات المتحـدة وقادة الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي ضد الصين؛ لتحميلها مسؤولية انتشار فيروس كورونا المستجد وإخفائها معلومات مهمة أدت إلى حصد أرواح مئات الآلاف من البشر؛ خاصة في الولايات المتحـدة والغرب، وهو ما تزامـن مع تحـركات من جانب بكين لتقديم مساعدات طبية لإيطاليا وعدد من الدول الأوروبية، بشكل أثار أيضاً حفيظة واشنطن وحلفائها الغربيين، لا سيما مع اقترانها بتحركات مماثلة من جانب روسيا التي تملك أدواتها السياسية للتدخل في شؤون دول القارة الأوروبية.

التحالف مع العالم الإسلامي هدف إستراتيجي للصين والغرب بمعايير جديدة:

هذا الصراع الذي ظهر على العلن في حرب معلوماتية واتهامات صريحة سياسية وإعلامية منظمة، فتح الباب على مصراعيه أمام شكوك الولايات المتحدة والغرب في استثمار الصين جائحة كورونا لإقامة تحالفات جديدة بالتعاون مع روسيا لاستباق التغييرات التي من الممكن أن تنتج عن جائحة كورونا في ظل انشغال الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بأوضاعها الداخلية ومواجهة الركود الاقتصادي الذي يتفاقم يوماً بعد يوم.

ومع استمرار هذا الصراع المفتوح، يمكن الحديث عن تغيير في إستراتيجيات الولايات المتحدة والغرب، لتصبح الصين على رأس المخاطر التي تواجهها تلك الدول خلال الفترة المقبلة، مع تراجع السياسات والحملات الإعلامية التي وضعت الإسلام لعقود طويلة في صدارة نظرية صراعات الحضارات واهتمامات السياسات الخارجية لأمريكا وأوروبا.

 هذا التحول نحو الصين من شأنه أن ينتج تنافساً من نوع جديد على التحالف مع بلدان العالم الإسلامي بموقعها الجغرافي الممتد داخل أوروبا وإفريقيا وآسيا، ويجعل منها هدفاً إستراتيجياً للطرفين كليهما في نظـريات جـديدة تعتمد بالأساس على كون الهيمنة الاقتصادية على العالم بعد أزمة كورونا ستبقى هي الأداة الأهم لواشنطن للبقاء قوة عظمى، وفي المقابل ستكون هي نفسها بوابة الصين لأخذ موقع الصدارة على مستوى العالم.

لتحقيق خطة التحالف مع بلدان العالم الإسلامي، سيكون على رأس أولويات الصين من الناحية السياسية استغلال سخط الشعوب الإسلامية على الولايات المتحدة بسبب تدخلاتها الجائرة في شؤونها ودعمها الاضطرابات والنزاعات المسلحة داخلها خلال القرنين الحالي والماضي، في ظل نشر الإعلام الأمريكي لمشاعر العداء ضد الإسلام (الإسلاموفوبيا)، ودعم الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا المناهضة للمسلمين، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب.

تضييق الخناق الغربي على الصين سيدفعها لشراكات اقتصادية مع البلدان الإسلامية:

إن احتدام المواجهة بين الطرفين قد يخلق تراجعاً للضغط السياسي الذي يفرضه الغرب على الدول العربية والإسلامية؛ بهدف الحيلولة دون إيجاد مبررات أيديولوجية وسياسية للانجذاب إلى الصين، وهو ما قد يخفف من حدَّة التوتر في منطقة الشرق الأوسط، ويدفع الصين أيضاً في المقابل للانخراط في مبادرات لتسوية قضايا عالقة تهم البلدان المسلمة لنيل ثقتها والانطلاق في شراكات قوية تتطلب تحقيق الاستقرار والأمن في مناطق النزاعات، وإطلاق مبادرات للتسامح مع مسلمي الأويغور، إذا ما نجحت البلدان الإسلامية في ممارسة ضغوط على بكين في الفترة المقبلة.

التحركات الصينية على هذه القاعدة السياسية قد تكون مجرد محاولة وقتية لكسب أرضية لدى بلدان العالم الإسلامي، بسبب افتقادها لعامل اللغة ووسائل العولمة التي ترتكز على السينما والإعلام وغيرها من الأدوات التي ساهمت في صناعة الولايات المتحـدة أن تكون قوة عظمى وسهلت لها ولحلفائها الحضور بقوة على الساحتين السياسية والاقتصادية، كما أن عجز الصين أمام خصومها عن الرد على الاتهامات الموجهة لها بشأن التسبب في انتشار فيروس كورونا كان يمثل اختباراً مهمّاً لقوَّتها السياسية في هذا الشأن أمام العالم في مرحلة ما بعد كورونا.

الرد الصيني يظهر - كما هو معتاد - في سياسات اقتصادية توسعية في نطاقات أخرى، قد يكون من بينها إبرام تحالفـات اقتصادية واسعة مع البلدان الإسلامية على خلفية المتنفَّس الذي قد تجـده هذه البلـدان خلال الفترة المقبلة بانشغال الولايات المتحدة بأزماتها الداخلية إذا ما استمر الركود الاقتصادي داخلها.

إن اندفاع بكين نحو التحالف مع بلدان العالم الإسلامي سيكون سريعاً ومتنوعاً حسب الوضع الجيوسياسي لكل بلد، في إطار محاولة الإفلات من تضييق الخناق الغربي على الصادرات الصينية، وتقليص التبعية في المجالات المهمة، مع الاتجاه لتوطين عدد من الصناعات الأوروبية، التي قد تجد منطقة الشرق الأوسط هي الموقع الأنسب لها بتكلفة إنتاج أقل، كبديل للصين التي تكتسب أهميتها الاقتصادية من هذه النقطة تحديداً.

تحالفات الصين ستعتمد على تغيير الهيكل الاقتصادي العالمي بالتكنولوجيا الرقمية:

وفي المقابل، قد تشمل التحركات الصينية نحو بلدان العالم الإسلامي بداية عكسية للثورات الصناعية في الغرب التي أوقفت احتلال الاقتصاد الصيني للصدارة على مستوى العالم في القرن التاسع عشر؛ وذلك من خلال تأسيس ثورة تكنولوجية مضادة تعتمد على استثمار جائحة كورونا وتقـديم نفسها منقذاً للبلدان التي ستقيم معها شراكات وربما تحالفات كبيرة خلال فترة ليست ببعيدة؛ إذ أطلقت مؤخراً خطة عمل للترويج للاقتصاد الرقمـي لدى الدول العربية لمواجهة آثار الركـود الاقصـادي من جهة، ولضرب النموذج التجاري التقليدي الذي من الممكن استهدافها من خلاله من جهة ثانية.

خطة الصين في هذا الشأن تعتمد على إقامة شراكات تعتمد على تغيير الهيكل الاقتصادي العالمي في عصر (ما بعد الجائحة) والتركيز على فعالية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الجيل الخامس كقوة دافعة لتحسين كفاءته، حيث يشمل ذلك تطوير (إنترنت الأشياء)، وتسريع بناء البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، وتحفيز تحـويل نماذج الأعمال لوضع التكنولوجيا والاقتصاد الرقميين، فرصة جديدة للتنمية في عصر ما بعد انتشار الجائحة.

تشمل خطة الصين - التـي بدأت بالفعل التـرويج لها لدى الحكومات العربية كمرحلة أولى - أدوات أشبه بطوق نجاة لتسيير الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية عبر أدوات الاقتصاد والتكنولوجيا الرقمية التي اعتمدت عليها للتعامل مع جائحة كورونا، غير أن هذه الخطة ستكون نقطة انطلاق حقيقية للصين لصناعة حالة دائمة من الاعتماد عليها كقوة مهيمنة على أوضاع داخلية للدول؛ إذ لن ترتبط فقط بأدوات التعايش مع فيروس كورونا أو احتـوائه عبر تطبيقات لتتبع الحالات المخالطة للمصابين بفيروس كورونا؛ وإنما بآفاق واسعة لتوغل الصين لدى الدول العربية في الاتصالات المعلوماتية والتكنولوجيا الرقمية التي تمثل لب الصراع الحقيقي القادم مع الولايات المتحدة.

مصداقية الصين لدى الحكومات التي ستروج لديها أداوتها للاقتصاد الرقمي وتغيير هيكلة الاقتصاد ستعتمد على نجاح تجربتها بالفعل في مكافحة جائحة كورونا عبر التكنولوجيا الرقمية، وعلى تغييرات أخرى كان لعدد من الدول العربية نصيب منها خلال هذه الأزمة؛ إذ نشرت وكالة (شينخوا) الصينية للأنباء تقريراً مفصلاً في شهر مايو 2020م للترويج لتغيير الهيكل الاقتصادي العالمي تحت عنوان: «فرص جديدة أمام الصين والدول العربية لتطـوير التكنولوجيا والاقتصاد الرقميين في عصر ما بعد الجائحة».

ونوه التقـرير بإطلاق حكومة الإمارات منصة جديدة لتتبع السياسات والمبادرات المبتكرة التي تتبناها الدول في أنحاء العالم لمكافحة فيروس كورونا الجديد، كأول منصة من نوعها في العالم العربي، وفي الوقت نفسه تحويل سوق المباركية التراثي (الوجهة السياحية الأولى للكويتيين) إلى متجر إلكتروني يقدم خدماته للزبائن عبر شبكة الإنترنت، مع اتخاذ دول عربية سياسات (التعليم عن بعد) للحدِّ من حضور الطلاب وتجنب الاختلاط الاجتماعي في المدارس أو الجامعات في ظل خطر جائحة كورونا؛ إذ قامت وزارة التربية والتعليم المصرية بتقديم منصة (إدمودو) للتعليم عن بعد لأكثر من 22 مليون طالب وأكثر من مليون معلم في عموم البلاد.

كما نوه التقرير بنجاح تجربة أحد مواقع التسوق العابر للحدود الذي أسسته شركة صينية في أسواق الشرق الأوسط عن طريق البناء المشترك لطريق الحـرير الرقمي، إلى جانب شراكات أخرى للتعاون في إطار تكنولوجيا الجيل الخامس وتقاسم منافع التكنولوجيا والاقتصاد الرقميين مع البلدان العربية.

دخول الصين في شراكات واسعة مع الدول العربية قد لا يتوقف عند حد التعاون المشترك قبل أزمة كورونا أو خلالها، لكنها تؤكد وجود مساعٍ مكثفة للدخول في تحالفات أكبر قد تظهر آثارها خلال الأشهر والسنوات المقبلة مع احتدام الصراع مع الولايات المتحـدة على زعامة العالم.

قروض (الحزام والطريق)... عصا الصين في شراكات ما بعد كورونا:

في الوقت نفسه، قد تكون مبادرة (حزام واحد، طـريق واحد) التي أطلقتها الصين عام 2013م عنواناً مهمّاً لشكل الصراع القادم وطبيعة التحالفات المستقبلية لبكين مع تصاعد التوتر مع الغرب؛ إذ ستشهد القارة الأوروبية مزيداً من الانقسام حول هذه المبادرة التي تتدفق معها الاستثمارات الصينية.

هذا الانقسام الأوروبي سيظهر تحديداً في انخراط دول أوروبا الشرقية والوسطى في المبادرة الصينية، وقلق دول أوروبا الغربية إزاء طموح الصين للهيمنة على العالم، وهي مخاوف قد تتعزز أكثر في مرحلة ما بعد جائحة كورونا، وتدفع الصين في المقابل إلى الحفاظ على شراكاتها مع الدول المشاركة في المبادرة من قارتي آسيا وإفريقيا عبر سياسة ضغط لفرض شروطها ومنعهم من التحرك بعيداً عنها إذا ما نجح الاتحاد الأوروبي في الحد من توغل الصين في القارة الأوروبية.

فرغم أن الصراع الدائر مع الغرب قد يضيق الخناق على الصين، إلا أن القروض التي منحتها لعشرات من الدول لتطوير بنيتها التحتية وتنفيذ ما يقرب من ألفي مشروع في إطار مبادرة (حزام واحد، طريق واحد)، ستكون أداة ضغط فاعلة لمواصلة شركاتها معها مع تفاقم جائحة كورونا.

وفي الإطار نفسه ستكون هناك دول إسلامية حصلت على قروض من خلال هذه المبادرة منخرطة في شراكة تصل إلى حدَّ التحالف القسري مع الصين في حال تعثرها عن السداد بسبب التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، ومن ثَمَّ ستخضع لشروط بكين التي ستتأرجح ما بين تسديد الديون واستيراد السلع، في وضع يشبه خطة مارشال التي وقَّعها الرئيس الأمريكي (هاري ترومان) في عام 1948م بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تم بموجبها منح ما يقرب من 13 مليار دولار لبناء اقتصادات الدول الأوروبية والتعافي من آثار ما بعد الحرب، والتي كانت في الوقت نفسه بداية للحرب الباردة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين من جهة والاتحاد السوفييتي سابقاً وحلفائه من جهة أخرى، والذين اعتبروا هذه الخطة وسيلة أمريكية للتدخل في الشؤون الداخلية لدول أوروبا.

فرغم أن اعتماد الدول الأوروبية على المساعدات المالية الأمريكية ساعدها على النهوض وإنشاء البنية التحتية من منشآتٍ وطرقٍ وموانئ ومطاراتٍ، إلا أن واشنطن حققت مكاسب مضاعفة بفتح مسارات تجارية مع أوروبا، وتمكنت من السيطرة على القرار السياسي والعسكري للقارة العجوز منذ ذلك التاريخ، ولا سيما أن خطة مارشال كانت دافعاً على تشكيل حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي فرضت من خلاله واشنطن إرادتها على أوروبا.

وفي ظل التطورات السياسية الناجمة عن جائحة كورونا، قد يكـون هذا السيناريو مرشحاً للتكرار مع اختلاف الأطراف الفاعلة فيه، ولا سيما أن الدول الكبرى تعرف جيداً كيف توظف الأزمات لفرض المسارات التي تحقق مصالحها الاقتصادية والسياسية لعقود من الزمان.

ومن هنا، تحتِّم التطورات المتلاحقة لجائحة كورونا على الدول الإسلامية والعربية عدم التسرع في عقد شراكات أو تحالفات مع أي قوة دولية لتحقيق مكاسب وقتية خلال الأزمة الراهنة، والبحث تدريجياً في المقابل عن وسائل للتكامل فيما بينها، لتستعيد قوَّتها كأمة موحدة تمتلك قرارها ومصيرها.