أصدرت الدائرة الجنـائية المتخصصة في النظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية في تونس أحكاماً بالسجن ضد عدد من المدانين في قضايا التسفير إلى بؤر التـوتر، من المنظـومة السياسية القديمة التي كانت تحكـم تونس قبل عام 2011م. وذلك بعد النظر في ملف تسفير الشبان إلى معسكرات (داعش) من خلال تسريبهم عبر الحدود في سيارات المهربين.

وقد صدر حكم بالسجن لمدة 3 أشهر في حق أحد المتهمين، ولمدة عام بحق متهم ثانٍ موقوف لدى الجهات المتخصصة، و حكم بـ 3 سنوات سجناً بحق متهم ثالث، بينما قضت المحكمة بالسجن لمدة 30 عاماً بحق 4 متهمين، والسجن لمدة 36 سنة مع النفاذ العاجل بحق متهم خامس.

وقد وجهت للمدانين تهم الانضمام إلى تنظيم إرهابي، والإرشاد والتدبير والتسهيل والمساعدة في مغادرة أشخاص للتراب التونسي بهدف ارتكاب جرائم إرهابية.

تكتم شديد:

وقال الناطق السابق باسم وزارة الداخلية التونسية العميد هشام المؤدب لـ ^: «هناك تكتم شديد من عدد من الجهات بمن فيها الإعلامية على كشف هويات المتهمين، سواء الفاعلين الرئيسيين الذين يقفون وراء عمليات التسفير، أم الذين ساعدوهم لوجستياً، ومنهم الأطراف التي تمت محاكمتها الأسبوع الماضي في تونس وصدرت بشأنها أحكام تراوحت بين 3 أشهر و 36 سنة سجناً».

وتابع: «بعد الثورة خسرت المنظومة السابقة بعض مواقعها، وتم إبعادها برغبة من الشارع وبأحكام قضائية ومن خلال الانتخابات بعد ذلك، لكنْ أطراف منها إلى جانب عائلات نافذة أصرت على خلق ثورة مضادة، واستهداف منظومة الحكم الجديدة».

وأردف المؤدب: «الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية هي الأكثر استهدافاً لأنها الأكبر حجماً، وهناك سبب آخر فيه شركاء متشاكسون؛ وهو مرجعيتها الإسلامية التي تثير حروب الأحزاب (نسبة لغزوة الأحزاب) ضدها من جديد».

وواصل: «هناك الأحزاب ذات المرجعيات الليبرالية واليسارية التي تلتقي مع المنظومة السابقة في بعض التقاطعات وهي أقل استهدافاً من قبل المنظومة السابقة والعائلات النافذة، بل تلتقي معها في بعض المصالح كما حدث في (اعتصام الرز بالفاكهة) بباردو سنة 2013م، وقبل ذلك وبعده».

المنظومة السابقة والأذرع المالية:

أكد المؤدب على أن «استهداف الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية لم يكن من الداخل فحسب؛ بل من الخارج، وهناك تنسيق بين بعض الأطراف في الداخل والخارج في هذا الإطار، لأسباب أيديولوجية وسياسية واقتصادية».

وأشار إلى أن «أصحاب المصالح الاقتصادية وبعض رجال الأعمال يخشون على مصالحهم التي يرونها مهددة مع منظومة الحكم بعد عام 2011م ويعتقدون أن مكاسبهم ستكون مضمونة لو عادت المنظومة السابقة التي عملوا في ظلها طوال عقود من الزمن، ومن هنا جاء التنسيق فيما بينها للإطاحة بالمنظومة الجديدة وعمودها الفقري، وهو الأحزاب الإسلامية».

ولضرب العمود الفقري للمنظومة الجديدة أو منظومة الثورة، وَفْقَ المصدر، «تم اعتماد ثلاثة محاور أو ملفات أساسية، تتمثل في توجيه اتهامات الإرهاب، والعلاقة مع الإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر، والتسفير بشكل مباشر أو غير مباشر، والاغتيالات، بشكل مباشر وغير مباشر، إلى الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية لإسقاطها بكل الطرق، ومن ثَمَّ إعادة عقارب الساعة إلى الوراء! ولم ينجحوا في ذلك، وأكبر دليل على ذلك الأحكام القضائية الصادرة أخيراً بحق محسوبين على المنظومة السابقة التي أكدت أنهم وراء عمليات التسفير إلى الخارج».

لماذا يُستهدَف الإسلاميون؟

وحول الأهداف الخارجية لعملية شيطنة الإسلاميين في تونس، أفاد المـؤدب بأن «هناك جهات تعتبر نجاح تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، وما يعرف بالربيع العربي، تهديداً وجودياً لأنظمتها السياسية، فيما يخص الإقليم، أو مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية فيما يتعلق بالكيان الصهيـوني، وبعض الدول الاستعمارية، وتعتقد أن الإسلاميين هم قطب الرحى، والعمود الفقري للتحول السياسي والربيع العربي، وضربُهم مقدمة للإجهاز على التحول السياسي والحيلولة دون تحقيق أحلام شعوب المنطقة في الحرية والمشاركة السياسية ودخول عالم الأمم الحرة».

كما أكد المؤدب على أن «جميع الاتهامات باطلة، ولخدمة أهداف سياسية، وابتزاز خصم سياسي هو (حركة النهضة) ودفعه إلى بعض الإكراهات، وهو ما أكده مصدر من الجبهة الشعبية (سابقاً) وأحد القيادات البارزة في خريطة اليسار في تونس، قبل أن تصدر الأحكام القضائية الأخيرة، وستنجلي كثير من السحب حول المزيد من الحقائق في مستقبل الأيام».

تداعيات الأحكام الصادرة:

وعن تداعيات الأحكام الصادرة نهاية فبراير/ شباط الماضي ذكر المؤدب أن «الأمن والقضاء والمجتمع السياسي أصبحوا على علم بحقيقة الإرهاب والتسفير وحتى الاغتيالات، ولكن للدوافع والأسباب التي نعلمها جميعاً كانت ردود الأفعال مختلفة عمَّا لو ثبتت تلك التهم بحق من اتهم بها، وهذه حقيقة جديرة بالتسجيل والوقوف عندها ملياً».

وذهب محدثُنا إلى أكثر من ذلك عندما أكد على أن «بعض الأطراف ستواصل إثارة تلك الاتهامات بل تلك الأكاذيب حتى بعد صـدور الأحكام القضائية آنفة الذكر، فشعارها هو: الغاية تبرر الوسيلة، دون أدنى حياء أو خجل، أو اعتبار للأخلاق السياسية، ولكن ذلك سيكون مدعاة للسخرية بلا ريب».

الأذرع الاعلإمية:

واتهم المؤدب جزءاً من المنظومة الإعلامية بأنها «جزء من المنظومة السابقة وهي شبكة عنكبوتية على الإنتـرنت ومواقع التواصل الاجتماعي، معقدة وتضم أصحاب مصالح من دوائر مختلفة في البلاد. وإلا كيف تفسر صمتها عن أبراز الأحكام العدلية الصادرة عن القضاء التونسي الشامخ».

كما اتهم بعض وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بأنها «أذرع لبعض النافـذين السياسيين والماليين وتربطها بهم علاقات وطيدة تعود لزمن النظام السابق؛ بل بعضها كان مملوكاً لأسرة بن علي أو قريبة منها». ومن ثَمَّ - والكلام للمصدر -: «لا يمكن لوسائل الإعلام المتمركزة في قلب المشهد الإعلامي أن تهتم بصدور هذه الأحكام وتعقد لها الندوات والبرامج أو تتناولها بإسهاب كما تفعل مع قضايا أخرى؛ إذ إنها بدورها متورطة مع بعض الجهات في المنظومة السابقة وأذرعها المالية».

مجلس النواب وأضلع الجريمة:

وطالب المؤدب السلطة التشريعية بـ «دعوة الجهات المتخصصة المعنية بهذه القضايا للاستماع إلى أقوالها من الجانب التقني والفني، لأن هناك ملفاً رابعاً سيرفع في المدة القادمة بعد فشل الملفات الثلاثة آنفة الذكر، حتى ينجو من يقفون وراء الاتهامات من القصاص القضائي الناجز».

وجدَّد الطلب إلى مجلس نواب الشعب بدعوة أهل الاختصاص للإدلاء بشهاداتهم: «كنت قـد توجـهت سابقاً إلى مجلس النواب وقدمت المعطيات التي لدي بخصوص شبكات التسفير التي تقف وراءها جهات صهيونية وهناك عناصر داخلية ساهمت في ملف التسفير».

وأشار إلى أن «هناك ثلاثة أضلع مشتركة في جريمة التسفير، وهي جهة داخلية وجهة خليجية وجهة أوروبية وطرف في بلد مجاور وهو ما يفرض على مجلس نواب الشعب، وبدعوة من لجنة الأمن والدفاع، الاستماع إلى أهل الاختصاص لكشف الحقيقة وتحت هذا العنوان، وإرسال رسالة للمواطنين والمتابعين في العالم تطمئنهم من جهة وتفتح أعينهم على حقيقة التسفير والإرهاب والاغتيالات، ومَن وراءها، وكيف تدبر هذه العمليات وكيف تدار، وكيف تنفَّذ، ومن يتم كشف ضلوعه في أيٍّ من الجرائم يجب تطبيق القانون عليه مهما كان».