لقد كشف فيروس كورونا (كوفيد-19) حقيقة العالم بأسره، هذا العالم الذي تطاول في البُنيان، واستمرأ النِّعم بلا حمد أو شكران، كما انغمس في مستنقع المادية بلا حدود، وافتتن بمتعه وشهواته إلى أن وقع في دركات البهيمية، حيث لبَّى حاجات الجسد في إغفالٍ تامٍّ للتوزان المطلوب بين الروح والجسد... أضِف إلى ذلك سياسة الكيل بمكيالين في معاملة بني الإنسان؛ فها هو الآن يجأر ويئِن ضعفاً أمام فيروس ضئيل لا يُرى إلا بعين المجهر؛ فبالأحرى أن يكون هذا الفيروس قد دقَّ ناقوس خطرٍ في ضمير إنسانية هذا العالم؛ أن عُودوا إلى رُشدكم، وانتبهوا إلى حقيقتكم أمام خالقكم، لقد آن الأوان للبشرية أن ترجع إلى رشدها فترسِّخ قيم التعاون والتكافل بدل سياسة التفرقة والتظالم، وتزكي أخلاق البناء والإصلاح عوض تشجيع نماذج التخريب والإفساد والتلويث، آن لها أن تُحصن نفسها بأُسس متينة تزيدها قوة وتلاحماً؛ حتى تكون صامدة أمام كل الأزمات والأوبئة، وذلك بفطرة إنسانية سويَّة صافية، سليمة من الشذوذ والغشاوة التي حجبت نضَارتها وأعمَت بصيرتها؛ فهذه أسس متينة تصلُح للبشرية جمعاء، حتى تُبقيَ على إنسانية الإنسان بكل كرامة بلا إذلال أو امتهان.

الأساس العقدي:

إن أول الأُسس والركائز الـمُهمة التي ينبغي الاهتمام بها هو الأساس العقدي، وقد رأينا الجميع يُظهِر ضعفه وقلة حيلته أمام انتشار هذا الوباء الخطيـر، وهو ما يؤكد كون حاجة المخلُوق إلى خالقه دائمة ومُستمرة مهما بلغ هذا الإنسان من قوة.

فالله تعالى مُدبر كونه، ويعلـم ما فيه صغيراً أو كبيراً، قال سبحانه: {عَالِـمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: ٣]، كما أن له في كل ما يحدث حكمة قد تظهر للناس، وقد تخفى عليهم.

ومن سلامة العقيدة الاعتقاد الصحيح أن ما يحدث من أمر هذا الوباء هـو في علم الله تعالـى الذي لا يعزُب عنه شيء، والحكمة في ذلك تبقى من باب تأوُّل الناس، سواء أَكان ذلك عِقاباً أرسله الله تعالى للبشرية لتنتبه لغفلتها وبُعدها عن خالقها، أم كان ذلك رحمة من الخالق للإنسانية حتى ترجع إلى فِطرتها، وتبتعد عن مُستنقعاتها المادية التي غرقت فيها، من أكلٍ للحرام بالباطل، وسفك للدماء، وشهادة للزور، وهتك للأعراض.

المهم عندنا هو أن ما أصاب الإنسانية إنمـا هو من تقدير العلي القـدير، وعليـه فإن المسلم الذي قد يُصاب بهذا الوباء، فلا ينبغي عليه أن يضجر أو ييأس من رحمة الله، فإن الذي أصابه قادر على شفائه؛ غير أن هذا الاعتقاد ليس معناه الاستسلام للقدر من دون الأخذ بالأسباب، فحتى هذا الأخير، من الاعتقاد الصحيح اعتبار أن الأخذ بالاحتياطات اللازمة لعدم الوقوع في المرض، والتزام الحجْر الصحي، والتحلي بالنظافة... كل ذلك من صميم عقيدة المسلم التي ينبغي ألا تتعارض مع الاعتقاد الأول، وتجسيد هذا الفهم السليم للاعتقاد الصحيح، ما كان من حوار بين أميـر المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والصحابي الجليل أبي عبيدة بن الجراح عندما وقع الطاعون بأرض الشام.

فقد وقع طاعون سُمي بـ (عمواس) نسبة للمكان، وهو أول طاعون عرفته بلاد المسلمين، فأراد عمر بن الخطاب الذهاب إلى أرض الشام، وعند دخولها جاء وفد تشاوروا واختلفوا بشأن دخوله الأرض المصابة بالطاعون، واختلِف في تقدير الموقـف، وهـو ما يلخصـه الحـوار الذي دار بين أبي عبيدة وعمر رضي الله عنهما؛ إذ قال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم! نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت وادياً له عُدْوتَان، إحداهمـا خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيتَ الخصبة رعيتَها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتَها بقدر الله؟ قال: نعم!

وقد آثر أبو عبيدة رضي الله عنه البقاء في عمواس، ورفض دعوة عمر رضي الله عنه بمفارقة مكان الوباء، حتى أصابه الطاعون، فقام في الناس خطيباً فقال: «أيها الناس، إن هذا الوجع رحمةٌ بكم، ودعوة نبيِّكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة حظَّه».

الأساس الأخلاقي:

إن الإنسان بفطرته يميل إلى أخلاق الخير، مُبتعداً عن كل ما يلحق الضرر والتدمير {فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] ، فكل فطرة نقية سليمة لم تضع بينها وبين صفائها حاجزاً وغشاوة، تجدها ميَّالة للأخلاق الفاضلة السَّامية، مُستنكرة أخلاق الهدم والخراب، وهو مع الأسف ما وقعـت فيـه البشرية على العموم، وذلك حينما أحلَّت لنفسها التلذُّذ بأنواع من الفساد والمتع والشهوات التي جعلت الإنسان مجرد آلةٍ لإشباع الرغبات دون احترام لآدميته، أو اعتبار لكرامته الإنسانية.

لذلك كلِّه تجد انتشاراً للغش والكذب، والخذاع والمكر، والخيانة والنميمة... وما إلى ذلك من رذائل الأخلاق وسوء المعاملات، حتى أصبح الأمر أكثر تعميماً، وأخذت البشرية شيئاً فشيئاً تُطبِّع مع هذه المنكرات، من دون أن تجد من يَستنكر، غافلين عن عواقبِ ذلك كما حصل عند الأمم السابقة، ومن ذلك تحذير رسول الله # أمته من خمس خصال مُهلِكة؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله # فقال: «يا معشر المهاجرين! خمسٌ إذا ابتليتم بهنَّ وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم يُنقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوّاً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم»[1]. فإذن آن الأوان للرجوع إلى هذا الأساس الأخلاقي المتين، الذي يسمو بأخلاق الخير المركوزة في فطر الناس جميعاً، وهو ما يجعلهم أكثر صدقاً وبرّاً، وتعاوناً وإحساناً، وأمانة ووفـاء، مع عدم التشجيع على انتشار أخلاق التخريب، أو على الأقل استنكار ذلك بلا تطبيع أو تماهٍ بلا موقف واضح صريح.

الأساس الوقائي:

إن المتأمل في الإجراءات والتدابير التي تُنادي بها البشرية اليوم، تجد لها أصلاً وسبقاً في دين الإسلام؛ من طهارة وتنظيف، وتنزُّهٍ عن النجاسات وعدم تلويث...إلى ما سُمي بالحجر الصحي ومنع الاختلاط مخافة انتشار العدوى.

فليس غريباً أن تتحدث بعض الصحف الغربية عن سبق الإسلام ورسوله الخاتم إلى الدعوة إلى الأخذ بهذه التدابير الوقائية من الأوبئة والأمراض المعدية؛ بل العجيب أن تجد مسلمين مُبتعدين عن الاعتناء بأمور الزينة والجمال و «الله جميل يحب الجمال»، جمال الروح والجوهر، وجمال الجسد والمظهر، فتجد بعضهم أغبر أشعث، كريه المنظرة، مُتبذلاً لا ذوق له، أما إذا نظرت إلى محيطه وبيئته، فتجد تخريباً وتلويثاً واعتداءً على الخُضرة وأماكن التنزه، مع أن دينه الإسلام دعا إلى إماطة الأذى عن الطريق، وجعله قُربة وصدقة، قال رسول الله #: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»[2].  

كما حث على الغرس والتثمير وابتغاء النفع للنفس والغير: «ما من مسلمٍ يغرسُ غرساً أو يَزْرَعُ زَرْعاً فيأكلُ منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلاَّ كان له به صدقة»[3]. وذلك بنَفَس إيجـابي حتى يرث الله الأرض ومن عليها: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل»[4].

ولنا في تشريع الوضوء حكمة بالغة: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس؛ يمحو الله بهن الخطايا»[5].

فمقصد التخلص من الأوساخ الظاهرة واضح من دون إغفالٍ لأوساخ الباطن من غفلة وحقد وكراهية، كل ذلك ليبقى المسلم محفوظاً مُصاناً من كل أذى وضرر.

وحتى إذا وقع الأذى فقد وجَّه الإسلام إلى عدم الاختلاط بالناس بقصد نقل العدوى إليه، قال رسول الله #: «لَا يُورِدُ مُمْرض عَلَى مُصحٍّ»[6]. كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله # يقول: «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد»[7].

فإذن ما يتخذه العالم اليوم من إجراءات وتدابير وقائية هي من صميم ديننا وليست بِدْعاً منه، وحينما يُنادى في الناس بلزوم بيوتهم، فالمسلمون هم أولى الناس بتفهُّم ذلك، والوعي بأهدافه الوقائية.

الأساس التكافلي:

يعد التكافل الاجتماعي من أهم أُسس دين الإسلام، وعند الأوبئة والآفات يكون المحك الحقيقي لتجسيد هذا الأساس المتين، الذي هو عنوان رسالة الإسلام وشعاره الأبرز؛ إذ هو دين جاء ليكون الفرد فيه مسؤولاً «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته؛ فكلكم راع ومسؤول عن رعيته»[8]، وهذا من دون أن يعني ذلك عدم مسؤولية الجماعة عن الفرد.

وهو الدين الذي جعل أصحابه في تعاطفهم وتضامنهم بمثابة جسد واحد، قال رسول الله #: «مثل المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»[9] مُشكلين بذلك بُنياناً مرصوصاً يصعب فتُّه أو النيل منه أمام النائبات والأزمات «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»[10].

فمن غير المقبول أن نجد أفراداً ينتسبون إلى ديننا الإسلام، وهم يسعون بتهافت مهووس للادخار والاحتكار، أو أن بعضهم يستغل ظرف الأزمة فيزيد في الأسعار، وبعضهم تسيطر عليه الأنانية وحب الذات، فيهبُّ ساعياً لقضاء حوائجه وأغراضه منفرداً غير مكترث بغيره من الفقراء والمحتاجين.

فإذا نظرنا إلى تاريخنا الإسلامي المجيد، نجد صوراً ومواقف مشرقة لأنواع من التضامن والتكافل في عِزِّ الأزمات والشدائد؛ فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه عُرف عنه الجود والعطاء؛ إذ جهَّز جيش العسرة في غزوة تبوك، وكان يُنفق على الفقراء والمحتاجين، كما حدث قحط لأهل الحجاز في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأرسل إلى ولاته بالأنصار بالتعاون والتكافل، فتسابقت الأمصار في الاستجابة وتلبية النداء.

وهذا دأب المسلمين على مرِّ تاريخهم، وكلما كان هذا الأساس المتين واضحاً تقوَّت أواصر المحبة والأخوة بين أفراد المجتمع المسلم، حين يجد فقراؤهم الأغنياء مؤدين للواجبات عليهم من زكاة، وصدقات، وتبرعات، مُنفِّسين عن كربهم، ومُفرِّجين عن شدائدهم، فإنهم يُسرُّون بذلك، ويكونون أكثر ثباتا ورسوخاً على دينهم، قال رسول الله #: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة»[11].

فما أحوجنا هذه الأيام ونحـن نعيش خطر وباء كورونا (كوفيد - 19) أن تتكاثف جهـودنا جميعاً بتضامن الأفراد بعضهم مع بعض، وتكافلهم بما يُعزِّز قيم التراحم والأخوة والمحبة، وكذلك بدعم التوجهات الاجتماعية للدولة، حينما تقصد توجيه إعانات ومساعدات لمن يستحقها حقيقة؛ وذلك دون غـش أو تدليس، لأن المرحلة التي نعيشها تقتضي الإيثار لا الجشع والطمع؛ فلا عذر لمن له قدرة على إغاثة ملهوف ورعاية محتاج، ولا رحمة لمن لم يتخلق بأخلاق التراحم والتكافل، قال رسول الله #: «من لا يرحم لا يرحمه الله»[12].

فهذه أهم الأسس المتينة التي ينبغي للإنسانية أن ترجع إليها وترسِّخها وتشجع على تمثُّلها، وتبذل جهداً لتعليمها للناشئة والأجيال القادمة، ففيها كل الخير والنفع لعموم البشرية؛ فما أحوج الناس للأساس العقدي الذي يجعلهم آمنين مطمئنين بدل هذا الخوف والاضطراب والتيه الذي يسكن النفوس.

وهم في حاجة إلى الأساس الأخلاقي الذي يُعزز أخلاق الخير والإصلاح المركوزة في فطر الناس أصالة.

ثم الأساس الوقائي الذي يحفظ للناس صحتهم، ويُبعدهم عن الأمراض والتلوث.

ومن دون إغفالٍ أيضاً للأساس التكافلي الذي يجعل الناس سواءً، فقراءهم وأغنياءهم، متعاونين ومتراحمين، وبذلك تُواجَـه الأزمات والأوبئة، لا أن تزيد أمراض النفوس استفحالاً، فتُظهر جشعاً وأنانية واحتكاراً، ويُفقد العالم توازنه فيُعلن عجزه وهلاكه.


 

 


[1] رواه ابن ماجة في سننه.

[2] متفق عليه.

[3] رواه البخاري، ومسلم.

[4]  رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد.

[5] متفق عليه.

[6] رواه البخاري (9345).

[7] رواه البخاري (5771)، ومسلم (2221).

[8] أخرجه البخاري (2554).

[9]  رواه مسلم (4813).

[10] أخرجه البخاري (6026)، ومسلم (2585).

[11]  أخرجه البخاري (2442)، ومسلم (2580).

[12]  متفق عليه.