الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: 

فإن الحديث عن الأوبئـة في هذه الأيام حديث ذو شجون حديث غلب على مجالس الناس هنا وهناك صغيرهم وكبيرهم في المجالس العامة والخاصة وعبر برامج التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئي والمسموع، حـديث غلب كل حديث وغطى على كل علم وأنيس؛ فناسب ذلك الحديثُ عن شيء مما يتعلق بهذه الأوبئة بإيجاز بما يكشف شيئاً من تاريخها وحِكمة إيجادها وبعض أحكامها الفقهية، مشيراً في ثناياه على عجل إلى آثارها التربوية على الفرد والمجتمع فأقول مستعيناً بالله تعالى:

ربنا - جل في علاه - ذكر في كتابه حالاً من أحوال خلق الإنسان بقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: ٤] {فِي كَبَدٍ} أي في نصب وشدة ومشقة[1]، ومن ذلك الأوبئـة[2] التي تظهر بين فينة وأُخرى في بلاد المسلمين وغيرهم، فقد ذكر المؤرخون أن «الطواعين المشهورة العظام في الإسلام خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم  في سنة ست من الهجرة، ثم طاعون عمواس في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان بالشام مات فيه خمسة وعشرون ألفاً، ثم طاعون الجارف في زمن ابن الزبير في شوال سنة تسع وستين هلك في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفاً، مات فيه لأنس بن مالك - رضي الله عنه - ثلاثة وثمانون ابناً، ويقال: ثلاثة وسبعون ابناً، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابناً، ثم طاعون الفتيات في شوال سنة سبع وثمانين، ثم كان طاعون في سنة إحدى وثلاثين ومئة في رجب واشتد في شهر رمضان فكان يحصى في سكة المريد في كل يوم ألف جنازة أياماً ثم خفَّ في شوال، وكان بالكوفة طاعون وهو الذي مات فيه المغيرة بن شعبة سنة خمسين»[3].

وعلق عمرو بن العاص رضي الله عنه بعمود خبائه سبعين سيفاً كلها ورثها عن كلالة عام طاعون عمواس، ولم يكن أحد يقول لأحد: كيف أصبحت ولا كيف أمسيت حين كثر فيهم الموت[4].

وفي سنة 749هـ حدث طاعون عظيم جداً عم الدنيا مات فيه خلق كثير من العلماء والأمراء وعامة الناس وخاصتهم[5]. وتلا ذلك طواعين عدة.

وفي عام 1918 - 1919م توفي بسبب الإنفلونزا الإسبانية قرابة مئة مليون نسمة وَفْقَ بعض التقديرات.

وفي عام 1337هـ انتشر الطاعون في نجد وسُميت تلك السنة سنة الرحمة فقد تكسرت النعوش من كثرة الموتى واستعانوا بأبواب المنازل والبسط في نقل الموتى إلى المقابر[6].

وهذه الأمراض التي تتفشى ما هي إلا مخلوق من مخلوقات الله تعالى {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] يسلطها الله تعالى على من يشاء من عباده؛ عقوبة لقوم وابتلاء ورفعة لآخرين، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن الطاعون؟ فأخبرني أنه «عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ»[7].

ثم إن هذه الأمراض بتعدد أنواعها (كورونا - إنفلونزا الخنازير - إنفلونزا الطيور - جنون البقر - الوادي المتصدع - الطاعون - الكوليرا - إيبولا - الجدري...) ما هي إلا مخلوقات مؤتمِرات بأمر الله تعالى {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [الفتح: ٤] وحصرها متعذر؛ فهي تتجدد ما بين فينة وأخرى {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدثر: 31].

ولتفشي هذه الأوبئة العامة أسباب منها:

ظهور الفاحشة والمجاهرة بها: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: «يَا مَعْشَرَ المهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا»[8].

وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وَلَا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ»[9]. قال ابن القيم: «لا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة»[10]. قال تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: ١٤].

التعدي على حرمات الله تعالى بأكل ما حرم: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْـمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَـحْمُ الْـخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْـمُنْخَنِقَةُ وَالْـمَوْقُوذَةُ وَالْـمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: ٣].

قلة النظافة وملامسة القاذورات: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثاً فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»[11].

 

والوقاية من تفشي هذه الأوبئة خير من العلاج، ومن صورها:

الحجر الصحي: وأول مَن سنَّه في التاريخ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فعن عبد الله بن عامر أن عمـر خرج إلى الشام، فلما كان بسرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام فشاور الصحابة في ذلك فكان ممن دعا مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمـر في الناس: إني مصبِّح على ظهر فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما: «أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة - وكان عمر يكره خلافه - نعم! نفر من قدر الله إلى قدر الله، ثم أخبره عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَـا، فَلاَ تَخْرُجُـوا فِرَاراً مِنْهُ» فحمد الله عمر ثم انصرف[12]. فالدولة بحَجْرها فرَّت بالناس من قدر التعرض لسيئ الأسقام إلى قدر السلامة والعافية، ولا حول ولا قوة إلا بالله. عن عمرو بن أمية رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم  أُرسل ناقتي وأتوكل؟ قال: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ»[13]. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل»[14].

ومنها تفريق الناس وتباعد بعضهم عن بعض: كما تدعو إليه وزارات الصحة وقد سبقنا الصحابة إلى ذلك؛ ففي عام طاعون عمواس لما استُخلف على الناس عمرو بن العاص رضي الله عنه قام خطيباً في الناس فقال: «أيها الناس! إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتجبَّلوا منه في الجبال» قال الراوي: فبلغ ذلك عمرَ بن الخطاب مِن رأي عمرو فوالله ما كرهه[15].

ومنها حظر التجول: فقد تضطر الدولة لحظر التجول للحدِّ من تفشي الأوبئة والأمراض؛ فالواجب الامتثال لذلك والتقيـد به {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: ٩٥] قال القاضي يونس: وأخبرني ثقة من إخواني، عن رجل كان يصحبه (يعني أبا وهب القرطبي الزاهد ت 344هـ) أنه قال: بِت عنده في مسجد كان كثيراً ما يأوي إليه بقرب حوانيت ابن نصير بقـرطبة. فلما كان في الليل تذكر صديقاً له من الصالحين فقال: وددت أن نكون معه الليلة. فقلت: وما يمنعنا من ذلك؟ ليست علينا كسوة نخاف عليها، إنما هي هذه الجبيبات، فاخرج بنا نحوه. فقال لي: وأين العلـم؟ وهل لنا أن نمشي ليلاً ونحن نعلم أن الإمام الذي ملَّكه الله أمر المسلمين في هذه البلدة قد منع من المشي ليلاً، وطاعته لنا لازمة؟ ففي هذا نقض للطاعة وخروج عما يلزم جماعة المسلمين. فعجبت من فقهه في ذلك[16]. وفي أحـداث سنة (749هـ) سنة تفشي الطاعون أمر نائب السلطنة في دمشق أن لا يمشي أحد بعد عشاء الآخرة[17].

ومنها ترك مخالطة ذوي الأمراض الخطيرة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ»[18].

ومنها ترك المصافحة: عن الشريد رضي الله عنه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم : «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ»[19].

تغسيل اليدين قبل الأكل: وهو ما يحث عليه الأطباء بينما هو سنة نبوية؛ فعن أم المؤمنين عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم  قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل ويشرب يغسل يديه، ثم يأكل ويشرب»[20].

الاهتمام بالنظافة: ويظهر ذلك جلياً في إسباغ الوضوء بغسل كل عضو ثلاثاً، قال لقيط بن صبرة رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء؟ قال: «أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِماً»[21].

ومنها عموماً بذل الأسباب التي تحول دون ذلك: عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ»[22].

ومنها الاستعاذة بالله من سيئ الأسقــــــــام: عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَمِنْ سَيِّئِ الْأَسْقَامِ»[23].

ومنها الإكثار من سؤال الله العافية: عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله! علمني شيئاً أسأل الله به، فقال: «يَا عَبَّاسُ! سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ»، ثم مكثت ثلاثاً، ثم جئت فقلت: علمني شيئاً أسأل الله به يا رسول الله، فقال: «يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّه! سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»[24].

ومنها التعـــــــــــوذ بالله مــــــــــــن تحــــــــــــول العافيــــــــــــة: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهمــــا قــــال: كان من دعــــاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ»[25].

ومنها أن نوقن أن لكل داء دواء: لذا لا بد من دعم كليات الطب ومختبراتها بما يعين على اكتشاف الأمصال الشافية لتلك الأوبئة بأمر الله؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً»[26] وجاء من حديـــــث ابـــــن مسعود رضي الله عنه وزاد: «عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»[27].

قـــال ابن القيـم رحمه الله تعالـــى: «في الأحاديـــث الصحيحـــة الأمـــر بالتـــداوي وأنه لا ينافي التوكـــل، كما لا ينافيـــه دفـــع داء الجـــوع والعطش، والحر والبرد بأضـدادها، بل لا تتـم حقيقـة التوحـيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبهـــا الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلهـــا يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمـــة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزاً ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصـــول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضـــره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشـــــرة الأسبـــاب وإلا كــــــــــان معطلاً للحكمــــــة والشــرع فـــــلا يجعـــــل العبدُ عجـــــزَه توكلاً ولا توكلَه عجـــــزاً»[28].

ومع كل التحفظات وبذل الأسباب إلا أن قدر الله تعالى نافذ فمكتشف الكورونا مات به:

قل للطبيب تخَطَّفَتْه يدُ الردى

 يا شافيَ الأمراض من أَرداكا

قل للمريض نجا وعُوفى بعدما

 عجزتْ فنون الطِّب من عَافاكا

قل للصحيح يموتُ لا مِنْ علَّةٍ

 من بالمنايا يا صحيحُ دهاكا

الواجب علينا في هذه النازلة:

أولاً: أن لا نستعلي ونظن استغناءنا عن الله تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي كَبَدٍ 4أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} [البلد: ٤ - ٥] بل جاء الوعيد {حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 42].

ثانياً: لنعلم أن الأمر كله لله تعالى {لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: ٤] {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [الحديد: ٢٢].

ثالثاً: لنعزم العودة إلى الله تعالى ونتضرع إليه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ 42 فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 42 - 43].

وقال تعالى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ الْـمُعْتَدِينَ 55 وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْـمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 55 - 56] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْداً ابْتَلَاهُ لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ»[29]. قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: «الأمراض مواسم العقلاء يستدركون بها ما فات من فوارطهم وزلاتهم إن كانوا من أرباب الزلات، ويستزيدون من طاعاتهم إن لم يكـونوا أرباب زلات، ويعتـدونها إن خلصوا منهـا بالمعافاة، حياة بعد الممات. فمن كانت أمراضه كذا اغتنم في الصحة صحة فقام من مرضه سليم النفس والدين. والكامد ينفق على الأدوية، ويعالج الحمية، ويوفي الطب الأجر، وليس عنده من علاج دينه خبر. فذاك ينصرع بالمرض انصراع السكران، ويفيق من مرضه إفاقة الإعداد لسكر ثانٍ»[30].

رابعاً: لنعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا وهو من لوازم الإيمان بالقضاء والقدر قال نبينا صلى الله عليه وسلم : «لَوْ كَانَ لَكَ جَبَلُ أُحُدٍ أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَباً أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَأَنَّكَ إِنْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ»[31].

خامساً: أن ننشر الطمأنينة والتفاؤل: عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ»[32].

سادساً: أن نحسن الظن بالله تعالى بزوال الغمة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ»[33] ومن حسن الظن حسن التوكل عليه {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} [الطلاق: ٣].

سابعاً: مَن ابتلي بهذه الأمراض فليصبر وليحتسب وليفعل ما أُمرنا به {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْـخَوْفِ وَالْـجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ 155 الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ 156 أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157].

ثامناً: أن نتجنب السب والشتم: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ المسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ؟)[34] قالت: الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: «لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»[35].

تاسعاً: الاستفادة من هذه الأوقات التي كثرت الشكاية فيها من الفراغ بسبب ملازمة البيوت فهي فرصة لتلاوة القرآن والاتيان بالنوافل التي حال دونها كثرة الأشغال.

عاشراً: استشعار النعمة العظيمة التي كنا نعيشها وما زلنا والحمد لله؛ من أمن وعافية وسعة رزق، قال نبينا صلى الله عليه وسلم : «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافىً فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»[36].

الحادي عشر: بسبب لزوم البيوت ظهر الملل عند كثير من الناس فليكن هذا دافعاً للاهتمام بوالدينا ممن هم في إقامة دائمة في بيوتهم أتعبهم الفراغ وطول الهجر.

الثاني عشر: الدعاء لكل من ساهم في دفع هذا الوباء عن البلاد والعباد من ولاة الأمور والعلماء والأطباء ورجال الأمن وغيرهم ممن لا يعلمهــم إلا الله؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قـــــال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»[37].

وأختم بأنه يُرجى الشهادة لمن مات بهذا الداء لكونه يصيب الرئتين بالتلف ففيه شبه بالسل، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه عن النبــــي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «السُّلُّ شَهَادَةٌ»[38].

اللهم! إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة. اللهم! إنا نسألك العفو والعافية في ديننا، ودنيانا، وأهلينا وأموالنا. اللهم! إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك. اللهم! إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعـافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك، أنت كمـا أثنيت على نفسك، والحمد لله رب العالمين.


 


[1] فسرها بالنصب والشدة ابن عباس، وبشدة سعيد بن جبير وعكرمة والحسن، وبمشقة قتادة. تفسير الطبري 24/408، تفسير ابن كثير 8/403، الدر المنثور 8/520.

[2] جمع وباء، وأكثر أهل اللغة أن جمع وباء «أوبية» كهواء وأهوية. انظر: لسان العرب 1/189، القاموس المحيط/55، تاج العروس 1/478، وجاء في بعض كتب اللغة أن الجمع «أوبئة» الصحاح 1/79، المصباح المنير 2/646، ولا أدري هل هو تصحيف.

[3] شرح النووي لصحيح مسلم 1/106، وانظر: التعازي للمبرد/215، المعارف لابن قتيبة/601، المسالِك في شرح موطأ مالك 7/206، المنتظم 4/247.

[4] المنتظم 4/248، مرآة الزمان 5/267.

[5] البداية والنهاية 18/503 - 507.

[6] تذكرة أولي النهى والعرفان 2/257.

[7] البخاري (3474).

[8] رواه ابن ماجة (4019)، والبيهقي في الشعب (3042)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (764).

[9] أخرجه الحاكم (2577) وقال: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي. وقال الحافظ: «الحاكم بسند جيد»، فتح الباري 10/193.

[10] الطرق الحكمية 2/724.

[11] البخاري (162)، ومسلم (278) واللفظ له.

[12] البخاري (5730)، ومسلم (2219).

[13] صححه ابن حبان (731)، والمناوي في الفيض 2/7.

[14] زاد المعاد 4/14.

[15] رواه أحمد (1697).

[16] تاريخ الإسلام 7/812، سير أعلام النبلاء 15/507.

[17] البداية والنهاية 18/508.

[18] البخاري (5707).

[19] مسلم (2231).

[20] أحمد (24872)، والنسائي (257)، وصححه البغوي في شرح السنة 2/34، والمناوي في التيسير 2/237.

[21] الترمذي (788)، والنسائي (87) وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».  وصححه ابن خزيمة (150).

[22] مسلم (2014).

[23] أحمد (13004)، وأبو داود (1554)، وصححه ابن حبان (1017),

[24] أحمد (1783)، والبخاري في الأدب (726)، وصححه الترمذي (3514).

[25] مسلم (2739).

[26] البخاري (5678).

[27] ورواه أحمد (3578)، وصححه الحاكم (8205)، ووافقه الذهبي.

[28] زاد المعاد 4/14.

[29] رواه هناد في الزهد (405) قال المناوي رحمه الله تعالى: «حسن لغيره»، التيسير 1/60.

[30] الفنون 1/413.

[31] أحمد (21611)، وصححه ابن حبان (727) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.

[32] البخاري (5756)، ومسلم (2224).

[33] أحمد (7956)، وأبو داود (4993)، وصححه ابن حبان (631).

[34] أي تتحركين حركة شديدة وترتعدين. شرح النووي لصحيح مسلم 16/131، فيض القدير 6/401.

[35] مسلم (2575).

[36] الحميدي (443)، والترمذي (2346) وقال: «حديث حسن غريب».

[37] أبو داود (1672)، وصححه ابن حبان (3408).

[38] الطبراني في المعجم الأوسط (1243)، وفي الكبير (6115)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3691).